"التنحي" آليات تقليدية لإنتاج عمل فني حداثي

الفنانة التشكيلية التونسية لينا بن رجب توظف التكرار بحثا عن المطلق.
الجمعة 2020/02/14
نسخة عن نسخة للسماء

الطريق إلى رواق سلمى فرياني في ضاحية سيدي بوسعيد يمر عبر أزقة متعرجة مرصوفة بحجارة بازلتية، تحيط بها جدران مطلية بالجير الأبيض، وأبواب زرقاء هي سمة بيوت القرية السياحية التونسية، الطريق الصاعد إلى الرواق قد يحبس أنفاسك. لكنه يضفي على زيارتك لمعرض الفنانة التونسية الباريسية لينا بن رجب، بعدا صوفيا، وكأنما هو جزء لا يتجزأ من العمل الفني.

يحتضن رواق سلمى فرياني في ضاحية سيدي بوسعيد قرب العاصمة التونسية، معرضا فرديا للتشكيلية لينا بن رجب، ويشغل المعرض صالات الرواق الثلاث.

يبرز المعرض قيمة التكرار في العمل الفني، ويحيلنا مباشرة إلى مفهوم أول ما تجسد في عالم الفن، كان من خلال الأعمال الفنية للفنان المُسلم.

هل أرادت لينا بذلك أن ترد الاعتبار لمئات بل آلاف الفنانين المغمورين الذين نفذوا تلك الروائع لتبقى أسماؤهم مجهولة، وبقيت أعمالهم مصنفة ضمن مفهوم الحرفة، رغم البعد الفلسفي لهذه الأعمال، التي شكلت البذرة الأولى لمفهوم التجريد.

ليس مؤكدا إن كانت الفنانة قامت بذلك عن وعي منها لقيمة تلك الأعمال، ولكن ما هو مؤكد أنها تفتح الباب أمام المتلقي المجتهد للربط بين أعمالها وبين روائع موزعة عبر العالم الإسلامي.

الفنانة لم تتنح جانبا، اسمها موجود على الأعمال بخط بارز، لذلك يفترض أن عبارة تنحى جانبا، موجهة إلى المتلقي

وبينما كان الهدف من أعمال الفنان المُسلم هو إضفاء مساحات زخرفية على جدران وسقوف صماء للأبنية، اختارت لينا أن تقدّم أعمالها ضمن أطر تحيل إلى اللوحة.

ومع ذلك يبقى الهدف التزييني واحدا. الاختلاف هو إعطاء اسم لكل عمل، بينما يبقى إنجاز الفنان المُسلم دون عنوان، مثلما كان أيضا مجهول النسب.

ولا نعلم إن كان الفنان المُسلم القديم قد انشغل بالبعد الفلسفي للتكرار، بنفس الوضوح الذي شغل الفلاسفة، من نيتشه إلى دريدا، فالتكرار عندهم يبرز البدء من جديد، المفهوم الذي طال بعدهم عالم الصناعة ليصبح الأساس في تقنيات الإنتاج الصناعي والفني، أو ما عرف بلغة الاقتصاد الإنتاج بالجملة (Mass Production). ولكن ما هو مؤكد أن التكرار بالنسبة للفنان المُسلم هو بحث عن المطلق واللانهائي، والذي يشكل جوهر الإيمان.

أكثر من تقنية

تكرار يعلن البدء مجددا
تكرار يعلن البدء مجددا

الفنانة لينا بن رجب في معرضها لم تتحدث عن الحرفة، بل تحدثت بلغة العصر عن الآلة، الآلة التي أزاحت الحرفيين جانبا، مستخدمة تقنيات متعددة تجمع بين الحرفة وعمل الآلة، مثل التطريز والتصوير الفوتوغرافي والنحت والطباعة، وكأنما بها تريد أن تبرز إمكانياتها الذاتية في ممارسة هذه التقنيات والحرف، مستعرضة فيها كيف آلت تلك الحرف لتصبح من مهمات الآلة. وفي نفس الوقت الذي استعرضت فيه حدود الإنتاج التكنولوجي، قامت باستكشاف العلاقة بين الفنان والآلة.

هل هي محاولة لأنسنة الآلة والمادة المستخدمة لتنفيذ العمل؟ هذا الأمر متروك للمتلقي يدركه قبل أن يتنحى جانبا. ويترك للآلة فسحة تكشف عن بعدها الإنساني.

عنوان المعرض “تنحى” يحيل هو الآخر إلى بعد فلسفي، ينسجم تماما مع البعد الروحي في أعمال الفنان المُسلم، الذي بعد أن يكمل عمله، كان يتنحى جانبا. الفنانة لم تتنح بالطبع جانبا، اسمها موجود على الأعمال، وكراسات الرواق، بخط بارز، لذلك يفترض أن عبارة تنحى جانبا، موجهة إلى المتلقي. ولكن كيف يتنحى المتلقي جانبا؟

هل تريدنا الفنانة أن نعبر من أمام أعمالها مثل الطيف أو الشبح، ونكتفي بالمتعة الجمالية دون الغوص عميقا والبحث عما وراء العمل؟ يبدو أن هذا ما أرادته الفنانة التونسية من العنوان.

ومن خلال توظيف التكرار، أبرزت بن رجب العلاقة المتداخلة بين مختلف العناصر المشاركة بفعل الإبداع؛ المواد الخام، والحرفة، والآلة، والمتلقي وبالطبع الفنان نفسه، مبرزة تقاليد الطباعة الخشبية المهجورة في الهند، حيث استغلت زيارة لها إلى هناك لجمع مجموعة من قوالب طباعة قديمة أحيلت إلى التقاعد، وركنت على رفوف ليعلوها الغبار، بعد أن استخدمت في الماضي لطباعة وحدات زخرفية ملونة على أقمشة حريرية في الغالب.

مئات من هذه الأختام الخشبية وزعت على لوحتين كبيرتين برتابة، تنقلنا إلى أجواء روحانية سحرية، خاصة بعد أن اختيرت لهما قاعة هي أشبه بمحراب للتعبّد.

ساعة الزرقة

جمع بين الحرفة وعمل الآلة
جمع بين الحرفة وعمل الآلة

في عملها “نسخ للمراجعة”، قدمت لينا بن رجب مجموعة مؤلفة من 81 شريحة تعرض من خلال فانوس سحري، مشهدا للسماء، كانت الفنانة قد التقطت ثلاث صور فوتوغرافية للمشهد خلال سفرها بالطائرة، وتزامن وقت التقاطها مع ظاهرة تعرف بـ“ساعة الزرقة”، وهي ظاهرة تحدث مرتين خلال اليوم، الأولى في اللحظة التي يتداخل فيها الشفق مع ضوء النهار، والثانية عند تداخل الغروب مع عتمة الليل.

وقامت الفنانة بنسخ الصور الفوتوغرافية الثلاث مستخدمة ناسخة زيروكس؛ كل صورة مطبوعة تنسخ منها نسخة؛ نسخة عن نسخة للسماء، ليبدو مشهد السماء يبهت مع كل نسخة. بالطبع تؤدي عملية الاستنساخ المتكررة هذه إلى استنزاف حبر الطابعة، لتكون النتيجة شحوبا تدريجيا في النسخ.. للمرة الثانية نحن أمام عمل يحيلنا إلى الغوص في التناهي والمطلق.

المعرض يتيح أمام المتلقي فرصة لاكتشاف آليات إنتاج متنوعة، متعقبا تطور الأدوات والحرف، ومن ثم اختفائها التدريجي. ونجحت الفنانة في توظيف الآليات التقليدية لتنتج عملا فنيا معاصرا، باعتماد التكرار البصري، وهو خدعة بصرية تنتهجها الحرف اليدوية القديمة وتعتمد عليها جماليا؛ في طباعة النسيج وفنون العمارة والخزف.

المتابع لتصريحات لينا بن رجب، لا بد أن يتساءل عن العلاقة بين أعمالها، السوبر حداثية والعقلانية، وبين أعمال الفنان التونسي الهادي التركي، التي تميزت رغم اعتمادها التجريد بنزعة تعبيرية.

الفنانة التونسية التي تقيم في باريس، كانت قد التقت الهادي التركي، وتقول إنها تأثرت بتقنياته وأسلوبه، واستلهمت الكثير من رؤيته الفنية وألوانه. ورغم المسافة الفاصلة بين أعمال التركي وأعمال بن رجب، هناك رابط قد لا يدرك للوهلة الأولى، إنه النزوع نحو المطلق واللانهائي.

ما إن يغادر المشاهد أرجاء الرواق، ويبتعد في أزقة سيدي بوسعيد الضيقة الملتوية، حتى يفكر بضرورة أن يعود في وقت آخر، ليعيد قراءة أعمال لينا بن رجب ثانية، رغم طلبها منه أن يتنحى جانبا.

17