التناسب بين الرواتب واحتياجات الشباب.. معادلة مستحيلة

الشباب الخليجي يفضل العمل في القطاع العام على الخاص من أجل الاستقرار الوظيفي.
الأحد 2018/05/06
ربط الإنتاجية بالراتب جوهر الحل

القاهرة - “قد تنجح في أولى جولات السباق الماراثوني في حياتك العملية وتجد فرصة عمل، لكنك بالتأكيد ستصطدم بجدار الراتب المتدني الذي يمكن أن يلبي احتياجاتك الشخصية إذا كنت محظوظا بما فيه الكفاية”، هذا لسان حال غالبية الشباب العرب الذين ترهقهم أعباء العصر الاستهلاكي، وتتضاءل أمامهم يوما بعد آخر إمكانية التخطيط للمستقبل.

لا ينفك الشباب يعبرون عن يأسهم وامتعاضهم من تدني الرواتب والأجور، وكان خبر زيادة رواتب ومعاشات رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء والمحافظين، صادما بالنسبة للكثير من المصريين، مع عبارة “أين نحن من هذه الزيادة”.

الحلول ممكنة بإرادة الحكومات

جنيف - تستطيع الحكومات التدخل بفعالية لتعزيز فرص عمل الشباب وتخفيض البطالة في صفوفهم من خلال تدابير على مستوى الاقتصاد الكلي، وفق ما تؤكد منظمة العمل الدولية في آخر إصداراتها عن اتجاهات وسياسات التوظيف، بعنوان “التصدي لبطالة الشباب: دليل جديد على قضايا السياسات الأساسية”. وتقول المنظمة في الكتاب، إن التوسع في الإنفاق العام مثلا -عن طريق برامج توظيف وتدريب ضخمة مدعومة- يعتبر سياسة مجدية لتعزيز تشغيل الشباب في فترات تراجع النشاط الاقتصادي. وكي يصبح التمويل الحكومي أكثر جدوى، يجب أن يكون منظما نسبيا. لهذا عندما يحل الركود الاقتصادي، يجب المباشرة فورا في التوسع المالي قبل أن يؤدي التدهور الاقتصادي نفسه إلى تفاقم توازن الميزانية. ومن الأمثلة على هذه المقاربة برنامج الضمان الشبابي الذي طبقه الاتحاد الأوروبي عام 2014، ويهدف إلى توفير التعليم المتميز والتدريب للفئات الشابة التي لا تحظى بفرص العمل أو التعليم. والبرنامج المذكور مصمم للتأقلم مع الدورات الاقتصادية حيث يتوسع أثناء تدهورها عندما ترتفع معدلات البطالة بين الشباب. ويمكن أن تلعب برامج مماثلة لبرنامج الضمان الشبابي، وتتضمن دعما ماليا للشركات التي توظف الشباب، دورا فاعلا في تحفيز توظيف الشباب. ويقدم الكتاب رسالة مهمة وهي ضرورة التركيز على تشجيع مشاريع العمل الفردي الجيدة وروح الريادة. ورغم أن هذا التوجه غالبا ما يكون حلا للمشكلات بالنسبة للأفراد والأسر التي تفتقر إلى فرص بديلة، فإنه ليس مجديا على الإطلاق على المستوى الشامل. كما أنه من الواضح أيضا أن برامج العمل الحر لا تستطيع بمفردها حل مشكلة توفير فرص العمل للشباب، لكنها جانب مكمّل مفيد لبرامج التشغيل الأخرى كالتدريب ودعم الأجور. وفي الدول ذات الدخول المرتفعة غالبا ما يتضمن بحث الشباب عن عمل أعمالا مؤقتة أو فرص عمل وتدريب دون أجر. أما في الدول ذات الدخل المنخفض أو المتوسط فإن ثلاثة من بين كل أربعة شباب يعملون في القطاع غير المنظم دون حماية أو مزايا أخرى كتلك الموجودة في القطاع المنظم، حيث لا يتمتعون برواتب تقاعد أو تأمين صحي. وبالنسبة للشباب ذوي الشهائد العليا، تشكل الأعمال المؤقتة أو غير الرسمية مدخلا نحو وظائف أفضل. أما بالنسبة للفئات الأخرى، خاصة ذوي التعليم المتدني، فغالبا ما تكون هناك ورطة يعلقون فيها. ويقول نيال أوهيغنز، أخصائي الأبحاث في برامج توظيف الشباب في منظمة العمل الدولية، يظهر تحليلنا أن سياسات العمل الذكية تساعد على تجنب هذا الوضع. فمثلا، تلعب برامج سوق العمل الفعالة دورا أساسيا في تنظيم العمل. كما أن الدعم المالي الحكومي للأجور وجعل التشغيل الذاتي شرطا للتسجيل القانوني يجعلان العمل المنظم خيارا جاذبا للشباب والشركات على حد سواء.

ويقول إيهاب فتحي، شاب مصري يعمل بالقطاع الخاص عمره 26 عاما، في تصريحات لـ”العرب”، إنه بعد تخرجه حصل على راتب قدره 1500 جنيه (حوالي 90 دولارا) زاد بعد سنة كاملة ليصبح 1800، دون أن تمنحه الشركة تأمينا صحيا ولا اجتماعيا.

ويرى فتحي أن قرار زيادة رواتب الوزراء والمحافظين ليس موفقا لأن هناك من الشباب من هم في حاجة إلى زيادة رواتبهم ولو بنسبة ضئيلة، في حين أن الوزراء والمحافظين في أغلب الأحيان لهم أكثر من مصدر للدخل يجعلهم في غنى عن زيادة رواتبهم الحكومية.

وتابع “إذا كان مجلس النواب قد أقر منح الوزراء والمحافظين الحدّ الأقصى للأجور، فأنا أطالب نواب الشعب بالموافقة على تطبيق الحد الأدنى لرواتب عامة الشعب، لكن ينبغي أن يكون راتبا كافيا للاحتياجات الأساسية للشباب، فإن كان الوزراء والمحافظون يحصلون على 42 ألف جنيه فمن حق الشباب ألا تقل رواتبهم عن 4 آلاف جنيه، وذلك أضعف الإيمان”.

أولويات المجتمع

كان مجلس النواب المصري وافق في أبريل الماضي على مشروع قانون قدمته الحكومة، ينصّ على زيادة رواتب ومعاشات رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء والمحافظين، على أن يتقاضوا شهريا راتبا يُعادل الحد الأقصى للأجور وهو 42 ألف جنيه مصري (نحو 2400 دولار)، وتتحمل الخزانة العامة أعباء تطبيق القانون المذكور، ولا تخضع الرواتب المنصوص عليها لأي نوع ضرائب أو رسوم.

يقول أحمد شكري، 27 عاما، وهو محاسب في القطاع الخاص، إن الحكومة لم  تراع منطق أولويات المجتمع عند التقدم بهذا الطلب، كما أن مجلس النواب لم ينظر إلى أولئك الموظفين الحكوميين الذين يفنون أعمارهم في خدمة الدولة ثم يحصلون في النهاية على معاش لا يكفي للإيفاء بأقل الاحتياجات.

 أما موظفو القطاع الخاص فليسوا أفضل حالا، إذا واجهوا تعنتا كبيرا من إدارات الشركات التي يعملون لديها برفض الزيادة في الرواتب رغم ارتفاع الأسعار، وكأن الحكومة بذلك قد اقتطعت نصف رواتب المواطنين بتلك الزيادة الكبيرة في الأسعار وفرض الضرائب وغير ذلك.

واختتم شكري حديثه مع “العرب”، “بدلا من تلك السرعة التي وافق بها مجلس النواب على مثل هذا القرار، كان الأحرى أن يجد حلا سريعا بنفس الدرجة لمشكلات الشباب الذين يعانون، وكان من الممكن بدلا من أن تتحمل خزانة الدولة عبء زيادة رواتب مسؤولين قد لا يكونون في حاجة إليها، أن يستغلوا تلك الأموال في استثمارها لصالح الشباب العاطل عن العمل أو تحسين أوضاع الموظفين الذين يعانون منذ العشرات من السنين ولا يزالون”.

وظهر الممثل محمد رمضان على شاشة إحدى الفضائيات ليفتخر بأنه الممثل الأعلى راتبا، ومن حق جمهوره معرفة معلومة مثل هذه، حيث تقاضى 36 مليون جنيه (حوالي 2 مليون دولار) عن دوره في مسلسل الأسطورة العام الماضي، فيما وقع تداول معلومات عن حصوله على 48 مليون جنيه عن دوره في مسلسله الجديد نسر الصعيد في 2018.

الأمر يتشابه كثيرا مع المكافآت الخيالية التي يحصل عليها لاعبو كرة القدم، وفي قطاعات مثل سوق الدراما وكرة القدم، المعيار الوحيد للحكم على أحقية الفنان أو الرياضي بما يتقاضاه هو مدى ما يحققه من نجاح، لأن نجاحه يعني إضافة قيمة اقتصادية في سوق مفتوح لا ينظر سوى إلى معايير المنافسة.

كما أن الخطأ الذي يقع فيه القطاع الحكومي هو عدم ربط الإنتاجية بالراتب ومن هنا تأتي مشكلة سوء توزيع الرواتب، والخلل الحاصل في بعض أوجه المجتمع.

ويظهر ذلك جليا في آخر تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، العام الماضي 2017، حيث لامسنا تفاوتا كبيرا بين متوسط رواتب القطاع العام والقطاع الخاص، على الرغم مما هو شائع من أن القطاع الخاص يضع لوائح صارمة تلزم العاملين فيه بتقديم أقصى قدر من الإنتاج وعدم تهاونه مع التقصير.

وأفاد التقرير الحكومي أن متوسط الأجور الأسبوعي للعاملين في القطاع الخاص، والذي يشكل فيه العاملون 60 بالمئة من مجموع العمال في مصر، يبلغ 670 جنيها (نحو 35 دولارا) في مقابل 1154 جنيها (حوالي 36 دولارا) للقطاع العام، وهي مفارقة جديرة بالبحث في حد ذاتها، فإن كان كل هذا الجدل أثير حول رفع شريحة كبار المسؤولين تمثل في النهاية عددا محدودا، فمن الأجدر تسليط الضوء على الفارق الضخم بين الملايين من المواطنين وإعطاء الأولوية لربط الرواتب بالأجور.

وأظهرت دراسة أجراها المركز الوطني للإحصاء في سلطنة عمان أن 95 بالمئة من الشباب العماني يفضلون العمل بالقطاع الحكومي عن القطاع الخاص ولو براتب أقل، حيث يعتبر الاستقرار الوظيفي وفرص الترقية أهم المحددات عند اختيار الوظيفة.

معضلة الشاب الخليجي

يشهد القطاع الخاص العماني ضعفا في الإقبال عليه من قبل المواطنين في ظل ضعف الرواتب، وعدم تحديد الحد الأدنى للأجور، بالإضافة إلى غياب عامل الأمان الوظيفي.

ويثير ارتفاع نسبة الخريجين العاطلين عن العمل، والتي بلغت في العام الدراسي 2014-2015 حوالي 16.5 بالمئة، قلق القيادة العمانية، إذ ترى فيه مشكلة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية يجب التصدي لها.

وتتعرض وزارة القوى العاملة العمانية، بين الحين والآخر، لانتقادات لاذعة تحت قبة مجلس الشورى، ليتهمها أعضاء في المجلس بعدم الجدية في توفير فرص عمل للشباب داخل القطاع الخاص على وجه التحديد، وتقديم أرقام وهمية بشأن الحاصلين على فرص عمل من المواطنين.

ولا تقتصر الظاهرة على سلطنة عمان فقط. فوفقا للتقرير السنوي لمنظمة العمل الدولية، أدى انخفاض رواتب ونوعية الوظائف المتوفرة في القطاع الخاص إلى تهافت الأيدي العاملة الوطنية للعمل في القطاع الحكومي في دول المجلس الخليجي.

ففي الكويت يوظف القطاع العام نحو 80 بالمئة من الأيدي العاملة الوطنية و72 بالمئة في السعودية و47 بالمئة في سلطنة عمان.

ونتيجة لضعف هيكل الأجور في القطاع الخاص برزت فجوة كبيرة بين سوق العمل في القطاع الخاص وسوق العمل في القطاع العام، حيث لوحظ في البحرين أن معدل الرواتب في القطاع العام يبلغ 712 دينارا بينما يبلغ 278 دينارا في القطاع الخاص، وهو ما يشكل عامل إحباط كبير لدى الشباب الراغبين في العمل في القطاع الخاص.

بدورها، حدّدت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية، 4 أسباب أساسية لعزوف السعوديين عن العمل بالقطاع الخاص. مبينة أن 67 بالمئة منهم يعملون في القطاع العام.

وذكر تقرير للوزارة أن معدل توظيف السعوديين انخفض في 2017، بنسبة 37 بالمئة (من 368 ألف موظف إلى 233 ألفا)، بسبب انخفاض الأجور، وزيادة أعباء العمل وعدد ساعاته، مقابل قلة عدد الإجازات، وغياب نظام موحد للسلامة الصحية، وضعف الجاهزية لتوفير بيئة عمل تناسب المرأة.

وحدّدت الوزارة هدفها المستقبلي، بأن يكون عدد فرص العمل اللائقة المتاحة للسعوديين في القطاع الخاص نحو 3 ملايين فرصة بحلول عام 2020.

19