التنظيمات الإسلامية في الجزائر تدين التعليم وتسيّسه

تطوير البنى التعليمية داخل أي مجتمع يمكن من سد الباب أمام كل من يحاول استغلال هذا المجال لغايات سياسية من أجل بث الأطروحات المتطرفة ومحاولة السيطرة على عقول النشء، وهذا ما حاولت تيارات الإسلام السياسي في الجزائر القيام به، ما جعل المدرسة الجزائرية متهمة بتخريج الأصوليين والإرهابيين، وتجلى ذلك في ما قام به الإسلامويون خلال العشرية السوداء من أعمال التطرف العنيف حيث استغلوا التعليم الديني لخدمة مصالحهم السياسية.
الأربعاء 2015/09/02
التعليم الديني كان وسيلة الإسلام السياسي في نشر أفكار الأصولية والإرهاب والتطرف

دارت فلسفة كل الإصلاحات التربوية في الجزائر منذ الاستقلال حول محاولة بناء صرح أيديولوجي يهدف إلى التوفيق بين خيارات اجتماعية وسياسية (كالاشتراكية والتعريب ثم الدمقرطة…)؛ وقيم الدين الإسلامي المقدم على أساس أنه الجامع المؤسس لكيان الشعب الجزائري. وكان القصد هو وضع الجزائر على سكة ما كان يسمى في الأدبيات الثقافية- السياسية بـ”الأصالة والمعاصرة”.

عاشت المنظومة التربوية في الجزائر تحت ضغط تاريخي ورهانات اجتماعية وسياسية كثيرة؛ أهمها محاولة المسيرين الجدد للجزائر المستقلة إرساء شرعية سياسية عبر تعميم التعليم وتكوين شعور وطني بهدف امتصاص الخصوصيات الثقافية إلى أقصى مدى. كانت المدرسة -وما زالت إلى اليوم- القناة التي يُعوّل عليها النظام القائم في تمرير الأيديولوجية التي يريد فرضها على البلد، وتُعول عليها المعارضة -أيضا- من أجل فرض بديل أيديولوجي آخر.

ولمعرفة خلفيات ما يحدث اليوم، سنقدم نظرة تاريخية سريعة عن التعليم الديني في الجزائر أثناء الوجود العثماني، ثم إبان فترة الاستعمار حيث عاش هذا التعليم أزهى فتراته مع مدارس جمعية العلماء المسلمين، إذ أسهم -بقسط كبير- في المحافظة على الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية، ثم نصل إلى فترة ما بعد الاستقلال والكيفية التي تعاملت بها السلطة مع التعليم الديني.

كان الدين الإسلامي حاضرا في المدرسة الجزائرية عبر مادة “التربية الإسلامية” المقررة في كل أطوار التعليم الإجباري. ثم استمرت هذه المادة كاختصاص أو شعبة من شعب التعليم الثانوي هي شعبة الآداب والعلوم الإسلامية. أما في ما يخص التعليم العالي، فهناك جامعة العلوم الإسلامية بقسنطينة، وكليات علوم إسلامية أخرى.

منذ الاستقلال، أدمج تعليم تعاليم الإسلام في مادة التربية الأخلاقية والمدنية، وابتداء من إصلاح 1976 الذي تم فيه اعتماد تعليم قاعدي إجباري مدته 9 سنوات، كانت فيه مادة التربية الإسلامية إجبارية على جميع التلاميذ.

من العام 1976 إلى 1999 ظلت مناهج مادة “التربية الإسلامية” على حالها ما عدا تقديم أو تأخير حفظ أو فهم سورة من القرآن هنا، وحذف أو إضافة أخرى هناك. ولم يمس المناهج أي تغيير نوعي مدة ثلاث وعشرين سنة كاملة. ففي العام الأخير من الألفية الثانية (1999)، وإكمالا لعملية تهدف إلى تخفيف المناهج كانت قد بدأتها وزارة التربية الوطنية سنة 1993، تم “تنظيف” المحتويات التي كانت تبدو كتمجيد للعنف وللجهاد وللكراهية.

الكثير من التربويين والإعلاميين ينتقدون الوجود الديني التقليدي في المدارس وإليها يردون صعود الأصولية والإرهاب

وكأن السلطات التربوية قد وصلت بعد التطرف الذي عرفته الجزائر، والعنف الإرهابي الذي عاشته، إلى أن مادة “التربية الإسلامية”، والتعليم الديني بصفة عامة، لم يحققا أهدافهما وغاياتهما، التي كانت مسطرة، وفي مقدمتها زرع الإيمان والقيم الإسلامية في نفوس التلاميذ والتلميذات منذ نعومة أظفارهم، والتي كان يؤمل أن تترجم على أرض الواقع في “عادات جميلة وأخلاق رفيعة”.

كان السيد مولود قاسم نايت بلقاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية -سابقا- هو صاحب فكرة إنشاء ومهندس هذا التعليم الموازي للتعليم العام والمسمى “تعليما أصليا”. لقد أقنع الرئيس هواري بومدين العام 1970 باستحداث تعليم ديني يمكنه إعطاء فرصة ثانية لعدد كبير جدا من التلاميذ الذين فشلوا في متابعة دراستهم في التعليم العام.

مع الوقت كبر هذا التعليم وبدأ يطبق برامج وزارة التربية، واستحدثت شهادتان: بكالوريا التعليم الأصلي، وشهادة الأهلية، بالنسبة إلى المرحلة الإعدادية. وخوفا من تعاظم تأثير التيارات الإسلاموية الصاعدة، أعيد تنظيم التعليم الأصلي عن طريق أمر مؤرخ في 8 أكتوبر 1977، وتم وضعه تحت وصاية وزارة التربية الوطنية بعد أن كان تحت وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية. يكفي إلقاء نظرة متفحصة على المقررات التي كانت سائدة لنعرف أنه من السنة الثالثة إلى التاسعة من التعليم الأساسي، كان المحتوى متجذرا في التقليد وأقرب إلى التصور الأشعري في مسألة القدر -مثلا- منه إلى تصور المعتزلة، وهذا يدل على أن معظم البرامج كانت مقترحة من طرف أعضاء من جمعية العلماء المسلمين أو من المتعاطفين مع فكرها، وهو الأمر الذي جعل الكثير من التربويين والإعلاميين ينتقدون الوجود الديني التقليدي في المدرسة الجزائرية.

ذهب بعضهم إلى رد الصعود الكبير للأصولية في الجزائر، ثم ظاهرة الإرهاب، إلى المدرسة الجزائرية. لم تكن المادة المقدمة للتلاميذ سوى سلسلة من المعلومات، يكتب الأستاذ والكاتب رشيد شكري عنها أنها: تتخللها رسائل عنف ونداءات إلى الانشقاق مقدمة في نصوص قراءة مدعمة بقيم ومبادئ دينية في خدمة أيديولوجيا تنشر اللاتسامح بين الناس وتقسم البشر إلى مؤمنين وكفار. ولتغييب التصورات الحقيقية للحضارة من الأقسام، يضيف الكاتب: يبقى تلامذتنا يعيشون في عالم قروسطي بكل مواصفات التقهقر.

لقد انعكس ذلك التوجه على أداء المدرسة الجزائرية، وارتكزت منهجيات التعليم حول مقاربة لم تترك أي فرصة للتعدد أو للإبداع، فكانت موحدة ووحيدة على كل التراب الوطني، ضاربة بعرض الحائط الخصوصيات الجغرافية والإثنية واللسانية. وكان الدور المنوط بالمدرسة -وما يزال- بناء هوية وطنية واحدة مرتكزة على العربية والإسلام والأمازيغية.

خلاصة من بحث حميد زنار "الدين وتعليمه في الجزائر"، ضمن الكتاب 103 (يوليو 2015) “جدل التعليم الديني: التاريخ النماذج الإصلاح” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13