التمسك بالتقاليد أم التحرر.. جدل النجاعة والقيم

الثلاثاء 2017/07/25
الحل في الإعتدال

مراقبة المفطرين في شهر رمضان، أو الجدل الذي أثاره عرض كوريغرافي راقص لشاب تونسي بحجة أنه تعرى فوق ركح مسرح قرطاج، أو النقاش الذي اندلع منذ سنوات حول مسألة حرية ارتداء النقاب في الجامعات، مواضيع لا تنقطع عن الظهور في تونس أو في مصر أو في غيرها من البلاد العربية، وهي قضايا لا تعبّر فقط عما تثيره من انقسام وجدل كبيرين. به هي دلالة على ما يسود المجتمعات العربية من صراع مجتمعي حاد، عناوينه متداخلة ومفرداته متشعبة، ولكن يمكن اختزالها وتلخيصها في صراع بين جيل شاب ينادي بالتحرر وجيل سابق يدعو على التشبث بالتقاليد والعادات.

ثورات الربيع العربي لم تفرج فقط عن مآلات سياسية أو أمنية، بل أبانت أيضا عن نتائج ذات ملامح اجتماعية متداخلة. ذلك أن صعود التيارات الإسلامية في الدول التي طالتها رياح الحراك الاحتجاجي، وحتى في غيرها، أنتجت تعبيرات مجتمعية خفية، بالتوازي مع الصعود السياسي الواضح.

التيارات الإسلامية، سواء تلك التي وصلت إلى السلطة أو التي أصبح بإمكانها الإعلان عن وجودها العياني، سعت إلى ممارسة تغييرات في عمق المجتمعات العربية، بمحاولة فرض نمط مجتمعي يلائم مدونتها وسردياتها وتصوراتها للحياة وللعلاقات.

تُرجم هذا السعي في بروز صراع مجتمعي حاد، بين دعاة التشبث بالعادات والتقاليد والوفاء لها من منطلق أنها بنت بيئتها وهويتها، وبين أنصار التحرر من الانغلاق والعادات المجتمعية التي أكل عليها الدهر.

جدير بالذكر أن هذا الشد المجتمعي بين أنصار الحداثة وأنصار العادات والتقاليد، ليس خاصا بالمجتمعات العربية بل هو ماثل في كل الأقطار ولو بتفاوت العمق والكيفيات، وليس جديدا على الفضاء العربي الإسلامي إذ لم يطرأ في عشرية الثورات العربية، ولكن الإشارة لا تنفي أن الشد زادَ منسوبه منذ نهاية العام 2010، بفعل تداخل عوامل كثيرة من بينها، الإحساس بالحرية فضلا عن تأثير المد الإسلامي العارم المشار إليه.

بهذا المعنى فإن توايد النقاش حول قضايا مجتمعية محددة، وارتفاع الجدل حول ضرورة التشبث العادات العربية الإسلامية أو التحرر منها ومن سطوتها، هو أولا انعكاس لما ساد الأقطار العربية في السنوات الأخيرة من صعود لمسارات الأسلمة، وهو أيضا نقاش مختلف عن ذلك الذي طالما رافق كل المجتمعات وحمل مسميات “صراع الأجيال” أو “تنازع العادات والتقاليد مع تعبيرات التحرر”، إذ أن النقاش الأخير هو نقاش رؤى مختلفة واختلاف زوايا النظر إلى الحياة وإلى العلاقات الاجتماعية.

فالعمل الدؤوب الذي انطلق منذ سنوات في المساجد والساحات وفي الفضائيات وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكان يهدف إلى “مصالحة المجتمع مع هويته العربية الإسلامية”، نجح في إحداث تغييرات عميقة في المجتمعات التي مستها مشاريع الأسلمة الهادئة، لذلك فوجئت الأوساط الفكرية والمدنية والسياسية بطرح قضايا عُدّت سابقا في خانة القضايا المحسومة، أو التي لم تعد تحتمل نقاشا أو جدلا من قبيل لباس المرأة وتدين المجتمع أو الموقف من الفنون والموسيقى والسينما.

العادات والتقاليد في عمقها وفي تعبيراتها، لا تعني بالضرورة التناقض مع إمكانية التصالح مع العصر، إذ وجدت مجتمعات عديدة نجحت في إرساء توفيق خلاق بين الوفاء لتقاليدها وبين انصهارها في مفردات العصر. أمثلة آسيوية عديدة تقيم الدليل على أن المجتمع السوي المتصالح مع ذاته يمكنه أن يرسم خطا وسطا بين وفائه لقيمه القديمة وبين تألقه في الابتكار والإبداع والتحرر، ولعل المثال الصيني- الوفي لفلسفة كونفوشيوس والمتصالح مع مفردات العصر- قرينة على إمكانية ذلك دون تصارع حاد.

العادات والتقاليد أو التحرر منها، هو نقاش أثيرَ مجددا على خلفية تغييرات سياسية، بهذا المعنى فهو تعبير عن وافد سياسي يسعى إلى إسقاط مفاهيمه السياسية على المجتمع الذي يحاول النهوض عبر تشذيب نمطه المجتمعي. يمكن التعبير عن ذلك أيضا بأن هذا الصراع بين الأجيال أو بين القديم والجديد، أو بين التقاليد والتحرر، هو ليس من قبيل الصراع السائد دائما وفي كل المجتمعات، بل هو أثر اجتماعي من آثار الإسلام السياسي في المنطقة العربية.

العادات والتقاليد بمختلف أوجهها أبعاد ضرورية للمجتمع لكي لا يقطع الصلة مع ماضيه، والتحرر من كل ما يمكن أن يأسر المجتمع ويكبله بعد ضروري أيضا للنظر على المستقبل. والمعيار الوحيد لحسم كل ذلك هو الحرية والمواطنة.

للمزيد:

التحرر من العادات الخاطئة نواة لتأسيس مجتمع متحضر

انهيار المجتمع يبدأ من التمرد على العادات والتقاليد

12