التناحر على السلطة يعمق أزمات الصومال

تقاطعات داخلية وخارجية تبقي مقديشو منكوبة إلى أجل مجهول.
الأربعاء 2020/01/08
الكل يحارب من أجل السلطة

باتت الأزمة السياسية الخانقة التي يعيش على وقعها الصومال بفعل التناحر على السلطة تحت عنوان من يقبض على مفاصل الدولة أولا، بين هرمي الحكم الرئيس محمد عبدالله فرماجو ورئيس الحكومة الفيدرالية حسن خيري، تستدعي وجوب تدخل إقليمي فاعل يصوب الوضع قبل أن تتعمق أكثر أزمات مقديشو التي لا تعرف الاستقرار وهو ما يؤثر سلبا على أمن أفريقيا.

القاهرة – كلما لاحت فرصة لاستعادة الأمن والاستقرار في الصومال، تخترع دوائر محلية وجهات خارجية الذرائع والتصرفات ليظل هذا البلد منكوبا إلى أجل غير مسمى، ولا يبارح الحلقات المفرغة التي دخلها، بينما تتجه أنظار قوى إقليمية ودولية لترتيب أوضاع المنطقة التي يعد هذا البلد جزءا حيويا في جسم أي مخططات استراتيجية لأهميته الحيوية في القرن الأفريقي.

أصبح الاستحواذ على السلطة، والقبض على مفاصل الإدارات المحلية أحد عناوين الخلافات التي تعتمل في الصومال، وأصابت قمتي هرم السلطة، وهما الرئيس محمد عبدالله فرماجو، ورئيس الحكومة الفيدرالية حسن خيري. وتعملقت وسط قيادات الإدارات المحلية في غالبية الولايات التي تلعب دورا مهما في منظمة الحكم بالصومال.

بين هؤلاء وهؤلاء مسافة واسعة سمحت لكثيرين للنفاذ منها، بالمشاركة في الصراع مباشرة أو عبر أدوات تحرض على تكريس الفواصل السياسية والاجتماعية. وهو ما جعل البلاد فوق فوهة بركان قابل للانفجار في أي لحظة، وقد ينهي المكاسب البسيطة التي تحصلت عليها في السنوات القليلة الماضية، ويوقف زحف مشروعات التنمية والسلام الواعدة في المنطقة.

إحدى أزمات الصومال الرئيسية أنه بلد غني بالموارد، وصاحب موقع جغرافي متميز، وهو ما جعل البعض يجدون في استمرار النزاعات وتغذية الحركات المتشددة على أرضه، وسيلة للحصول على مكاسب، أو تكبيد الخصوم خسائر بفعل الرغبة المتنامية لديهم لتوسيع أطر التسويات السياسية في المنطقة، والتي تعد النيران الملتهبة داخليا ومع دول الجوار من الأسباب الرامية إلى وضع حد لما يجري من تدفق في نهر الصراعات بالصومال.

يبدو أن الرئيس محمد فرماجو، مصمم على الاستمرار في الحكم وتمديد فترة رئاسته بأي ثمن، الأمر الذي دفعه إلى عدم الاهتمام بما يوجه إليه من انتقادات من جانب قوى المعارضة التي ترى أن الحكومات الإقليمية، مثل: جوبالاند، وبونت لاند، وهيرشبيلي وجلمدغ، وجنوب غرب الصومال، هي الجهات المخولة بتحديد المستقبل السياسي للبلاد، ولها باع طويل ومحرك في الانتخابات المنتظرة على أصعدة متباينة.

بعضهم يجد في تغذية الحركات المتشددة على أرض الصومال، وسيلة للاستحواذ على مقدراته

جددت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم)، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية ومكافحة الجفاف (إيغاد) والأمم المتحدة، والولايات المتحدة، في بيان 19 ديسمبر، التأكيد على ضرورة الإسراع في تطبيق قانون الانتخابات وقانون الأحزاب السياسية المعدل، ووضع ترتيبات أمنية تسمح بإجراء انتخابات مباشرة حرة ونزيهة مع نهاية العام الحالي، وبداية العام المقبل، بمشاركة أكبر عدد ممكن من الناخبين.

فجّر الرئيس فرماجو مجموعة من الأزمات مؤخرا، بسبب إقدامه على تبني سياسات تعطل الوصول إلى محطة إجراء الانتخابات على المستوى الرئاسي والبرلماني، والتي كان من المأمول أن تدخل البلاد مرحلة جديدة من الهدوء والاستقرار، بدلا من زيادة وتيرة الارتباكات والاستقطابات والتحولات السلبية في المشهد السياسي العام.

يرى كثير من المتابعين أن الانتخابات التي يحاول فرماجو تعطيلها بإمكانها أن تؤدي إلى هندسة معالم الحكم السياسي في دولة تعاني من انقسامات متجذرة منذ حوالي ثلاثة عقود على الصعيدين المركزي والفيدرالي، لكن الانسداد الذي يكرس له الرئيس الصومالي أدى إلى ظهور دعوات للترويج لشكل كونفدرالي، كبديل للمستويين المعمول بهما في الوقت الراهن.

تزايد الخلافات

الشارع الصومالي ينتفض ضد الظلم
الشارع الصومالي ينتفض ضد الظلم 

وربما يجد هذا الشكل تأييدا الفترة المقبلة، كوسيلة مناسبة للولايات التي تتمتع منذ فترة بحكم ذاتي، ومنها ما يعيش حياة تشبه الاستقلال، فقط ينقصه الاعتراف الدولي. وسمحت هذه الهشاشة بإضعاف بنية الحكم المركزية، ودخول قوى إقليمية على خطوط كثيرة. ومنحت للرئيس فرماجو الاستفادة من تناقضاتها.

طفت على السطح خلافات حول اختيار أنسب الطرق لإجراء الانتخابات، وباتت واحدة من التحديات العميقة التي يواجهها الرئيس والبرلمان والقوى المعارضة، وأفضت إلى زيادة الهوة بين حسن خيري رئيس الحكومة المركزية، والذي يحاول التوافق الظاهر مع فرماجو، وقوى المعارضة، لأن شكل الانتخابات سيؤثر مباشرة على نتائج وطريقة التصويت، في ظل عدم وجود نظام انتخابي متفق عليه سوى النظام التقليدي الذي بموجبه ينتخب رؤساء العشائر والولايات الفيدرالية أعضاء البرلمان، ثم ينتخب الأخير رئيس الجمهورية.

وسط هذه الأجواء، يريد الرئيس فرماجو تمديد فترة ولايته لمدة عامين دون اكتراث لما يواجهه من اعتراضات سياسية ومجتمعية، متذرعا بصعوبة تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال الفترة المتبقية، وهي حوالي عام، خاصة أن مسودة القانون الحالي للانتخابات تتيح ذلك.

متهم برفض التطرف ودعم تمدده
متهم برفض التطرف ودعم تمدده

تشير المادة (56) إلى أنه “إذا لم تتم إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المحدّد لظروف طارئة، سيتم تمديد فترة عمل البرلمان الحالي”. وتقول الفقرة (7) من هذه المادة “إذا تم تمديد فترة البرلمان يتم تلقائيا تمديد فترة حكم الرئيس بنفس المدّة التي تم تمديدها للبرلمان”.

تعتقد قوى المعارضة أن تأجيل الانتخابات هدفه إضعاف الولايات الفيدرالية، وإدارة الانتخابات لصالح الرئيس فرماجو وحلفائه، ما يعتبرونه سوء استخدام فاضح للسلطة ومحاولة لتوظيفها لأغراض سياسية ضيقة، علاوة على أنه يمثل تضحية بأي مكاسب، ولو هزيلة، تحققت خلال السنوات الماضية.

يضم تحالف المعارضة وجوها سياسية متنوعة، من برلمانيين حاليين، ورؤساء ولايات سابقين، فضلا عن اثنين عن رؤساء البلاد السابقين، وهما الشيخ شريف شيخ أحمد، وحسن شيخ محمود، إلى جانب عدد من الناشطين والفاعلين في ولايات فيدرالية مختلفة.

احتدم الصراع بين الرئيس فرماجو، و المعارضة له في عدد من الولايات الفيدرالية. وتنامى عقب رفض الحكومة نتائج انتخابات ولاية “جوبالاند” ، وما تلاها من تنصيب لأحمد محمد إسلان (أحمد مدوبي) رئيسا لها.  تكاد تكون أزمة “جوبالاند” انعكاسا للكثير من الأزمات المنتشرة في الولايات، فرئيسها مدوبي سعى منذ فترة إلى إعادة انتخابه والبقاء على رأس السلطة في الولاية لفترة ما بعد ولاية الحكومة الاتحادية الحالية، كي يتمكن من لعب دور كبير في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلتين، ويساهم بقوة في عدم إعادة انتخاب فرماجو، لأن الرجل يتمتع بدعم قوي من قبل جهات إقليمية ودولية لها تحفظات على أداء الرئيس الصومالي.

تمدد المتطرفين

تناحر على السلطة يدفع ثمنه الشعب
تناحر على السلطة يدفع ثمنه الشعب 

ينطوي هذا التوجه على تحدّ كبير بالنسبة لمشروع فرماجو الساعي إلى إسقاط رؤساء الحكومات في الولايات التي لا تدعم رؤيته وترفض رئاسته، وانتخاب آخرين أكثر دعما له وتأييدا لتمديد فترته الرئاسية، والمساهمة في حمله إلى سدة السلطة مرة ثانية.

في المقابل، تسعى المعارضة إلى إعادة هيكلة إنشاء حكومات إقليمية قوية ومؤيدة لتصوراتها السياسية الهادفة إلى إعادة صياغة مرحلة ما بعد إجراء الانتخابات دون فرماجو.

وتحوّلت الأزمة في إقليم “جلمدغ” الذي يرأسه أحمد دعالي غيللي حاف، إلى واحدة من الأزمات المتشابكة في الصومال، والتي قد تفجر امتداداتها جملة من المشكلات داخل السلطة المركزية، فبموجب اتّفاقية جيبوتي بين الإقليم، وتنظيم أهل السنة والجماعة، حصل التنظيم على مناصب عليا، وبدت له يد سياسية طولى، مع الاحتفاظ بذراعه العسكرية.

وعندما احتدم الخلاف بين رئيس الإقليم والتنظيم دعا الأخير إلى ضرورة إجراء انتخابات رئاسية قبل 2021، ووجد دعما من رئيس الحكومة حسن خيري. وهذه واحدة من المناوشات التي بدأت تتبلور بين فرماجو وخيري، ويمكن أن تفرز تداعيات قاتمة على العلاقة بينهما التي كانت مسكونة بهواجس مستترة الفترة الماضية، وحاول كل طرف عدم الإفصاح عنها لتجنّب أضرارها السياسية بالنسبة للطرفين.

مع اشتعال الموقف حول الولايات والانتخابات والقانون المنظم لها، أخذ الخلاف يتصاعد، خاصة أن فرماجو أجرى سلسلة من التغييرات في المناصب العليا، تصب في صالح تعزيز نفوذ الموالين له والتابعين لحركات متشددة.

وخرجت منها انتقادات تشير إلى إزدواجية فرماجو، ففي الوقت الذي يعلن رفضه للمتطرفين يسمح لهم بالتمدد في السلطة، ويدعم دوائر إقليمية مؤيدة لهم، مثل قطر التي لا تتوانى عن العبث بمقدّرات الصومال وتوظيف توتراته لخدمة أغراضها الغامضة، وخلق العثرات لوقف تقدم مشروعات السلام والتنمية في القرن الأفريقي.

في كل الأحوال، بات التكالب على السلطة من المنغصات في مقديشو، بما ينذر بارتفاع مستوى الأزمات. وما لم تتدخل قوى إقليمية فاعلة لتصويب الدفة سوف يظل الصومال أحد أبرز الأزمات المركزية في المنطقة.

12