التمساح والثعبان والسمكة وفلاحون بوجوه طفولية

الفنان التشكيلي طه القرني: لا يوجد ابتكار فني واللوحة تجديد للخطاب البصري.
الأحد 2020/03/15
زخم دلالي تعكسه مفردات الحياة الريفية

في ظل موجة من التغريب تمتد جذورها إلى أعماق تاريخية وتطال راهنًا أوجه الحياة كافة، يبقى الحفاظ على التراث والهوية الوطنيّة خيارًا غير مألوف، غير أنه قادر دومًا على تأسيس ثقافة وفنون مغايرة وأصيلة ومُعبّرة عن ذاتها. من هنا تأتي أهمية بعض التجارب التشكيلية في الدول العربية، ومنها المشروع الأصيل للتشكيلي المصري طه القرني.

“من مصر” عنوان المعرض التشكيلي الذي استضافه جاليري إبداع بالقاهرة على امتداد شهر، بدءًا من 5 فبراير، وضمّ ما يقرب من ثلاث وثلاثين لوحة نفذها الفنان التشكيلي طه القرني على مدار ثلاث سنوات والذي يواصل مشروعه الفني المُرتكز حول هيامه بمفردات الحياة المصرية المُتجسِّدة لدى طبقات من المُهمّشين في القرى والنجوع.

يستقي القرني من التراث الشعبي موتيفاته التشكيلية التي يُعبّر من خلالها عن أدق تفاصيل الحياة البسيطة في القُرى، والتي قد تبدو من منظور مديني جزءًا من الماضي ومُستدعاة بدافع نوستالجي، إلا أنها في حقيقة الأمر صور حيّة من واقع مهمش ومنسيّ بكل تفاصيله وشجونه.

كشف طه القُرني في حديثه مع “العرب”، أن معرضه حلقة في مشروعه الفني الطويل والذي ينحاز دومًا لليسار بكل ما يحمله من مبادئ تنتصر للفقراء والمهمشين، وهي إشكالية لا تخص مصر فقط لكنها حاضرة في عديد من الدول العربية التي باتت واقعة تحت براثن التفاوت الطبقي بضراوة.

وتعد أعماله، “سوق الجمعة” و”جدارية المولد” و”جدارية المحافظات” ثم “جدارية عزبة الصعايدة”، مشروعا كبيرا تتبين من خلاله مساحات انتماء الفنان وانحيازه، وحرصه على أن يكون شديد المحلية، ما جعله يحفر نفقه الفني الخاص به في المشهد التشكيلي المصري.

الوجه الجمعي

عمق الروابط الإنسانية في تكوين بصري متناغم
عمق الروابط الإنسانية في تكوين بصري متناغم

يرى القرني أن تغريب الفن بات مشكلة حاضرة في الدول العربية كافة، بعدما صار سياسة عالمية مدفوعة الأجر تهدف إلى طمس ملامح الهوية الوطنية الخاصة كل شعب، وهو ما حاول أن يقاومه عبر مشروعه الفني الهادف إلى تبيان الوجه الجمعي للوطن للكشف عن المعاناة المجتمعية.

في سبيل ذلك تفرض كل مرحلة في مشروعه أسلوبها الفني الذي يميزها، فقد تُطرَح الرؤية بشكل مباشر أقرب إلى الكلاسيكية أو برؤية فنية أكثر زخمًا تستعين بالتأثيرية أو التعبيرية.

يرى القرني أن تغريب الفن بات مشكلة سائدة عربياً، بعدما صار سياسة عالمية مدفوعة الأجر هدفها طمس الملامح الخاصة لكل شعب
يرى القرني أن تغريب الفن بات مشكلة سائدة عربياً، بعدما صار سياسة عالمية مدفوعة الأجر هدفها طمس الملامح الخاصة لكل شعب

تبدو لوحات معرض “من مصر” كأنها تجسيد حي لعوالم الحارة والقرى، كما سجلتها أعمال نجيب محفوظ وخيري شلبي وطه حسين الأدبيّة، فالفلاحون البُسطاء يحتلون واجهة معظم اللوحات التي تُفصِّل ملامح ارتباطهم بالأرض والحيوانات والطيور إلى درجة التوحد معها وانعدام وجودهم بفقدانها، تبدو العناصر كافة وكأنها وحدة واحدة لا يُمكن تجزئتها وهو التعبير التشكيلي المُرهف عن حياة القرية بتفاصيلها الشاعرية والدقيقة.

ويبني الفنان المصري عوالم لوحاته التشكيلية استنادًا إلى توظيف مُرهف ودقيق لموتيفات التراث الشعبيّ برموز تشكيلية تحمل زخمًا مُعبّرا عن تراث ثري، أو باستدعاء الفنون الشعبيّة المُتجذرة في الوجدان العام، والتي لا تزال حاضرة في كثير النجوع المصرية.

يشير القرني، إلى أن الرموز المصرية القديمة تأتي بمثابة موتيفات متصلة بالفن الشعبي مثل السمكة والتمساح والثعبان، لتضعنا أمام مشاهد متغيرة وكثيفة الدلالة مثلما نجد من معاني الخير التي تحملها السمكة كرمز في اللوحة، وكذلك التمساح الذي يرمز إلى الفيضان، والذي يرتبط بالبيت المصري بشكل قوي، والوحدات الزخرفية مثل المثلثات المعكوسة والتي نجدها في منطقة النوبة بجنوب مصر بشكل كبير.

ويلفت التشكيلي المصري إلى أن المعرض الأخير يعتبر تجليًا لما استدعته ذاكرة الطفولة لديه التي عايش فيها أنماطًا متنوعة من المشاهد المحفورة في ذاكرته والمُكوِّنة لرؤيته الواسعة غير المرتكزة فقط على ذاكرة التعليم لكنها شديدة الصلة والاعتزاز بجذورها، ومنها تأتي لوحات الإنشاد الديني والتعبير عن التدين الفطري البسيط، لاسيما ونحن أمام حركة مدنية تتجاوز التأصيل وتتجنبه وتسعى إلى إنتاج أنماط مكرورة من الأعمال التشكيلية، استنادًا إلى حركة تغريبية عالمية.

طابع الكوميكس

وجوه عرائسية تنقل نبض طبقات كادحة
وجوه عرائسية تنقل نبض طبقات كادحة

يستند القرني في تصوير شخوص لوحاته إلى الحس التعبيري المميز الذي يغلب عليه طابع الكوميكس في عدد من اللوحات، والتي تنقل حالة تعبيريّة شجية وصادقة خاصة مع ما تنقله الرؤوس المائلة من شعور بالتعاضد بين مفردات اللوحة وإشاعة جو من الطمأنينة يحملها حضور الآخر سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا.

كما أنه عمد في هذا المعرض إلى جعل أبطال العمل يستقبلون الزوار وليس العكس، ليُقدِّم حالة وجدانية دافئة بين شخوص اللوحة تستند إلى التكوين القوي الذي يؤنسن المكان ويُقدم شخوصًا باقية وغير قابلة للفناء.

يعتقد القرني أن الكوميكس يقترب من فنون الطفل التي تمتاز بالمباشرة والتعبيرية الواضحة، وهو تعاط جديد يُقدِّم حالة تعبيرية مُختلفة، تلك الحالة يأتي التأكيد عليها من خلال الألوان التي تُشبه الطبيعة وتعبِّر عن شخصية المكان المستوحى من الذاكرة البصرية للطفل المصري الذي يعيش معه حالة البهجة في علاقته بالطيور والدُمى والحيوانات الأليفة والطائرات الورقية، كما أنه استخدم اللون ليعطي منحى دراميًا للوحة من خلال ما يُتيحه من إضاءة لبعض أجزاء اللوحة بشكل أبرز ممّا سواها.

ويشدد في حواره على ضرورة الاهتمام بالتراث الشعبي المصري الذي يحمل زخمًا شديدًا لا يُعتنى به مثلما ينبغي، فذلك التراث أشبه بالكائن الحي الذي يضمر بعضه لكن البعض الآخر يظل باقيًا ومؤثرًا وقابلًا للتطور، وهذا الالتفات للتراث الشعبي بات ضرورة في ظل المحاولات الحثيثة لمحو الهوية الحضارية بكل ما تحمله من أفكار تأصيلية لهوية الفن.

ولا يرى نفسه امتدادًا لمشاريع فنية رائدة تقترب من تجربته مثل الفنان محمود سعيد أو حسين بيكار، قائلا “كل فنان مشروع ذاته، فمن الممكن أن يستقي أكثر من فنان من المنبع ذاته لأنه لا يوجد ابتكار فني، لكن هناك تجديد للخطاب البصري، وهذا ما فعله محمود سعيد وبيكار وسيف وأدهم وانلي، فالفنون تم استهلاكها، وعلى كل فنان أن يوجد صورة حديثة مغايرة تتناسب مع طبيعتنا وأصولنا”.

حالات مُستدعاة من ذاكرة الطفولة
حالات مُستدعاة من ذاكرة الطفولة

 

14