التمور أصل بركتها ثابت وفرع شجرتها في السماء

الأحد 2014/07/27
التمر غذاء يوحد الفقراء والأغنياء

في شهر رمضان تمتلئ الأسواق العربية بأنواع التمور المتعددة، والتي تختلف أسماؤها من بلد إلى آخر، والنخلة شجرة مباركة، فقد فضّلها الله تعالى تفضيلا وذكرها في عديد من آيات من كتابه العزيز.

القاهرة - يعد تناول التمر سُنّة عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “بيت ليس فيه تمر جياع أهله”، ومن هنا لا تخلو موائد الإفطار أو السحور وما بينهما من حضور التمر، فهو من المواد الغذائية المتكاملة، والتي يحرص الصائمون على الإقبال عليها، وشرائها خلال أيام الشهر الفضيل.

والتمر فاكهة مباركة أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبدأ بها فطورنا في رمضان، فعن سلمان بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء، فإنه طهور” (رواه أبو داود والترمذي).

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من الماء” (رواه أبو داود والترمذي).

ولا شك أن وراء هذه السنة النبوية المطهرة إرشادات طبية وفوائد صحية، وأحكام رشيدة، فقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأطعمة دون سواها لفوائدها الصحية الجمة، وليس فقط لتوافرها في بيئته الصحراوية، فعندما يبدأ الصائم في تناول إفطاره تتنبه الأجهزة، ويبدأ الجهاز الهضمي في العمل، وخصوصا المعدة التي تريد التلطف بها، ومحاولة إيقاظها باللين، والصائم في تلك الحال بحاجة إلى مصدر سكري سريع، يدفع عنه الجوع، مثلما يكون في حاجة إلى الماء، وأسرع المواد الغذائية التي يمكن امتصاصها ووصولها إلى الدم هي المواد السكرية، وخاصة تلك التي تحتوي على السكريات الأحادية أو الثنائية (الجلوكوز أو السكروز) لأن الجسم يستطيع امتصاصها بسهولة وسرعة خلال دقائق معدودة، ولاسيما إذا كانت المعدة والأمعاء خالية كما هي عليه الحال عند الصائم، ولو بحثت عن أفضل ما يحقق هذين الهدفين معاً (القضاء على الجوع والعطش) فلن تجد أفضل من السنّة المطهرة، حينما تحث الصائمين على أن يفتتحوا إفطارهم بمادة سكرية حلوة غنية بالماء مثل الرطب، أو منقوع التمر في الماء.

ويقول المؤرخون بالعثور على (نواة البلح) في مصر منذ العصر الحجري، كما دلت الحفريات التي أجريت في مقابر الفراعنة على معرفتهم به، حيث كتب المصريون القدماء على جدران معابدهم عن فوائده الغذائية، كما كان التمر طعاما للسيدة مريم العذراء أثناء حملها بالسيد المسيح عليه السلام، إذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز: “وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا”.. وقد جاء في إحدى المخطوطات القديمة أن النخلة سيدة الشجر مخلوقة من طين آدم عليه السلام، وقال رسول الله: ”أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام”.

يحرص من يقوم بإعداد موائد الرحمن أن يكون التمر أحد الأصناف المميزة على مائدة الإفطار

ومن الأشياء المتعارف عليها لدى المصريين أن التمر يبعث على السكينة والهدوء، ويقلل إلى حد كبير من التوترات التي تصاحب الصائم أثناء الصوم. وهو الغذاء الذي تجده حاضرا على كافة الموائد سواء كانت للفقراء أو الأغنياء.. وينصح الأطباء بتناوله لما يحتويه من مواد نشوية وبروتينية ودهنية وألياف، وعلى فيتامينات (أ) و( ب)، وعلى معظم العناصر المعدنية التي يحتاجها الجسم مثل الصوديوم والماغنسيوم والمنجنيز والحديد والنحاس والفوسفور والكبريت، وأن كل مائة غرام من البلح تعطي أكثر من مائتين وخمسين من السعرات الحرارية، وبذلك فإن قيمة البلح الغذائية لا تقل عن اللحوم والأسماك.

وجرى العرف أن يصعد المؤذن لآذان المغرب، ثم يشق صيامه بتمرة أو تمرتين ويتجرع رشفة ماء، وقد يحدث أن ينطلق مدفع الإفطار وبعض الناس لم يصلوا إلى منازلهم بعد، وعادة ما تمتد إليهم الأيادي بحفنات من التمر، كما يحرص من يقوم بإعداد موائد الرحمن أن يكون التمر أحد الأصناف المميزة على مائدة الإفطار.

وهكذا عرف المصريون التمور منذ عهود بعيدة، وتوارثت الأجيال الاهتمام بها، خاصة في أيام شهر رمضان، ومن أشهر الأسواق لبيع التمور هي السوق الكائن بمنطقة الساحل بالقاهرة، والتي تتجاوز الأنواع المعروضة فيه العشرين صنفاً مثل البلح السكوتي (الفاخر)، والبلح الشامي (الشعبي)، وتتباين أسعار التمر طبقا لجودته، وإن كانت جميعا غنية بالسعرات الحرارية والمواد السكرية، ويقبل عليها الصائمون لاستخدامها في عمل الخشاف سواء كان بالماء أو الحليب، أو تناولها دون (نقع).

ونظرا للإقبال الكبير على شراء (التمور)، فقد خصصت لها الأسواق، أو ما جرى تسميته بأسواق (الجملة)، وعليها يقبل الراغبون في الشراء من تجار (التجزئة) أو الأفراد لانخفاض الأسعار.. ولا يقتصر بيع (التمور) على أسواق الجملة فقط، فقبل أيام من حلول شهر رمضان، تطرح كميات وفيرة في المجمعات الاستهلاكية، والتي تنافس الأسواق الأخرى من حيث الجودة وانخفاض الأسعار.

وتجتذب هذه التجارة بعض الشباب خلال شهر رمضان، فيقومون بشراء كميات كبيرة، ويتاجرون بها لما تحققه لهم من هامش ربح، يتيح لهم أن يعاودوا الكرَّة أثناء أيام العيد.. وقد تؤثر العوامل الجوية في العائد المحصولي من عام إلى آخر، حيث تندر في بعض الأحيان الأنواع الجيدة، مما يضطر التجار إلى بيعها بأسعار مرتفعة، ورغم ذلك فإن التمور المستوردة تفد إلى مصر على استحياء، نظرا لانتشار النخيل في معظم أرجائها، خاصة على ضفاف النيل وفي مناطق سيناء وأسوان ورشيد، ومن هناك يتم تجفيف البلح ويعبأ في أجولة، أو يعبأ داخل أكياس من (النايلون)، لتتراوح العبوة بين كيلوغرام واحد وخمسة كيلوغرامات.

وقد تزايد اهتمام مصانع الأغذية في الإقبال على شراء البلح، لتقوم بتجفيفه وطرحه في الأسواق داخل عبوات جاهزة مكتوب عليها السعر والصلاحية، وعادة ما يقبل على هذه العبوات أهالي المدن، بينما يفضل أهالي الريف شراء (التمور) من الأسواق التي تقام في قراهم.

ومن المظاهر الطريفة التي تتكرر كل عام هي الإقبال المتزايد على شراء التمر قبل حلول شهر رمضان بأيام قليلة، بعدها تتعرض حركة البيع والشراء إلى ركود تام، حتى يقارب الشهر على الانتهاء، وتنخفض الأسعار بشكل ملحوظ، فيتزايد من جديد الإقبال على الشراء بكميات كبيرة، ليحتل التمر أطباق الحلوى خلال أيام عيد الفطر المبارك، حيث تزور العائلات بعضها بعضا ويتجاذب أفرادها الحديث والمسامرة، وهم يلتقطون حباته من الأطباق، كما تمتلئ جيوب الأطفال به وهم يلهون ويمرحون في الشوارع والحدائق العامة.

21