التمويل السياسي يطلق الرصاصة الأخيرة على الإعلام في لبنان

دخلت وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية في لبنان في سياق الإعلام الحربي والطائفي، مع تدهور الدعم المالي العربي، وأصبح الإعلامي الناطق الرسمي للأحزاب الممولة دون أي دور مهني، وتحولت الممارسة الإعلامية إلى جهادية النزعة والعنوان باسم الممانعة.
الأربعاء 2016/12/07
الصحافة انتقلت إلى مهمة أخرى لا تتعلق بنقل الأخبار

بيروت - ترتبط المؤسسات الإعلامية اللبنانية ارتباطا وثيقا بالتمويل السياسي المباشر. تحدد وظائفها وظروف انتعاشها، وحتى حياتها وموتها بناء على مدى قدرتها على الإيفاء بمتطلبات الجهات الداعمة.

تراجع الاهتمام بلبنان في الفترة الأخيرة، مما تسبب في توقف تدفق الدعم المالي الذي طالما شكل الرئة التي يتنفس منها الإعلام اللبناني.

وتقلصت مساحة العمل الإعلامي، وتم نسف كل التصورات السابقة عن الصحافي والإعلامي ومقدم البرامج، ودخلت كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، إضافة إلى المواقع الإلكترونية، في سياق الإعلام الحربي والطائفي، ولم تعد مصنعا لإنتاج الأفكار وبلورة النقاش العام بل صارت استكمالا للأعمال الحربية.

ويلاحظ مراقبو الوضع الإعلامي اللبناني بوضوح سيطرة الإعلام الممانع على واجهة المشهد، ونجاحه في فرض منطقه على كل وسائل الإعلام، على الرغم من أن الشح المالي والتمويلي قد طاله أيضا، لكنه نجح في خلق شبكة الولاء الحديدي التي أسست لممارسة إعلامية جهادية النزعة والعنوان منحته تماسكا وديمومة، وأعطته زخما إضافيا في مقابل وسائل الإعلام التي كانت تنسب نفسها إلى الاعتدال ومشروع الدولة.

بدت تلك الوسائل ومنها مؤسسات المستقبل الإعلامية بفروعها كافة وكأنها قد فقدت روحها وعصبها، إثر شح التمويل. وبدا أن الانتساب إلى هذه المؤسسات لم يكن قائما على أساس عقيدة متماسكة كما هو الحال مع مؤسسات حزب الله مثلا.

كان العمل في مؤسسات المستقبل مجرد مهنة وهذا هو الوضع الطبيعي، ولكن هذه المهنة التي لا يشكل الحزبيون القسم الأكبر من العاملين في مجالها تحولت فجأة، وتحت ضغط الظروف التصعيدية المتواصلة، إلى نضال. وجد الإعلاميون أنفسهم مضطرين إلى أن يصبحوا جنودا وأن يدخلوا المعركة مباشرة من دون سابق تجهيز وإعداد.

ساد الارتباك والتلعثم أوساط تلفزيون المستقبل وجريدة المستقبل وموقع التيار الإلكتروني، خصوصا خلال الفترة الطويلة التي قضاها سعد الحريري في الخارج، والتي تعقدت خلالها ظروف العمل الإعلامي بشكل لم يعد من الممكن معالجته بالطرق التقليدية.

غاب الإعلام المهني في لبنان وظهر الفرق الشاسع بين الرسالة التي يمكن أن يطلقها صحافي والرسالة التي يمكن أن تطلقها الجهة السياسية مباشرة، فالصحافي مهما كان مفتقدا للمنطق لا بد له أن يحاول إقناع متلق ما بما يقول، فهذه النزعة هي التي تحكم طبيعة الكلام المكتوب وتحدد وظيفته.

ولم يعد هناك متلق، فالجمهور المفترض أن يتوجه إليه الصحافي هو جمهور الجهة السياسية الكامل الولاء لها، والذي ينتظر خطابها المباشر الذي يبدو معه الخطاب الصحافي بمثابة نسخة مسحوبة العصب والروح، وإعلان صريح عن موت الصحافي، وموت منطق الجسر الذي كان يؤديه بين أفكار الجهة السياسية وبين الجماهير.

هذا الجسر هو ما كان يسمح للسياسة بالعمل والوجود وبقطعه لم تعد السياسة ممكنة، وصار التمويل الذي تدفعه الجهة السياسية منصبا ليس على تفعيل مهمة الصحافة والإعلام ولكنعلى تحوير دورهما.

إيران تمول فرعا مباشرا من جيشها يتخذ هيئة إعلاميين لا يجدون حرجا في التغني بالقتل والتنكيل الذي يمارسونه

وبدا أن تسارع نمو وظيفة وسائل التواصل الاجتماعي والدعاية التي رافقتها، والتي تغري كل مواطن بأن يكون مراسلا وصحافيا أسست لظواهر سلبية في ما يخص دور الصحافة والإعلام في لبنان.

نمت كذلك الكثير من الحملات الجهادية الإلكترونية والجيوش الإلكترونية التي لا تحتاج إلى تمويل كبير، والتي تقوم بمهمة مهاجمة خصوم التيار الذي يتبع له مطلقو هذه الحملات، ومحاولة تعطيل مواقعه الإلكترونية وتسفيه مواقفه.

وتفوقت السرعة الكبيرة التي تقوم بها الجيوش الإلكترونية في عملها على المحطات التلفزيونية والصحف.

وربما تفكر الجهات الممولة، والتي لا تزال تدعم الوسائل التقليدية، في الاستثمار فيها، كونها تتناسب قبل كل شيء مع المنطق الحربي المسيطر على الخطاب الإعلامي في لبنان.

تمول إيران فرعا مباشرا من جيشها يتخذ هيئة إعلاميين لا يجدون حرجا في التغني بالقتل والتنكيل الذي تمارسه، في حين تجد السعودية نفسها تمول إعلاما متخبطا في هويته، وخصوصا أن فهم اللاطائفية وضرورة التعددية، أنتج تعددية سياسية داخل المؤسسات الواحدة وراكم أخطاء كثيرة في التعامل مع المستجدات.

تشير التقارير الإخبارية إلى حصول انفراج قريب على مستوى تمويل المؤسسات الإعلامية المستقبلية التي لم يتلق موظفوها رواتبهم منذ فترة طويلة، ولكن السؤال يبقى حول قدرة العودة الخجولة للتمويل على إنتاج حالة التناغم المطلوبة بين الإعلام المستقبلي والفاعلية السياسية.

ظهر الإعلام المستقبلي منذ فترة وجيزة في هيئة الإعلام الضيق الأفق، فقد طرد الإعلامي، إيلي الحاج، الذي كان يقدم برنامجا في إذاعة الشرق التابعة لتيار المستقبل بسبب تعليقات طالب فيها بمراجعة أصول العنف في النصوص الإسلامية، وهو كلام قاله بعده الكثيرون.

وبدا إعلام المستقبل وكأنه دخل في لحظة سنية حرص أن يقدم النقيض عنها في مؤتمره العام الذي جرى مؤخرا.

لا تبدو مؤسسات المستقبل ولا تلك المؤسسات، التي تدور في فلك فريق 14 آذار ككل مثل جريدة النهار، جاهزة لإعادة تركيب نفسها بشكل يتناسب مع تحولات الجهات الممولة، والتي تسود قراءات كثيرة وسطها تقول بعدم جدوى دعم إعلام مفتقد للفعالية الحربية.

ربما يتجه الدعم إلى تأمين الحد الأدنى من الاستمرارية وحسب لأن توقف هذا الإعلام عن العمل نهائيا قد يحمل دلالة الانسحاب السعودي التام من لبنان.

وربما لا تريد السعودية الانسحاب التام من لبنان، ولكنها على الأرجح باتت واثقة من عدم جدواه الإعلامية، لذا يتوقع أن يتخذ التمويل مسارا يهدف إلى مجرد ديمومة العمل من دون انتظار أي فاعلية سياسية.

تكشف الأزمة العميقة التي وقع فيها الإعلام في لبنان عن خلل مستفحل لم يعد التمويل قادرا على معالجته، بل بات دوره محصورا في إبقاء المؤسسات على قيد الحياة كإطار شكلي معزول عن هدف إنتاج دينامية سياسية.

18