التمييز الديني والطائفي يطال الأموات ويسد أفق المصالحة في العراق

آمال المصالحة الوطنية في العراق تتراجع أمام زحف نوازع الحقد الديني والطائفي وشمول التمييز بين أبناء مكونات المجتمع العراقي الأموات منهم فضلا عن الأحياء، ما يعسّر تحقيق الإجماع المنشود حول أكثر القضايا مصيرية وفي مقدمتها الحرب القائمة ضد تنظيم داعش.
الاثنين 2015/06/08
نازحو الأنبار يكتوون بحر الصيف تحت خيم هشة على أرض المحافظة بعد منعهم من دخول بغداد

بغداد - حرّكت الجنازة المهيبة التي أقيمت لرجل الديني الشيعي الراحل محمد مهدي الآصفي بمشاركة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وسُخّرت لتأمينها وسائل وأجهزة تابعة للدولة العراقية، الجدل مجدّدا بشأن البروز المتزايد للمظاهر الطائفية في العراق وتحوّلها إلى جزء من نسيج الدولة، ما يضعف بشكل كبير آمال المصالحة بين مكونات البلد الذي تعصف به حرب طاحنة تتوالى التحذيرات بشأن صعوبة حسمها دون مشاركة جميع العراقيين من مختلف الطوائف والأعراق والديانات.

وساهم في احتدام الجدل تزامن رحيل الآصفي، الذي يقول عراقيون إنّه إيراني الأصل، مع رحيل طارق عزيز نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وما لقيه الأول من احتفاء وتكريم، وما واجهه الثاني من إهانة اقتضت أن يُشتَرط على سلطات الأردن، حيث سيدفن، أن لا تقام له مراسم جنائزية.

ففي مقابل احتفاء الدولة العراقية بأجهزتها الرسمية بالآصفي الذي يعبر عراقيون على احترامه كرجل دين يمثل الطائفة الشيعية تحديدا، حرصت الدولة العراقية ذاتها على إهانة طارق عزيز المنتمي لأبناء الديانة المسيحية، والذي يحظى بدوره باحترام قسم من العراقيين كرجل دولة سابق حاول خدمة البلاد في إطار الرؤية التي يتبناها وأفكار الحزب الذي ينتمي إليه، وهو حزب البعث الذي حُشر كل من انتمى إليه، على غرار الغالبية الساحقة من إطارات الدولة العراقية في عهد صدّام حسين ضمن خانة الاجتثاث الذي طبق بقسوة تحت يافطة القانون، ما جعل طارق عزيز يموت في سجنه بمدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار رغم شيخوخته ومرضه.

وشارك رئيس الوزراء حيدر العبادي السبت بتشييع رجل الدين محمد مهدي الآصفي الذي ووري جثمانه الثرى في محافظة النجف، وقدم تعازيه لأهله ولـ”العراقيين جميعا”، معتبرا الرجل “مجاهدا ضد الدكتاتورية”، في إشارة إلى نظام صدام حسين الذي كان الآصفي يناصبه العداء ويعلن انتصاره ضدّه لإيران التي خاضت حربا ضد العراق استمرت ثماني سنوات.

وقد توفي الآصفي الخميس الماضي في مدينة قم الإيرانية حيث كان يعالج على نفقة طهران. وبعد حوالي 24 ساعة كانت السلطات العراقية تعلن عن وفاة طارق عزيز الذي يراه عراقيون علامة لا يمكن القفز عليها في تاريخ الدبلوماسية العراقية المعاصرة لسعة ثقافته ونشاطه، فضلا عن كون انتمائه لأبناء الديانة المسيحية مثّل علامة على تجاوز الدولة العراقية، في فترة ما بكل يؤخذ عليها من أخطاء، لنوازع التمييز الطائفي والديني بين العراقيين.

سياسة الاجتثاث تؤخر المصالحة وتحرم العراق كفاءات هو بحاجة إليها في فترته العصيبة الراهنة

وإمعانا في الإهانة التي تعرّض لها طارق عزيز في سجنه، اشترطت السلطات العراقية على الأردن الذي وافق على دفن عزيز على أراضيه بطلب من عائلته وتنفيذا لوصيته، أن تكون الجنازة صامتة ودون مراسم.

وأكّد ذلك السفير العراقي في عمّان جواد هادي عباس قائلا “أبلغنا الحكومة الأردنية بموافقة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على تسليم جثمان طارق عزيز لأهله في الأردن، بشرط أن لا تتم له أي مراسم تشييع أو مظاهرات أو ترديد شعارات أو هتافات من المطار إلى المقبرة المخصصة لدفنه”، معتبرا أن موافقة العبادي على دفن عزيز في بلد آخر، “مظهر من مظاهر الديمقراطية”، بينما قال عراقيون في وسائل إعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي إن اشتـراطات بغداد على عمّان بشأن الجنـازة مظهر لـ“الحقد الديني والطائفي” والإصرار على تطبيق الاجتثاث حتى ضدّ الأموات، وخارج نطاق القانون.

ويقصد بعبارة “الاجتثاث” في العراق التحييد الكامل لمختلف رموز حزب البعث الذي حكم العراق سابقا، من الحياة العامة، وتوسّعت العملية لتشمل أغلب الموظفـين والإطارات المدنية والعسكرية للـدولة في ذلـك العهد. ويؤكّد عراقيون أن العمليـة كثيرا ما مورست خارج إطار القانون وبدوافع طائفية، وكلّفت الدولة إطارات ذات كفاءة وتجربة.

ويعترف مسؤولون حاليون بالدولة العراقية الحاجة لإعادة إدماج تلك الكفاءات والاستفادة منها خصوصا في القوات المسلّحة التي تعاني الانهيارات المتلاحقة وتواجه صعوبات في مواجهة تنظيم داعش.

ومنذ أيام كشفت مصادر مقربة من نائب الرئيس العراقي إياد علاوي عن تبني الأخير مبادرة تهدف إلى دعم الجيش العراقي وتعزيزه بالخبرات العسكرية لضباط الجيش العراقي السابقين بإعادتهم إلى الخدمة ومنحهم الاستحقاقات المالية، وإعادة بعض المديرين العامين ممن أقصوا من المؤسسات الحكومية عن طريق الاجتثاث.

ويتبنى علاوي مشروعا أشمل للمصالحة في العراق، غير أنّه يواجه ممانعة أطراف نافذة في السلطة، يتهمها عراقيون بالتعصب الطائفي وبالتشدّد والموالاة لإيران وبالعمل على حماية نفوذ الأخيرة في العراق عبر إقصاء من لا ينتمون للطائفة الشيعية عن مراكز القرار المهمة في الدولة، وخصوصا من أبناء الطائفة السنية.

3