التمييز بين الأفكار والحقائق نصف الطريق لعلاج ضغوط العمل

الاستراحة في العمل تزيد الإنتاجية وتحسن الأداء، ومحاولة السيطرة على الإجهاد النفسي استثمار مهم في الحياة.
الخميس 2018/09/06
روتين قاتل

يتسبب تراكم مسؤوليات العمل في الشعور بالإرهاق وكثرة الضغوط النفسية خاصة إذا تعارضت أهداف العمل مع الرغبات الشخصية للأفراد، أو أن العمل الذي يبذل فيه الشخص قصارى جهده قد لا يحقق الأهداف التي رسمها في مخيلته، كما يضاعف هذه الضغوط الاعتقاد بأن المحيط الاجتماعي لا يقيّم الجهود المبذولة ولا يعترف بجدواها

لا تتشابه أيام العمل ومن المحتمل أن يمرّ يوم من دون إنجاز أو شعور بالرضا والجدوى، وهذه أمور طبيعية، لكن تكرار الأيام السيئة أو المرور اليومي بتجربة عمل من دون دافع أو حماس قد يؤدي إلى شعور كبير بالإرهاق، إذ تزيد مشاعر الإحباط الضغوط النفسية وتؤدي إلى استنزاف الصحة البدنية والعقلية على حد سواء. مع ذلك، يمكن أن يكون هذا الإرهاق مجرد عارض، خاصة مع محاولة تجنب حدوثه أو معالجته بطريقة صحيحة.

ويرى أستاذ علم النفس السريري وعضو جمعية العلاجات السلوكية والمعرفية والرابطة النفسية في نيوجيرسي، الولايات المتحدة، كونستانتين لوكين، أن أقرب الحلول لتجنب هذا الشعور المزعج، أن يدرك الإنسان أن أفكاره ليست حقائق بالضرورة وهي الخطوة الأولى لمحاولة فهم النفس وتحليل السلوك الشخصي، مضيفا “إذا افترضنا أننا أمام تحد جديد في العمل؛ مشروع نخطط للتحضير له، سنقول لأنفسنا بأننا نريد أن نحقق النجاح وأن نبلي بلاء حسناً لكننا نشعر بالقلق، وهذه في الحقيقة هي العقدة التي تضع العثرات في طريق إنجازنا للعمل وهي بالتأكيد مسؤولة عن الشعور بالضغط النفسي”.

ويؤكد لوكين أنه بدلاً من ذلك “علينا أن نخاطب أنفسنا بطريقة أخرى فنقول أمامنا مشروع كبير لإنجازه ونرغب في تحقيق النجاح كما أننا سنختبر بعض مشاعر القلق”. بهذه الطريقة نذكر أنفسنا على الدوام بأن ما نفكر به مجرد مشاعر وليس حقائق ستحصل لنا بالفعل، أي أن الاحتمال قائم وبين الشك واليقين بإمكاننا أن نحقق هدفنا ببساطة من دون الحاجة إلى المرور بمرحلة القلق والإحباط واليأس، وهذا ما يسمى “مراقبة النفس” والسيطرة على المشاعر والسلوك الذي قد يتأتى منها.

أما فترات الاستراحة أثناء ساعات العمل فتمثل أوقات مهمة وضرورية لتجديد النشاط وأخذ قسط من الراحة لمواصلة العمل بعد ذلك. ويتخذ بعض العاملين مكان العمل لقضاء وقت الاستراحة وتناول وجبة الطعام الخفيفة، في سلوك غير صحي ولا يحقق الغرض من هذه (الفسحة) الذهنية؛ فالهدف هو أن نكسر أجواء العمل ونبتعد قليلاً عن شاشة الكمبيوتر، حتى إذا كان ذلك بمجرد مغادرة الغرفة وتناول الطعام في حديقة مجاورة أو طابق آخر مع زملاء العمل وتبادل بعض الأحاديث الخفيفة.

وإذا كان مسموحا بقضاء وقت الاستراحة خارج مبنى العمل، فهذه فرصة طيبة أيضاً للذهاب إلى مطعم أو مقهى مجاور أو حتى إلى ساحة عامة وهي فرصة أيضاً لممارسة رياضة المشي، فالتمارين البدنية البسيطة فرصة لقطع الطريق على الأفكار التي تدور في محور القلق ومن شأنها أن تروّض التوتر النفسي إلى أدنى مستوياته. الاستراحة من العمل قليلاً تزيد من الإنتاجية وتحسن الأداء

محاولة السيطرة على الإجهاد والضغط النفسي ليست ترفاً، بل هي استثمار مهم في حياة الإنسان العامل الشخصية

ويرتبط العمل ارتباطاً وثيقاً باستخدام الكمبيوتر، حيث يقضي معظم الناس ساعات طويلة في التحديق إلى شاشته وهذا الأمر لا يمكن بالطبع تجنبه، إلا أنه لا يرتبط بالضرورة بالطبيعة التي نشأ عليها الإنسان، فالتحرر من قبضة هذه الآلة التي تطيح بزمن حياتنا القصيرة أمر واجب حتى إذا كان هذا التحرر في فسحة تأمل لبضع دقائق، ولعلها ستكون كفيلة بتحريرنا من تراكم الضغوط النفسية.

ويوضح أستاذ علم النفس لوكين أن تحديد الغرض أو الجدوى من القيام بعمل وبذل الجهود الحثيثة للتفوق والنجاح فيه، من شأنه أن يخفف من المعاناة والشعور بالإرهاق المستمر؛ حيث يعد وضع خطة زمنية يكمن في نهايتها القيام برحلة استجمام مثلاً أو جولة سياحية بعد قضاء سنة طويلة من العمل المضني، أفضل طريقة للتخلص من الضغوط المصاحبة للعمل وهذا ما يمنح الرغبة في الاستمرار حتى مع وجود عوائق وصعوبات، سواء كانت في تفاصيل العمل أو في تغيير المزاج وتبديل الحالة النفسية.

وهناك طريقة أخرى للتخلص من ضغوط يوم عمل سيء، وهذا أمر وارد، إذ أن الإجهاد أمر لا مفر منه قد يصاحبه شعور بالتقصير أو الفشل أو التراجع في مرحلة ما من العمل.

 وكل هذه الأمور يمكن التنصل منها حتى إذا كان ذلك بصورة مؤقتة؛ فرسالة نصية إلى صديق مقرب أو فرد من العائلة تخبره فيها بأن يومك كان سيئاً من شأنها أن تهون عليك الأمر قليلاً، إذ أن الاتصال بشخص يهمك أو تكنّ له المودة من شأنه أن يحسن مزاجك ويذكرك دائماً بالأشخاص الذين يمثلون قيمة مهمة في حياتك، وبأن هناك ما تمتلكه وتحرص على الاستمرار معه أو من أجله مهما تكاثفت عليك ضغوط الحياة والعمل.

ولعل الإجابة من شخص مقرب عن رسالتك تخفف كثيراً من شعورك بالتوتر، بل قد تتحصل على كلمة تشجيع تعزز إنتاجيتك وتشعرك بأن هناك دوماً من يقف إلى جانبك وأن الأمور ليست بالسوء الذي تتصوره.

ويعد الإجهاد في العمل أمرا شبه روتيني لا يمكن تجنبه كما أنه قد يكون طارئا أو مستمرا، لكن الأهم أن لا يفسح له المجال ليفسد حياة الإنسان التي تقع خارج إطار العمل لأن الحياة الشخصية هي الجدار الذي يستخدم للتخفيف من مشاكل العمل. وينصح متخصصون بضرورة ابتكار استراتيجية لإدارة هذه الضغوط والأزمات النفسية التي يمكن أن يواجهها الإنسان بشكل يومي، إذ يجب أن يضع في الحسبان أن محاولته السيطرة على الإجهاد والضغط النفسي ليست ترفاً، بل هي استثمار مهم في حياته الشخصية.

21