التمييز الإيجابي في الجامعات الأميركية يدعم الأقليات أم يضر بها

سياسة جديدة في كيفية قبول الطلبة بالجامعات الأميركية، يعبّر عنها بالتمييز الإيجابي، تطرح نقاط استفهام واسعة بشأن تطبيقها، فيما يؤكد خبراء ومختصون أن الاختلاط والتنوع العرقي داخل الجامعات أمر لا بد منه لتحقيق أهداف المنظومة التعليمية.
الثلاثاء 2017/10/10
التنوع ضروري

واشنطن - أكدت دراسة بحثية لمؤسسة “بروكنغز” أن الأميركيين من أصول أفريقية يمثلون نسبة هامة من إجمالي الطلاب في أفضل الجامعات الأميركية، مما يشير إلى فجوة عرقية واضحة قد تؤثر على المستقبل الوظيفي لهؤلاء.

وتعلن الولايات المتحدة في كل مرة عن تطوير قطاع التعليم بما يتماشى مع سياستها القائمة على تحديد سقف معيّن لمعدل المبتعثين وخريجي جامعاتها الذين يتم توجيههم لسوق الشغل، فيما تأتي التجارب في كل مرة منصفة لبعض الطلاب، خصوصا العرب اللاجئين والمهجرين منهم، وأخرى منفّرة ومقيدة لاختيار هذا البلد للدراسة بالنسبة للبعض الآخر.

وانطلاقا من هذا المبدأ ربما تأتي القوانين والإجراءات التي اتخذتها العديد من الجامعات الأميركية والتي تختلف من مؤسسة تعليمية إلى أخرى، كدعم لهذا الطرح ومن بينها ما يعبّر عنه بسياسة التمييز الإيجابي.

ويطلق التمييز الإيجابي على القوانين التي تسعى لتحسين الظروف التعليمية أو التوظيفية للأقليات في دولة ما عن طريق وضع خلفياتها في الاعتبار عند قبولها لدخول مؤسسة تعليمية أو شغل وظيفة ما.

واستخدم مصطلح التمييز الإيجابي في الولايات المتحدة لأول مرة في عهد الرئيس جون كينيدي عام 1961، عندما وقّع أمرا رئاسيا تنفيذيا لاتخاذ إجراءات تمنع التمييز ضدّ الأقليات على أساس العرق أو الجنس أو القومية أو لون البشرة، وفرض العدالة والمساواة بين الجميع.

لي بولنغر: التنوع الإثني والعرقي في الجامعات أمر ضروري لتحقيق الأهداف التعليمية

وتتبنى مؤسسات تعليمية عديدة في الولايات المتحدة سياسة التمييز الإيجابي لضمان قبول نسبة معينة من الأقليات العرقية، كالأميركيين من أصول أفريقية ولاتينية في فصولها. فيما تضع بعض الجامعات العرق عاملا في اختيار الطلاب المتقدمين لضمان التعددية في فصولها الدراسية.

وفي هذه الحالة قد يتم قبول طلاب من أقليات عرقية في جامعات كبرى حتى لو كانوا متساوين في المعدل مع نظرائهم من أعراق أخرى. لكن في الكثير من الحالات يتم قبول هؤلاء حتى وإن كانت درجاتهم العلمية أقل من متوسط درجات من يتم قبولهم دون النظر إلى العرق.

وتبعث هذه السياسة الجديدة الأمل في صفوف شرائح واسعة من المهاجرين واللاجئين العرب الذين يحاولون الاندماج في المجتمع الأميركي والتكيف مع عاداته وتقاليده، فيما تعتبرها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة مجحفة وغير منصفة بحق الطلبة الأميركيين من ذوي البشرة البيضاء.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن ترامب يعتزم رفع دعوى قضائية ضد الجامعات التي تطبق التمييز الإيجابي لصالح أبناء الأقليات في قبولها للطلاب.

وفي دراسة أخرى مماثلة أجراها “معهد السياسة الاقتصادية” خلصت إلى أن رواتب خريجي الجامعات تزيد بنسبة 56 بالمئة عن خريجي المدارس الثانوية في أميركا، وهي نسبة تؤكد دور التعليم الجامعي في تحديد دخل الأفراد.

كما وجد استطلاع أجراه معهد “بيو” للأبحاث أن 63 بالمئة من الأميركيين يرون أن سياسة التمييز الإيجابي في القبول بالجامعات تعد أمرا جيّدا.

وتشير الأرقام السابقة إلى أهمية توفير سياسة ملائمة تمكن من فتح أبواب أوسع للأقليات العرقية في المرحلة الجامعية، فهل يضطلع التمييز الإيجابي بهذا الدور؟

وللإجابة عن هذا السؤال يدور نقاش حول جدوى سياسة كهذه في تقليص الفجوة بين الأعراق ورفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأقليات، وما إذا كانت تؤثر سلبا على حظوظ البقية كالأميركيين البيض والآسيويين والأفريقيين.

وقال رئيس جامعة كولومبيا لي بولنغر في كلمة ألقاها بجامعة ويلاميت في ولاية أوريغون إن “المعارضين لسياسة التمييز الإيجابي في الجامعات يرون أن العرق لم يعد مهمّا في الحياة الأميركية”، وهو ما يعني عدم اعتباره عند اتخاذ قرار قبول الطلاب.

وأضاف أن “أميركيين من أعراق مختلفة يعيشون في مجتمعات منفصلة وأن 92 بالمئة من الطلاب البيض و52 بالمئة من الطلاب من أصول أفريقية في جامعة ميشيغن التي كان يرأسها، ترعرعوا في مجتمعات منفصلة عرقيا”.

وأوضح رئيس جامعة كولومبيا أنه نتيجة لهذا الفصل لم يحظ عدد من الطلاب بفرصة التعرف على آخرين من خلفيات عرقية متنوعة قبل الالتحاق بجامعة ميشيغن، متابعا أن “التعليم الممتاز يخلق للطلاب فرصا للتعلم انطلاقا من الاختلافات بدلا من التشابهات”.

انطلاقا من هذا الطرح الذي يعكس سياسة أميركية نشيطة باتجاه تحديد سقف معين للقبول بجامعاتها، فقد يجد العديد من الطلبة الذين يفكرون في التوجه إلى الولايات المتحدة لإكمال دراستهم بعض الصعوبات على مستوى التكيّف مع مثل هذه التشريعات والقوانين.

لكن بولنغر يؤكد أن التنوع الإثني والعرقي في الجامعات أمر ضروري لتحقيق الأهداف التعليمية لتلك المؤسسات، إذ تعتبر الشركات الكبرى خوض خريجي الجامعات تجربة كهذه في سنوات الدراسة مساهمة في دعم قدراتهم على التعاون مع القادمين من خلفيات عرقية وثقافية متنوعة في محيط العمل.

مراقبون: تطبيق سياسة التمييز الإيجابي قد يعود بالضرر على الأميركيين القادمين من أقليات عرقية مختلفة وخصوصا المهاجرين

ويرى مراقبون أن تطبيق سياسة التمييز الإيجابي قد يعود بالضرر على الأميركيين القادمين من أقليات عرقية مختلفة وخصوصا المهاجرين. ففي بحث أكاديمي اقتصر على دراسة جدوى التمييز الإيجابي في كليات القانون بأميركا، أشار أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا- لوس أنجلوس رتشارد ساندر إلى عدم التوافق الذي قد يحدث عندما يتم اختيار فرد من أقلية عرقية لدخول كلية قانون قد يكون استعداده الدراسي لها ضعيفا بسبب إعطاء الأولوية للعرق لا الدرجات العلمية أثناء قبوله.

وقال ساندر إن التمييز الإيجابي ربما يعود بالنفع على الطلاب الأميركيين من أصول أفريقية لإعطائهم فرصة دخول جامعات عريقة تكون حظوظ قبولهم فيها مرتفعة عن نظرائهم البيض، مستدركا أن ذلك يأتي على حساب الأداء الدراسي في ما بعد.

ومن الناحية القانونية يدور نقاش مماثل حول التمييز الإيجابي وما إذا كان متعارضا مع القيم الأميركية التي تنص على تساوي جميع الأفراد أمام القانون وفي المعاملة.

يطرح هذا النوع من السياسات التي تتبناها الولايات المتحدة إشكالية على مستوى طرق قبول الطلبة مستقبلا وخصوصا المهاجرين منهم واللاجئين، فيما يرى البعض أن المحرار الأساسي لإشكالية الجامعات المتطورة في العالم يجب ألا يرتكز على القبول أو الرفض استنادا إلى العرق أو الانتساب لدولة ما.

17