التنشئة الإلكترونية علاج فعال لحماية الأطفال

بدأت بعض الحكومات العربية تتحرك بشكل واسع لمواجهة التأثير السلبي للتكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي على الصغار.
الجمعة 2018/08/10
الوقاية خير من العلاج

القاهرة - زادت أعباء التربية السليمة على كاهل أولياء الأمور بعدما بات الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي نمطا يغيّر بقوة في سلوكيات الأطفال ونشأتهم. وأضحت الأسر مجبرة على التطوير من سبل النشأة السليمة لمواكبة التقدم التكنولوجي العملاق لحماية أطفالها.

وشكلت بعض الألعاب التي ارتبطت بشكل مباشر بحوادث انتحار، إنذارا لخطورة إدمان الأبناء بعض التطبيقات الإلكترونية، ما دفع الكثير من المؤسسات المعنية بالأمومة والطفولة إلى السعي لنشر ثقافة التربية الحديثة خلال إجازة الصيف لجذب الصغار.

وبثت هيئة الاتصالات في دبي مؤخرا حلقات متتابعة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان “تطبيقات التحكم الأبوي”، هدفت إلى شرح كيفية متابعة الأبناء عبر تطبيقات الهاتف المحمول، وهي خطوة مهمّة لمواجهة حملة أطلقتها العديد من الأسر، وطالبت بوقف التعامل مع الوسائل التكنولوجية بشكل عام.

وقدمت الحلقات حلولا متعددة لأولياء الأمور للتحكم في هواتف أبنائهم عبر ضبط تحميل التطبيقات والألعاب الإلكترونية وفيديوهات يوتيوب بحيث تكون مناسبة للفئات العمرية التي تتعامل معها، وتعطي توجيهات تكنولوجية لأولياء الأمور بكيفية المتابعة لأجهزة المحمول الخاصة بالأبناء.

ونظم برنامج الأمان الأسري الوطني بالمملكة العربية السعودية في مايو الماضي ملتقى بعنوان “وقاية الأطفال من الاستغلال في مواقع التواصل الاجتماعي”، لتدشين حملة توعوية للتعريف بالمخاطر التي يتعرض لها الطفل، عبر مواقع التواصل وكيفية توجهيه أسريا وعدم وقوعه فريسة للاستغلال الإلكتروني بأشكاله المختلفة.

وخرج الملتقى بتوصيات عدة بينها التوصية بسنّ قوانين تجرّم الاستغلال الإلكتروني للأطفال، وتفعيل نظام الحماية من الإيذاء، وتشجيع المجتمع المدني على توعية أولياء الأمور تكنولوجيا للتعامل مع أبنائهم.

وتسبّب الملتقى في تأسيس نوع جديد من المتابعة الحكومية والأسرية للأطفال عبر وسائل التكنولوجيا، واعتمد تشكيل لجنة في كل منطقة بصلاحيات الضابطة العدلية، تقوم بمتابعة ومراقبة استغلال الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي، وتشديد العقوبات على الأطراف التي تستغل الأطفال.

وشرع معهد الدراسات العليا للطفولة (حكومي) في مصر أخيرا، في بدء دورات تدريبية تستهدف توعية أولياء الأمور حول كيفية تربية الأبناء في ظل استخدامهم وسائل التكنولوجيا الحديثة، من خلال قوافل يقوم بها طلاب أقسام الطفولة في كليات التربية داخل العديد من القرى بمحافظات مختلفة.

المشاكل الاجتماعية والنفسية والصحية الناتجة عن التكنولوجيا كانت دافعا لزيادة الإقبال على كليات الطفولة

وقالت ليلى كرم الدين، أستاذة الدراسات النفسية بمعهد الدراسات العليا للطفولة بالقاهرة، إن القوافل تستهدف المئات من الأسر في الأقاليم التي تنتشر فيها الوسائل التكنولوجية الحديثة وتكون بحاجة إلى تثقيفها بالشكل السليم لاستخدامها أولا ثم كيفية متابعة أبنائها من خلالها، وتعتمد بشكل أساسي على كيفية متابعة الطفل وليس رقابته بما يضمن استقلاليته في الوقت ذاته.

وأضافت لـ”العرب”، أن التنشئة السليمة للأبناء إلكترونيا تختلف من مرحلة عمرية إلى أخرى، ففي حالة الفئات العمرية التي تتراوح ما بين 3 و5 أعوام لا بد أن يكون هناك توجيه كلي من جانب الأسرة على الألعاب والتطبيقات، وهو أمر يختلف بالنسبة للأطفال في سن العاشرة الذين يكونون في حاجة للمتابعة والتوجيه من دون أن يكون هناك تدخل مباشر في المحتويات التي يتعاملون معها.

وذهب خبراء التربية للتأكيد على أن المواجهة السليمة ينبغي أن ترتكز على عدة أطراف، من ناحية أهمية التدخل الحكومي الحازم بسنّ الأنظمة المناسبة، وإدارة التوعية الفاعلة، وتفعيل وسائل الحجب، وصولا إلى الدور المرتبط بالتفاعل الأسري بين المؤسسات التعليمية والحكومية لتوظيف استخدامات الأطفال للتكنولوجيا بالشكل السليم.

وانعكست المشكلات المتزايدة التي يتعرض لها الأطفال على الاهتمام الأكاديمي بالتنشئة الإلكترونية، وأضحت هناك 12 كلية متخصصة في مصر في مجال الطفولة جميعها تهتم بكيفية التعامل مع الطفل المرتبط بالتكنولوجيا.

وأكدت كرم الدين أن زيادة المشكلات الصحية والنفسية والاجتماعية الناتجة عن التكنولوجيا كانت دافعا لزيادة الإقبال على كليات الطفولة للاستفادة من الخبرات في تنشئة الأطفال. وبالتالي يمثل إلحاق الأطفال بالمؤسسات التعليمية في فترات ما قبل رياض الأطفال السبيل الأسهل نحو تقويم سلوكيات الأطفال تكنولوجيا.

وأثبتت دراسات أجرتها وزارة التربية والتعليم المصرية، أن التكنولوجيا الحديثة أثّرت بشكل كبير على الأطفال لأن نسبة حالات صعوبات التعلم والتأخر اللغوي كانت تقريبا 2 بالمئة في كل فصل دراسي ووصلت الآن إلى نسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة.

وأوضحت أمل جودة، رئيسة الائتلاف المصري لحقوق الطفل (حقوقية)، أن ارتباط الطفل بوسائل التكنولوجيا قبل دخول المدرسة يرجع إلى الأسرة باعتبارها المؤثر الأول في سلوكياته، كما أن تدخل أولياء الأمور بالمنع المباشر والكلي للوسائل التكنولوجية يكون دافعا للإدمان والتعلق بها بشكل أكبر في مراحل عمرية لاحقة.

وأشارت لـ”العرب” إلى أن التعامل مع الهواتف المحمولة باعتبارها منتجا مستهلكا تقدم على شرائه الأسر العربية في أوقات مبكرة لأبنائها، والارتكان إليه باعتباره وسيلة لتسلية الأطفال من دون أن تكون هناك تفرقة بينه وبين وسائل التسلية الأخرى مثل التلفزيون والألعاب المنزلية، أديا إلى المشكلات الصحية والنفسية.

ويرى خبراء في علم الاجتماع أن البيوت المتصدعة والتي يهرب فيها الآباء من أبنائهم أو تنقطع صلتهم بهم، تدفع الأطفال للهروب من الواقع المحيط بهم، وتصبح الرقابة والتوعية غائبتين، ما يجعل الأطفال عرضة للاستغلال الإلكتروني بأشكاله المختلفة.

ولفتت دراسة بحثية أجرتها جامعة ولاية سان دييجو الأميركية خلال نوفمبر الماضي، إلى أن الأطفال الذين يقضون خمس ساعات أو أكثر على الإنترنت هم معرضون بنسبة 71 بالمئة للإصابة بالاكتئاب أو التفكير الانتحاري، وأن عوامل خطر الانتحار بين المراهقين ترتفع بشكل ملحوظ عند قضاء ساعتين أو أكثر على الإنترنت.

وتنبهت بعض الحكومات إلى تلك المخاطر وسنت قوانين وتشريعات تواجه المشكلة قبل تفاقمها، غير أنها مازالت تغفل التركيز على الجانب التوعوي السليم.

21