"التمرد" مسرحية تهجر المظاهر لحياة روحية أعمق

مسرحية “التمرد” التي تعرض حاليا في البوف دو نور بباريس عدّها النقاد عند عرضها أول مرة عام 1870 طليعية، فقد فتح مؤلفها دو ليل آدم الباب على مسرح جديد، تؤكد فيه المرأة رغبتها في التحرر والانعتاق من قيود المجتمع، إذ تهجر عالم المظاهر لتحيا بعمق حياة روحية رغبة في تحقيق الذات.
الاثنين 2015/05/11
أنوك غرينبرغ تقدم دورين لامرأتين أعياهما الحب

نشأ الماركيز أوغست دو فيلييه دو ليل آدم (1838- 1889) في وسط بورجوازي، وتنقل بين مسقط رأسه في مقاطعة بريطانيا الفرنسية وباريس، وكان من أبرز وجوه الوسط الأدبي في القرن التاسع عشر، خصوصا بعد زواجه من ابنة تيوفيل غوتييه صاحب الرواية الشعبية الشهيرة “الكابتن فراكاس″، وصِلته بكبار الكتاب والشعراء في ذلك الوقت مثل فرلين والأخوين غونكور وبودلير وخصوصا مالارميه، وكانوا يساهمون في إثراء “مجلة الآداب والفنون” التي كان يرأس تحريرها. كتب القصة والرواية والشعر وألف عدة مسرحيات مثل “إيلين” و”مورغان” و”العالم الجديد” و”الهروب” و”التمرد” التي بين يدينا.

تحتوي المسرحية على عدة ألغاز، من ذلك مثلا أن يعطي رجل الكلمة لامرأة للتعبير عن أفكاره، وهو ما لم يكن معهودا في ذلك الوقت. ومنها أيضا أن تتقمص تلك المرأة وحدها توق النساء إلى عالم شاعري يواجه عالم المال. ما يوحي بأن من يملك حياة روحية في تلك الفترة من نهاية القرن التاسع عشر لا يمكن أن يكون إلاّ من جنس الإناث، إلى درجة أن شاعرا مثل دو ليل آدم يتخذها ناطقا باسمه، وفي تأويل آخر مثيله الأصدق. فالخطاب الذي تنطق به البطلة إليزابيت أشبه بمرافعة من أجل حياة الروح والفكر ضد الحياة المادية، وحتى ضد الحياة الاجتماعية.

في عصر كانت فيه النساء بطونا تنجب وخدما تلبّـي، وحياتهن منذورة للآخرين، تمردت إحداهنّ، ولكنها لم تملك الشجاعة لتمضي بجسارتها حتى النهاية

هي صورة لتمرد امرأة على زوجها في مستويين: تمرد داخلي أشبه بحوار باطني، وتمرد خارجي تمثل في مغادرة عش الزوجية ليلا. ومردّ ذلك التمرد أن الزوج رأسمالي، عمليّ، لا يشغله غير العمل وعقد الصفقات الرابحة، رجل مطمئن لحياة ليس فيها عاطفة ولا خروج عن المألوف، فيما زوجته الشابة حساسة، شاعرة بالفطرة، ولم تكن تتمنى سوى أن يبادلها زوجها حبّا بحب، ولكنها لم تجد منه غير الإهمال، وكأنها قطعة أثاث تزيّن البيت.

وإذا كانت مولي بلوم بطلة المسرحية المستوحاة من رواية “عوليس″ لجيمس جويس تتحدث باستمرار جنب زوجها النائم، المهدود بالسكر، فإن إليزابيت تتوجه مباشرة بكلامها إلى زوجها المذهول بما يسمع، المحتج بين الحين والآخر على أشياء لا يفهمها، المعترض بانفعال على نبرة التحدي التي لم يعتدها.

ما يجمع المرأتين، مولي بلوم وإليزابيت، تقمص الممثلة أنوك غرينبرغ لدوريهما، في المسرح نفسه، وكذلك رومانسيتهما، فقد علقت كلتاهما آمالا كبيرة على الحب، والحلم بسعادة زوجية غامرة قائمة على هذه العاطفة النبيلة، ولكأن حب النساء فوق طاقة الرجال.

كانت إليزابيت في البداية تريد الذهاب دون تفسير، ولكن زوجها استثارها بزعمه أن لها عشيقا في انتظارها، فراحت تعرب عما يحتدم في داخلها بصوت عال، لا لمحاولة إقناعه، بل لجلبه إلى عالمها الداخلي، لعله يشاطرها أحاسيسها، ولكن دون جدوى، فقد كان عاجزا عن فهم أي شيء، حتى معنى كلمة حلم، حيث تقول: “ليس بوسعك أن تهبني غير العدم بدل الحلم”.

ثم تغادر البيت ليلا، فيخيل للمتفرج أنها ذهبت بغير رجعة، ولكنها تعود عند الفجر، لتجلس إلى طاولة الحسابات، حيث يلقاها زوجها بالسخرية والشماتة، لأنها في رأيه عادت إليه ذليلة صاغرة. هذه العودة مثلت حاجزا لم يجرؤ المؤلف، من خلال بطلته، على تخطيه، فالمجتمع لم يكن مهيّأ بعد لمثل ذلك التمرد.

ما يجمع المرأتين، مولي بلوم وإليزابيت، تقمص الممثلة أنوك غرينبرغ لدوريهما، في المسرح نفسه، وكذلك رومانسيتهما

في عصر كانت فيه النساء بطونا تنجب وخدما تلبّـي، وحياتهن منذورة للآخرين، تمردت إحداهنّ، ولكنها لم تملك الشجاعة لتمضي بجسارتها حتى النهاية. لقد عاشت بين الصمت والخضوع، وفي ليلة، راجعت ما أضافه مهرها إلى رصيد زوجها، وما كان مدينا به نحوها، فتركت طفلها وانصرفت، لا للقاء حبيب كما فعلت مدام بوفاري، ولكن لتحيا الحياة التي كانت بها تحلم.

وفي هذا كان دوليل آدم سابقا لعصره، إذ تناول بالتحليل تحولات تلك المرحلة قبل ربع قرن من حدوثها. ففي عام 1870، كانت فرنسا تحاول الخروج من ثوراتها المتتابعة، وتستعد لخوض حرب ضد بروسيا، وفي خضم ذلك كان صاحبنا يستشعر وصول عالم المال والأعمال إلى السلطة، العالم الوضعي للذين يؤمنون بأولوية الواقع المعيش والمخترعات العلمية الجديدة (كالكهرباء والتلغراف والسكك الحديدية) على الحياة الروحية، ويحلم بعالم آخر، عالم الشعر والطبيعة ومناجاة النفس.

وقد أراد بهذا العمل أن “يقتل” مسرح عصره. في رسالة إلى صديقه مالارميه كتب يقول “ينبغي إرباك القارئ. نعم، أنا فخور بأنني اهتديت أخيرا إلى الطريق التي تقود إلى قلب البورجوازي. لقد تقمصته لكي أقتله بمتعة ووثوق”.

يقول المخرج مارك باكيان “إن بناء شخصية إليزابيت أقل تماسكا من بناء شخصية نورا البطلة التي ابتكرها إبسن بعد دوليل آدم بعشر سنوات، ولكنها أكثر اندفاعا في تمردها، ومن ثم فالمسرحية ليست دراما بورجوازية ولا فودفيل بل بورتريه امرأة فاضحة وكئيبة”.

16