التمييز الاجتماعي ظاهرة مرضية

أول خطوة يجب أن نخطوها هي الاعتراف بإنسانيتهم الكاملة دون اعتبار الاختلاف أو العجز، ثم السهر على تمتيعهم بكل حقوقهم المعنوية والمادية وحمايتهم من العنف بأنواعه والهرسلة في الفضاءات التي يتواجدون فيها.
الأحد 2018/11/25
ستيفن ويليام هوكينغ عالم مقعد تماما وعاجز عن أي حركة لكنه آمن بنفسه وبقدراته

بعض الشرائح الاجتماعية تعاني ويلات التفرقة والتمييز اللذين يمارسان في حقها لأسباب عديدة لعلّ أهمها الإصابة بإعاقة ذهنية أو عضوية أو بسبب لون البشرة أو بسبب الانتماء الفئوي الذي ينبني على الفوارق الاجتماعية والمادية والجغرافية وحتى العقائدية والأيديولوجية. إنه أمر لا يجاهر به أغلب الناس ولكنهم يمارسونه بتعمّد مسبق يؤذي هذه الشريحة التي تعاني أصلا من نقصها الطبيعي لتنضاف إليها معاناة أخرى بسبب التمييز الاجتماعي المجحف.

وفي إطلالة على التاريخ وقع أول إعلان لمنع تجارة الرقيق والعبيد في 1792م من طرف الدنمارك، يعني قبل ما يزيد عن قرنين من الزمن، ولكنّ البعض لا يزالون يميزون البشر على أساس لونهم، عار على البشرية أن تتواصل هذه الممارسات لما تخلّفه في النفوس من تأثيرات سلبية جدا خاصة لدى الصغار. يقاسي الوافدون من أفريقيا إلى شمالها أو إلى أوروبا من أشكال تمييزية مقيتة، فهم منبوذون في أماكن الدراسة أو العمل أو في الفضاءات العامة.

الشكل الثاني للتمييز يشمل أصحاب الحاجات الخصوصية من الذين أصيبوا بإعاقات ذهنية أو جسدية، أينما حلوا نحسسهم بالشفقة الدائمة وهو ما من شأنه أن يعمق لديهم الشعور بالعجز وعدم القدرة، نقوم بذلك بوعي وبجهل أيضا لما تتطلبه هذه المواقف، لأن معاملة صاحب الإعاقة ثقافة لا يحتكم عليها جميع الناس.

يبدأ تمييز هذه الفئة منذ سن الطفولة، في صلب العائلات نفسها حيث يقوم الآباء والأمهات، دون وعي في أغلب الحالات، بتحسيس أبنائهم المعاقين بالنقص بتفضيل الآخرين عليهم وإهمالهم لفترات في اليوم وكأنهم غير موجودين أصلا.

يتواصل الإهمال بضراوة في المراحل التعليمية على اختلافها وذلك من خلال تصرف المربين والمدرسين وحتى الإدارة، فمنذ مرحلة ما قبل الدراسة في الروضة والأقسام التحضيرية لا يعامل ذو الحاجة الخصوصية أو المختلف لونا أو حجما نفس المعاملة التي يتلقاها الآخرون من حيث الإحاطة النفسية خاصة، فهو غير قادر على مجاراة الآخرين في لعبهم أو دراستهم أو حضورهم الذهني أو البدني، فيتجاهله المشرفون وتتضاعف مأساته وهو لا ينفك يقارن نفسه بمن حوله.

في الفضاءات المدرسية كالمدرسة والمعهد ورغم ما يظهر من تقارب بين التلاميذ يتجسّد في علاقات أفقية تحكمها الزمالة، فإن “المختلف”، مهما كان نوع اختلافه عن الآخرين، يتعمّق شعوره السلبي بوضعيته من خلال ما يلقاه من إهمال متعمّد أو تلقائي ومن ممارسات استفزازية ساخرة من طرف أقرانه والمحيطين به، تارة يسمع ألفاظا جارحة تتعلق بلونه أو عاهته أو عجزه، فلا يتردد البعض في إطلاق أوصاف من قبيل “معاق”، “مجنون”، “ناقص”.. في أغلب الأحيان لا يتقبلها وقد لا يردّ الفعل ولكن تأثير ذلك على نفسيته عميق جدا بحيث يصعب عليه في ما بعد الاندماج المثمر والفاعل في المجموعة.

المنظومة التشريعية لا تزال تشكو من خلل واضح لحماية هذه الشرائح الاجتماعية، وذلك بعدم تجريم الاعتداء عليها لفظيا أو ماديا وإحالة كل من ثبت اعتداؤه إلى القضاء ليتحمل جريرة أفعاله. فالأكيد أن هؤلاء يمثلون نسبة لا بأس بها من مجموع المواطنين، فلماذا نسلب منهم مواطنتهم عنوة في حين أنهم قادرون على الفعل الإيجابي في أسرهم ومجتمعاتهم.

ولنا فقط أن نسرد مثالا حيا لعطاء ذوي الحاجات الخصوصية تجسد في عالم الفيزياء النظرية وعلم الكون، ستيفن ويليام هوكينغ، صاحب أبحاث نظرية في علم الكون، وأبحاث في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، كما له أبحاث ودراسات في التسلسل الزمني. هذا العالم مقعد تماما وعاجز عن أي حركة ولكنه آمن بنفسه وآمن بقدراته من حوله من عائلته ومجتمعه مما سهّل عليه الإبداع وإفادة البشرية جمعاء ببحوثه الفيزيائية المتميزة.

هناك مصطلح يستعمل في السياسة وهو “التمييز الإيجابي” ومعناه أن نميّز المناطق المحرومة باعتمادات ومشاريع لإحداث نوع من التوازن الاجتماعي والاقتصادي، هذا المصطلح يمكن أن نستعيره أيضا، لفظا ومضمونا، لنميز هذه الشرائح الاجتماعية التي تئن في صمت، وذلك بتغيير العقلية الاجتماعية وجعلها تقبل بالاختلاف مهما كان نوعه وتتبنى شعار “الاختلاف ميزة التنوع والثراء وليس سبيلا للتمييز السلبي”، أما على المستوى المادي فلا بد من خلق آليات مدروسة من حيث منطلقاتها وأهدافها ومردوديتها لدمج هؤلاء في المنظومة التعليمية أولا وذلك بتسهيل تنقلهم ومراعاة خصوصيتهم عند التحصيل الفكري والعلمي وبالخصوص عدم ممارسة الإهمال أو التمييز في حقهم ومراعاة نفسياتهم الهشة.

كان لا بد من التفكير الجدّي أيضا في إدماج هذه الشرائح في الدورة الاقتصادية إدماجا فعليا دون تحسيسها بالنقص، وما تفعله الحكومات وجمعيات المجتمع المدني لصالح هؤلاء ليس إلا ذرّ الرماد على العيون لأن أول خطوة يجب أن نخطوها هي الاعتراف بإنسانيتهم الكاملة دون اعتبار الاختلاف أو العجز، ثم السهر على تمتيعهم بكل حقوقهم المعنوية والمادية وحمايتهم من العنف بأنواعه والهرسلة في الفضاءات التي يتواجدون فيها.

21