التناص في شعر محمود درويش بين النقد والهجوم

الأحد 2014/11/16
خطاب الحب في نصوص محمود درويش تعبير عن الجانب الإنساني الأعمق في الذات

أثيرت في الآونة الأخيرة قضية هامة تتعلق بموضوع التناص في شعر محمود درويش، وهي قضية على وجاهتها نقديا، لم تخل عند البعض من محاولة للنيل من تجربة الشاعر الكبيرة.

قبل طرح قضية التناص، أثيرت قضية التطبيع مع العدو المحتل، من قبل بعض خصوم الشاعر الأيديولوجيين، وهي قضية تتصل بموضوع التناص من أحد جوانبها، وقد جاءت ردا على التحول الذي شهدته تجربته بدءا من ديوانه “لماذا تركت الحصان وحيدا”.

منتقدو درويش رأوا في انفتاح الشاعر على الجانب الإنساني في القضية الفلسطينية، واستخدامه للتناص الديني اليهودي، ومحاولة الحوار مع الإسرائيلي على أرضية ما هو إنساني، محاولة للتطبيع مع العدو الإسرائيلي.

أصحاب هذا النقد كانوا ينطلقون من موقف سياسي- أيديولوجي يحاكمون نصوص الشاعر على أساسها، وهو نقد يأتي من خارج النص مستخدما معاييره الخاصة، التي ليست أدبية في تقييم هذه التجربة. المفارقة أن ما استخدموه حجة على الشاعر، كان الجانب الأهم في أعماله الأخيرة، والدال على قدرة الشاعر على تعميق تجربته وإغنائها.

الخطاب الأيديولوجي يصادر الجمالي لصالح السياسي، ويجعل النص ذا دلالة أحادية، ترتهن إلى الفكرة الواحدة، وهو ما تجاوزه درويش في قصائد أعماله الأخيرة، بدءا من ديوان “لماذا تركت الحصان وحيدا”، وحتى آخر ديوان صدر له قبل رحيله.


خطاب الحب


خطاب الحب في نصوص الشاعر تعبير عن الجانب الإنساني الأعمق في الذات، وهو ما نجده واضحا عند الآخر/المرأة الإسرائيلية، عندما يحررها من التعصب الأعمى، للأوهام الأيديولوجية-الدينية الصهيونية، التي كانت سببا في مأساة شعبه، ويجعلها تنفتح على سؤال الذات والهوية المختلقة، الذي يكشف عن مدى ضياعها وغربتها وبالتالي عن انكشاف الأوهام الصهيونية المضللة للآخر في مشروعها الاحتلالي:

( ليس هذا طريقي إلى أرض حريتي/ليس هذا طريقي إلى جسدي/وأنا لن أكون” أنا” مرتين/وقد حلّ أمس محل غدي/وانقسمت إلى امرأتين/فلا أنا شرقية/ولا أنا غربية/ولا أنا زيتونة ضللت آيتين/لنذهب إذا./لا حلول جماعية لهواجس شخصية/لم يكن كافيا أن نكون معا لنكون معا/كان ينقصنا حاضر لنرى أين نحن).

رهان الشاعر هنا على خطاب الحب في هذه العلاقة، هو رهان على الإنساني، وتقديم نموذج آخر عن الشخصية الفلسطينية كشخصية إنسانية، تؤمن بالسلام والحب، وهي لا تؤمن بالحرب والقتل وحده، بل تسعى إلى السلام عندما يعيد لها حقها في الحياة والوجود والأرض.

حفلت نصوص درويش في أعماله الأخيرة بالكثير من التناص الديني اليهودي

خطاب الحب مضاد للحرب والقتل والموت، يعلي من قيمة الحياة والعاطفة العابرة للحدود، ومضاد للكراهية التي تتولد من الانغلاق على الذات ورفض الآخر، والشاعر يراهن عليه عند الآخر، لكي يحرره من عقد التاريخ وأوهام الأيديولوجي الدينية: (فلا بدّ مني/ولا بدّ منك ولا بدّ من آخرين/لنسمع أبواق إخوتنا السابقين/وهم يمتطون ظهور الخيول من الجانبين/ولا يرجعون. فكن يا غريبُ سلام/الغريبة في هدنة المتعبين/وكن حلم يقظتها، كلما/ألمَّ بها قمر عائد من أريحا).

الجانب الآخر من المسألة، والمتعلق بالتناص مع التراث الديني اليهودي، فليس ثمة عداء بيننا وبين اليهودية كدين، إلا عندما يجري توظيفه لخدمة المشروع الاحتلالي، وتبرير اغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني. ولا ننسى أن القرآن يحفل بالعديد من القصص الديني اليهودي، فأين المشكلة في هذا التناص معه!


للقضية وجهان


حفلت نصوص درويش في أعماله الأخيرة بالكثير من التناص الديني اليهودي، وقد يكون ديوان الجدارية هو من أكثر أعمال الشاعر، التي أقامت تناصها مع هذا التراث، حتى وصل في بعض الأحيان إلى إعادة كتابة تلك النصوص وفق ما تمليه حاجة الكتابة العروضية للقصيدة. في هذا السياق يمكن للدارس لمستويات التناص عند درويش، أن يميز بين نوعين من التناص مع التراث الديني اليهودي، هما التناص الظاهر، الذي يستخدم الشاعر فيه التضمين، بعد أن يضعه بين علامات التضمين المعروفة، كما في قوله: (تنبت الكلمات كالأعشاب من فم أشعيا/النبويِّ: “إن لم تؤمنوا لن تأمنوا”).

لكن الشاعر في بعض التناصات الأخرى، لا يستخدم تلك العلامات الدالة، مكتفيا فيما يبدو بذاكرة القارئ، وقدرته على معرفة مصدره، مكتفيا بالتعالق بين نصه، والنص التراثي، كما في قوله (وأنا وإن كنت الأخير،/وجدت ما يكفي من الكلمات../كل قصيدة رسم). هذه الفاتحة للقصيدة، تحيل على بيت مشهور من قصيدة للمتنبي، يمتدح بها نفسه وشعره (إني وإن كنت الأخير زمانه/ لآت بما لم تستطعه الأوائل). لكن الشاعر في السطر الثاني يشير بطريقة غير مباشرة إلى عملية التناص (وجدت ما يكفي من الكلمات) إلا أنه في السطر الثالث، يحاول أن يقيم التمايز بين النصين، النص الشعري القديم، ونصه، عندما يقول (كل قصيدة رسم).

يستحضر درويش في نص الجدارية نصوصا من سفر الجامعة، ونشيد الأناشيد بصورة شبه تامة، إلا من بعض التعديل


ليس دفاعا


هذه القراءة في نص درويش ليست دفاعا عن التعالق، الذي يقيمه نص الشاعر مع النصوص الأخرى دينية كانت أم شعرية، فهي تركز على النص والسياق، دون أن تغفل طبيعة التعالق بين هذه النصوص، كما سنجد ذلك بصورة أكبر وأوسع في قصيدته الطويلة (الجدارية).

قبل الوقوف على بعض تلك النماذج في نص الشاعر والنص التوراتي، لا بد من الإشارة إلى طبيعة هذا التناص الذي تتقاطع فيه ومعه رؤية الشاعر الوجودية وتجربته مع الموت، كما عاشها عند كتابة تلك القصيدة، مع الكثافة الغنائية الحزينة، والحسية، التي تتضمنها تلك المقاطع من مزامير داوود، والتي أراد درويش من خلالها أن يستثمر تلك الكثافة بدلالاتها العميقة في قصيدته، حيث يجعل منها قصيدة متعددة الأصوات، تكثّف وتستحضر معها وعي الإنساني الوجودي وعلاقته بالزمن والحياة، مع العلم أن الشاعر في سياق القصيدة يطرح في نهاية المقاطع، التي يتناص فيها مع نشيد الأناشيد والجامعة سؤاله الموجع، عن علاقة الشاعر بميراثه بعد الموت، كما يستحضر في هذا السياق نشيد الأناشيد وسفر الجامعة، كاشفا من خلال صيغة السؤال التالية، عن معنى علاقة التناص بين نصه، وتلك النصوص (هل يضيء الذهب/ظلمتي الشاسعة/أم نشيد الأناشيد/والجامعة).

كذلك يطرح الشاعر قبل هذه التناصات سؤاله الاستنكاري (من أنا؟/أنشيد الأناشيد/أم حكمة الجامعة؟/ وكلانا أنا../وأنا شاعر/وملك). في جواب الشاعر محاولة لإلغاء المسافة بينهما على مستوى هذه الرؤية، وما تبطنه من معنى شعري ووجودي في آن معا. لذلك لم يحاول الشاعر أن يضع تلك المقاطع بين مجموعة أهلة، تشير إلى هذا التضمين، الذي يعتبر درجة من درجات التناص.


بين نصين


يستحضر درويش في نص الجدارية نصوصا من سفر الجامعة، ونشيد الأناشيد بصورة شبه تامة، إلا من بعض التعديل، الذي تقتضيه ضرورات استقامة الوزن في هذه القصيدة، كما في هذا المقطع، الذي يحيل على سفر الجامعة 5/ 6: (باطل، باطل الأباطيل.. باطل/كل شيء على البسيطة زائل./الرياح شمالية/ والرياح جنوبية/ تشرق الشمس من ذاتها/تغرب الشمس في ذاتها/ لا جديد إذا).

النص الذي يستدعيه درويش هنا، هو(الشمس تشرق والشمس تغرب، وتسرع إلى موضعها حيث تشرق. الريح تذهب جنوبا وتدور شمالا). ويظهر الاستدعاء في نص تال، مأخوذ من سفر الجامعة أيضا (للولادة وقت/وللموت وقت/وللصمت وقت/وللحرب وقت/وللصلح وقت/وللوقت وقت).

حفلت نصوص درويش في أعماله الأخيرة بالكثير من التناص الديني اليهودي، وقد يكون ديوان الجدارية هو من أكثر أعمال الشاعر، التي أقامت تناصها مع هذا التراث

أما النص التوراتي الذي يستدعيه فهو سفر الجامعة 2/3 (للغرس وقت ولقلع الغرس وقت. للقتل وقت وللشفاء وقت. للهدم وقت وللبناء وقت. للبكاء وقت وللضحك وقت…).

ويظهر نص نشيد الأناشيد كما لاحظنا في بداية تناصه مع النص التوراتي كفاتحة، ثم يتكرر ظهوره في بداية المقطع التالي، الذي يستحضر فيه العديد من الأرقام المأخوذة من النص التوراتي، والدالة على ما كان يتمتع به النبي داوود من عظمة، لم تنفعه عند موته. هنا يقيم الشاعر تناصه( تماهيه) مع هذه الشخصية عندما يستخدم ياء المتكلم في حديثه عن معنى العدم، الذي يمثله وجود الإنسان على هذه الأرض (باطل، باطل الأباطيل… باطلْ/ كل شيء على البسيطة زائل/ 1400 مركبة/ و000 12 فرس/ تحمل اسمي المذهب من/زمن نحو آخر) ثم يختمها بهذه الحكمة (فما أورشليم وما العرش؟/لا شيء يبقى على حاله).

يستخدم الشاعر في هذا المقطع تقنية القناع، وهي آلية من آليات التناص الظاهر، التي يسعى الشاعر من خلالها إلى تحقيق الكثافة الرمزية، والموضوعية، التي تحرر تجربة الشاعر من بعدها الذاتي، وتمنحها هذا الطابع الجدلي، في العلاقة بين أنا الذات، وأنا الرمز الذي يستدعيه (النبي داوود) من خلال مزاميره.


كلام أخير


الموقف من هذه التجربة التي يقدمها درويش هنا، تخضع لطبيعة الاستقبال عند المتلقي، والكيفية التي تقرأ بها هذه التناصات. عدم تعليق الشاعر قبل رحيله على ما قدم من نقد بخصوص ذلك، يمكن اعتباره دلالة على رغبته في أن يترك هذه التجربة لحكم المتلقي الذي هو ليس متماثلا، لأن عملية التلقي تختلف باختلاف طبيعة المتلقي وخلفيته الثقافية.

كل هذا لا يلغي قدرة الشاعر على نجاحه في دمج تلك النصوص في بنية نصه، ما أكسب تجربته بعدها الوجودي الغنائي الحزين وكثافتها الحسية النابعة من تعدد الأصوات وحواره معها داخل هذه القصيدة، على خلاف ما نجده عنده، في تلك التناصات التي وضعها بين أهلة.

15