التمييز العنصري متغلغل في العادات والممارسات الاجتماعية في تونس

ذوو البشرة السمراء التونسيون يطمحون للمساواة الكاملة، والأسمر يلاقي الرفض عند تقدمه لطلب الزواج.
الأربعاء 2018/11/14
ماضون نحو مستقبل أفضل

تعد تونس رائدة في إلغاء العبودية وهي كذلك رائدة في وضع قانون يخص القضاء على كل أشكال التمييز العنصري ومن أهمها التمييز على أساس اللون، غير أن هذا لا ينفي أن الكثير من أشكال التمييز ضد ذوي البشرة السمراء لا يزال متغلغلا في المجتمع التونسي وفي العقليات من خلال بعض العادات خصوصا منها المرتبطة بالزواج.

جربة (تونس) – تعبر نادية برجي، وهي من سكان جزيرة جربة في الجنوب التونسي، عن الأسى إزاء ظاهرة التمييز العنصري التي تعتبر نفسها من ضحاياها كبقية أصحاب البشرة السوداء في تونس، وتقول برجي بنبرة حزينة “من المحتمل أن يتم دفني في مقبرة العبيد”.

في منطقة سدريان بضواحي حومة السوق، قلب جزيرة جربة النابض، تقع في أرض مهملة “مقبرة العبيد” حيث يواصل سكان المنطقة دفن موتاهم، بينما يستأثر “الأحرار” كما يسمى محليا أصحاب البشرة البيضاء بمقبرتين أخريين في مكانين آخرين.

ويشكل التونسيون السود، وبينهم من ينحدر من آباء كانوا عبيدا، أقلية غير بارزة في الحياة العامة التونسية. ولكن العديد منهم على غرار نادية، يأملون في مساواة أكبر منذ المصادقة على قانون القضاء على كل أشكال التمييز العنصري في تونس الشهر الماضي.

ويضع القانون الجديد في خانة التمييز العنصري كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو غيره من أشكال التمييز العنصري.. وما يترتب عليه من نيل الحقوق أو تحميل الضحية أعباء إضافية خاصة في العمل.

1846 أعلنت تونس إلغاء العبودية، وذلك من زمن البايات، وهو ما جعلها رائدة في هذا المجال

وتضمّن قانون التمييز العنصري عقوبات ردعية تصل إلى الحكم بالحبس لمدة ثلاث سنوات وخطايا مالية تصل إلى 15 ألف دينار، وبالرغم من كونه يصنف كإنجاز في المجال الحقوقي إلا أنه لاقى العديد من الانتقادات من قبل عامة الناس حيث يعتبر غالبية المجتمع التونسي أن التمييز العنصري خصوصا ضد سمر البشرة لا يعد ظاهرة متفشية في المجتمع التونسي، وفي المقابل يعتقد البعض من ذوي البشرة السمراء أنهم يعانون من التمييز العنصري وأن القانون وحده غير كاف لضمان حقوقهم ولبلوغ المساواة كباقي المواطنين.

وتقف برجي أمام قبر أمها تقرأ الفاتحة، ثم تقول “تسمية (العبيد) تقلقني جدا، من غير المعقول أنها لا تزال موجودة”. وتتابع الأربعينية العزباء “لكن رغم الانزعاج فقد اعتدنا على التمييز”.

وتفصح قريبتها درة دويري، متأملة قبورا من تراب مكسوة بالأعشاب الجافة أمامها، عن غضبها من التمييز العنصري لأنه مؤلم. وتقول الفتاة الثلاثينية بنبرة ساخرة “الأدهى أن المقبرة تتواجد بالقرب من مسجد تنطلق منه الدعوات إلى المساواة والاحترام”.

ويقر مراد الميساوي الذي يدير إحدى الدوائر البلدية بحومة السوق في جربة أن “ظاهرة تواجد مقابر للعبيد وأخرى للأحرار صحيحة وتتطلب الدراسة”. ويوضح أنه، على عكس ما يحصل في المدن الكبرى على غرار صفاقس وتونس، يدفن سكان جربة الموتى دون الحصول على تراخيص من البلدية، ما يسمح لهم بتقسيم المقابر وفقا للانتماء العائلي والمستوى الاجتماعي وحتى حسب لون البشرة.

وتعد تونس من البلدان الرائدة في إلغاء العبودية حيث أعلنت عن ذلك من زمن حكم البايات عام 1846.

وصادق البرلمان التونسي في التاسع من أكتوبر الفائت على أوّل قانون للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في البلاد، في نص كان ينتظر بترقب كبير واعتبرته منظمات مدافعة عن الأقليات “تاريخيا”. وقد أقر عقوبات زجرية ولا مثيل لها في الدول العربية.

كفانا إزدراء السابقين
كفانا إزدراء السابقين

وتقول رئيسة منظمة “منامتي” للدفاع عن الأقليات سعدية مصباح إن إقرار الدولة بوجود التمييز العنصري يعني أن على المؤسسات تطبيق القانون المتعلق به. وترى أن “العمل الحقيقي يبدأ الآن”، معتبرة أن هذه المشكلة “متجذرة في عقليات الكثير من التونسيين”. من جانبه يؤكد الميساوي أنه لا يوجد انسجام بين النصوص القانونية والواقع.

فلا تزال الدوائر البلدية في جزيرة جربة تؤشر في مضامين الولادة إلى أحفاد العبيد بكلمة “عتيق”، مرفوقا باسم العائلة التي عتقته. ويتواصل اعتماد هذه التسمية “بمدلولها العنصري” في ظل غياب تعبئة اجتماعية مدنية للضغط من أجل سحبها، وفقا للميساوي الذي يؤكد أن الدولة لم تأمر البلديات بإلغائها.

ويكشف عدد من سكان منطقة القُصبة التي تبعد نحو 80 كلم عن جربة، وغالبيتهم من ذوي البشرة السوداء، عن غضبهم من الممارسات العنصرية.

ويقول محمد (27 عاما) وهو يجلس على الأرض في متجره يلعب الورق، “هذه القرية مهمشة بسبب لون بشرتنا، ليس لدينا مقاه ولا دور ثقافة ولا منشآت جيدة، لا شيء (…) لا يوجد سوى الازدراء”.

وبالنسبة إليه، ما يلزم منطقته “خصوصا هو الاستثمارات والاهتمام بالسكان الذين يشعرون أنهم تونسيون من الصنف الثاني، هذا القانون لا يحمي المنطقة”.

الدوائر البلدية تؤشر في مضامين الولادة إلى أحفاد العبيد بـ"عتيق"، ويتواصل اعتماد هذه التسمية بمدلولها العنصري

ولا يزال الزواج، في منطقة القُصبة، بين رجل أسود وامرأة بيضاء البشرة مرفوضا. ويقول الستيني والتاجر علي كودي “مهما تكن وسيما وغنيا ستبقى دوما “كحلوش” (أسود) ولن يقبلوا بك زوجا لبيضاء”. ويختم “نحن تونسيون فقط على بطاقة الهوية”.

ويحلم سمر البشرة في تونس بالمساواة في الحقوق والمكاسب مثل جل المواطنين التونسيين، ويطمحون لأن تكون معاملاتهم مع الجهات الرسمية وعلى الوثائق الرسمية مثل مضامين الحالة المدنية لا تخضع لمعايير تمييزية ولا لملاحظات تجعلها تختلف عن غيرها مثل ما يدون على مضامين ولاداتهم.

 أما من الناحية الاجتماعية وفي حياتهم اليومية فيريد ذوي البشرة السمراء أن تلغى من واقعهم وتغيب عن مسامعهم العبارات التي ترسخ ممارسات التمييز والإزدراء ضدهم والتي تردد بشكل عادي  في الشارع التونسي وعلى ألسنة الكبار والصغار في كل الأماكن ومن بينها الفضاء العام مثل عبيد وعتيق فلان وكحلوش...

 ويطرح العديد من السمر المعاناة من التمييز عندما يؤثر على مسار حياتهم ويمس حقوقهم في الدراسة أو يحرمهم من فرص للعمل أو يؤثر على خياراتهم في الزواج عندما يرفضون فقط لأجل اللون.

21