التنصير صداع يؤرق الحكومة الجزائرية

قصور التبشير على منطقة القبائل عقّد التعامل الرسمي مع الملف.
الخميس 2019/11/07
غلق الكنائس تطبيق للقانون أم انتهاك للحريات الدينية

فَتح غلقُ 12 كنيسة بروتستانتية ملف الحريات الدينية في الجزائر. وفي الوقت الذي ذهبت فيه أطراف مسيحية لاعتباره استهدافا مقصودا للكنيسة والمسيحيين، اعتبر مسؤولون حكوميون أن المسألة لا تعدو أن تكون سوى تنفيذ للقوانين المتعلقة بدور العبادة. هذا الجدل حول التنصير في البلاد ترافق مع حالة غليان سياسي، جعل من أي قرار متعلق بالمعتقد يتم تأويله على أساس الواقع السياسي وتعطى له العديد من القراءات والتفسيرات.

الجزائر – تحولت “معضلة” حرية الممارسة الدينية في الجزائر منذ سنوات إلى كابوس يثقل كاهل المسؤولين الجزائريين بفعل حساسية الموضوع وإرهاصاته على الداخل الجزائري من حيث ارتباطاته بمعضلات أخرى لا تقل خطورة ومنها إشكالات الهوية والجهوية فضلا عن تحولها إلى ورقة ضغط تلعب بها قوى غربية وأخرى تتخفى وراء منظمات حقوقية وإنسانية.

أكثر من هذا، تحولت سياسة الحكومات الحازمة إزاء ظاهرة التبشير أو التنصير إلى مطية تتخذها حتى بعض الدول التي تسمى شقيقة لتأليب الرأي العام الغربي على الجزائر وتشويه سمعتها.

وتنص المادة 2 من الدستور الجزائري على أن الإسلام هو دين الدولة، في حين تضمن المادة 42 من نفس الدستور على أنه “لا مساس بحُرمة حرّيّة المعتقَد، وحُرمة حرية الرأي”. كما تشدد على أن “حرية ممارسة العبادة مضمونة في ظل احترام القانون”.

سعت الجزائر التي تدين الغالبية العظمى من سكانها بالإسلام إلى تنظيم ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين الذين يقدّر عددهم بعشرات الآلاف، وسمحت سنة 1974 بنشاط الكنيسة البروتستانتية. ولمواجهة حملات التنصير الآخذة في التزايد، سنّت الجزائر في 28 فبراير 2006 أمرا رئاسيا يحدد شروط وقواعد ممارسة هذه الشعائر، ويكفل حقوقا وواجبات، كما يفرض على كل من تجاوز موادّه عقوبات بالسجن تتراوح ما بين سنة واحدة و3 سنوات، وغرامات مالية ما بين 2500 و10 آلاف دولار. إلى جانب تمكين الجهة القضائية المختصة من إقرار الطرد النهائي أو المنع من الإقامة بالبلاد لمدة لا تقل عن 10 سنوات في حق أي أجنبي خالف أحكام هذا الأمر.

بوادر التنصير في الجزائر اتضحت من خلال تغيير البرامج التعليمية كونها مؤسسات هامة في عملية التنشئة الاجتماعية

جاء تأكيد وزير الداخلية الجزائري صلاح دحمون، على أن الجزائر ليست في حاجة لدروس في حقوق الإنسان من أحد، في أعقاب الانتقادات التي طالت قرار الوزارة بغلق 12 دار عبادة لأتباع الكنيسة البروتستانتية في ولاية تيزي وزّو عاصمة منطقة القبائل وجارتها ولاية بجاية، ليعيد فتحَ ملف دائما ما يحفل بجدل غير منته.

يصف عبدالهادي لعقاب، الأستاذ في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر، ما يحدث في الآونة الأخيرة من نقاش حول تزايد عدد المتنصّرين في الجزائر، لاسيما في منطقة القبائل، بأنها “سياسة توسعية خفية من الاستعمار البغيض، وبتحريك خيوط خفية وهو بعيد عنها”. كما يعتقد أن هذا الاستعمار رأى أن الجزائريين على الرغم من توالي الدول عليهم منذ الفتح الإسلامي في العهد الأول، كانوا متمسكين بدينهم، فأجلب بخيله ورجله لصد هذا النور عنهم.

ويعتبر الناقد عمر الكيناني، أن النظام الجزائري المطبوع بالشمولية منذ الاستقلال لم يسمح بالتفتح على حريات من هذا النوع حتى بعد إقراره ولو صوريا وتشريعيا لبعض الإصلاحات السياسية التي لم تغير أمرا كبيرا في الممارسة السياسية وحريات التعبير بشكل عام.

ويوضح بأن قصور التنصير على منطقة بذاتها في الجغرافيا الجزائرية زاد من تعقيد التعامل الرسمي مع هذا الملف، فالقبائل ضمن المنظور الحكومي منطقة متمردة ليس في هويتها وخصوصيتها العرقية فحسب بل وفي تعبيراتها عن حاجاتها السياسية بكل عنفوان وضراوة منذ عقود.

ويعتقد الكيناني، أن التيارات الغالبة على المنطقة تنزع في عمومها إلى الحكم الذاتي وحتى الانفصال، مشيرا إلى أن الحكومة لم تسمح بتطوير التمرد حتى يمتد إلى الجوانب العقائدية والروحية التي تعد ربما الرابط الوحيد لسوسيولوجيا المنطقة مع مكونات المجتمع الثقافية الأخرى.

غير أن الإعلامي كمال زايت، يعتبر أن قضية غلق الأماكن المستخدمة ككنائس ليست جديدة، بل هي تعود إلى فترة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة. ويرى أن القضية يمكن النظر إليها من زاويتين، الأولى قانونية والثانية تتعلق بالحريات، لذا يجب التوضيح أن فتح أماكن عبادة بصرف النظر عن الديانة يخضع للقانون ولنصوص تنظيمية، فإذا كان من غير الممكن فتح كنيسة دون ترخيص فإنه أيضا من غير الممكن فتح مسجد دون ترخيص.

الجانب الثاني كما يقول زايت، يتعلق بالحريات، وخاصة حرية المعتقد المكفولة دستوريا، وكذلك حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، وهذا سواء تعلق الأمر بالجزائريين أو بالأجانب المقيمين في التراب الجزائري.

ويعلق زايت، على الكنائس أو أماكن العبادة التي تم غلقها مؤخرا في مدينتي تيزي وزّو وبجاية (منطقة القبائل) ويشير إلى رأيين، الأول يقول إن القضية قانونية بحتة، وأن تلك الأماكن لم تكن مرخصة، وهي عبارة عن مستودعات ومحلات لا تتوفر فيها شروط الكنائس، ورأي آخر يؤكد أن القضية ليست قانونية، وأن هناك حملة ضد الكنائس البروتستانتية على وجه التحديد، على اعتبار أن الكنائس الكاثوليكية لم تتعرض لأي إزعاج من طرف السلطات.

ويوضح أنه إذا كانت القضية قانونية فلا يمكن التعليق عليها لأن الجميع تحت طائلة القانون، أما إذا كان الأمر استفزازا لغير المسلمين فذلك مرفوض لأنه يتعارض مع الدستور وقوانين الجمهورية التي تكفل حرية المعتقد لغير المسلمين، لكن أيضا المشكلة تكمن في التوقيت، لأن البلد يعيش حالة غليان سياسي، وأي قرار مهما كان موضوعيا يتم تأويله وترجمته على أساس الواقع السياسي وتعطى له عشرات القراءات والتفسيرات.

غلق كنائس في الجزائر يفتح جدلا جديدا في ظل الأزمة السياسية الراهنة
غلق كنائس في الجزائر يفتح جدلا جديدا في ظل الأزمة السياسية الراهنة

لكن لعقاب، أشار إلى مكامن خطر “التنصير” وحدّدها في تجدّد هذه الأحداث في مثل هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الجزائر، والتي تذكر بالوسائل الاستعمارية القديمة التي سعت إلى تهوين القوى، وتفتيت المجتمع.

ويربط سمير عيمر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر، ظاهرة التنصير بالظروف التي يمر بها المجتمع من مشاكل اقتصادية واجتماعية وفوضى سياسية وانتشار التشدد الديني. وأوضح عيمر، أن بوادر التنصير في الجزائر اتضحت عبر تغيير البرامج التعليمية كونها مؤسسات هامة في عملية التنشئة الاجتماعية، على اعتبار أن الظاهرة عملية ممنهجة ومدروسة عن طريق استغلال الظروف المادية الصعبة لبعض الساكنة.

ويشير عيمر، إلى استدراج بعض سكان منطقة القبائل المعروفة بمساجدها وزواياها وعلمائها، من خلال إغرائهم بالهدايا والأموال والملابس ووعدهم بالعمل والرواتب الضخمة وحتى منحهم تأشيرات للسفر إلى أوروبا.

كما أوضح أن المنصّرين وفي خضم صراع الهوية بين العرب والأمازيغ، قدموا أنفسهم للناس على أنهم محل الأمن والأمان والسلام، على عكس ما هو متداول في المجتمع من خوف واضطراب ومن شعور بعدم الرضا وانعدام الأمان.

وأكد أن ما يحدث في منطقة القبائل من تنصير، هو عملية انتقام مرتكزة على الجهوية والعصبية القبلية والعنصرية.

يلاحظ الكيناني، أن الارتباك والهواجس التي تغلب على مخيلة حكام الجزائر بالنسبة للعمل بحرية الاعتقاد على الأرض تدفعهم إلى التحلي بالخشونة في السلوك إزاء الملف، وهو ما سبب مشكلات جمة على أصعد مختلفة وبخاصة الخارجية منها، حيث لم تعد هيئات مثل الأمم المتحدة أو البرلمان الأوروبي وحتى كتابة الدولة الأميركية تتوانى في إشهار قضية حرية المعتقد كورقة ضغط رهيبة ضد الحكومة الجزائرية ليس من أجل الإصلاح أو التحديث في منظومة الحكم الجزائرية، بل كورقة مساومات في خلافات بين الجزائر وهذه القوى.

والحاصل أن الجزائر أصبحت اليوم بين نارَين تكتوي بهما، فتَفتّح النظام على مطلب حرية التدين يجلب له الويلات على الصعيد الداخلي لما قد يولده من فوضى في تماسك البلد جغرافيا وسياسيا من جهة، وتعامله بسياسات زجرية مع الملف من جهة ثانية يجعله فريسة الإكراهات والضغوط التي يرسلها إليه المحيط الخارجي.

13