التنظيم الإخواني في مصر والخيارات التي لا بد منها

فروع جماعة الإخوان المسلمين في عدد من الدول العربية تتعرّض إلى مأزق استراتيجي كبير، وتواجه خيارات تتعلّق بمستقبل وجودها، وأسئلة قد تكلّفها المزيد من التدهور في جسم هذا التنظيم الذي صمد لنحو ثمانين عاما، وهو ما جعل الخلافات تدبّ، وتتصاعد أصوات من يرفضون السياسة التي تدار بها الجماعة، لتضعها أمام مفترق طرق تاريخي قد يدفعها إلى التحللّ في النهاية، مع فوارق تخصّ بيئتها الاجتماعية في كل بلد وتفاوت في طرق المواجهة والتكيّف.
الجمعة 2016/05/20
إخوان مصر في ممر ضيق وكل الحلول ليست مضمونة

الأسابيع الماضية شهدت شدّا، عنوانه التباين في آليات الحفاظ على التنظيم، فهناك من يتشبث بضرورة عدم التفريط في الثوابت التي قام عليها، حتى ولو أثبتت الأيام فشلها، وهناك من يرى أهمية قصوى في إدخال تعديلات جوهرية تواكب موجة التغيرات الإقليمية، والانحناء للعواصف السياسية.

المثير أنّ هذا الانحناء قد بدأت إرهاصاته تصل إلى قلب التنظيم الأم، حيث أثار جمال حشمت القيادي الهارب بجماعة الإخوان في مصر، موضوع الفصل بين الدعوي والسياسي، الأمر الذي يبدو غير منفصل عمّا جرى ويجري لفروع التنظيم في كل من تونس والأردن من قبل.

التحريك الظاهر للمياه الراكدة بدأ يأخذ أشكالا مختلفة، بينها التصريحات التي تصدر عن قيادات في الجماعة من حين إلى آخر بشأن العكوف على دراسة الأخطاء ومحاولة تجنبها، والإيحاء بأن الجماعة جزء من الدولة، وذلك في إطار الحديث عن الوطنية والقومية، كما هو حال إخوان تونس، وقد ظهر ذلك في صورة بيانات يتم تصديرها للقواعد، بما يوحي بأن الجماعة تعيد صياغة البعض من السياسات في داخلها.

اللافت أنّ قنابل الدخان جاءت من قيادات كبيرة في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، أبرزها رسالة راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي، والذي شدد أخيرا على أنهم جزء من الوطن والدولة، وليس لديه مانع في العمل في إطارها والقبول بأي دور حتى ولو كان بسيطا.

تجربة إخوان الأردن كانت قد ألقت حجرا كبيرا من قبل، وذلك عندما أعلنت عن فك الارتباط بجماعة الإخوان في مصر بعد انكشاف مخاطر سيناريو الصدام مع الدولة، وتبقى تجربة إخوان المغرب أكثر نضجا، حيث قدمت مسبقا نموذجا مغايرا في أسس العلاقة بين الجماعة والوطن، تمت هندسته قبل أن تهب رياح الربيع العربي بسنوات، ممّا أدى إلى صمود حزب العدالة والتنمية بقيادة عبدالإله بن كيران، أمام التحديات التي واجهته.

النموذج المغربي يختلف بالطبع عن نظيره المصري في البيئة والتصورات، فالأول نجح في كبح طموحاته، وتبنّى منهجا تكتيكيا متدرجا أفلت الزمام لجموحه، فكانت الكبوة الكبيرة مع ثورة 30 يونيو 2013 والتي وضعته في مربع ضيق لم يفلح في مبارحته.

محمد حبيب نائب المرشد العام للجماعة سابقا والذي انشق عنها قبل سنوات، صرح لـ”العرب” قائلا “جماعة الإخوان في مصر تتميز بالجمود والافتقار للخيال وعدم الاستفادة من الدروس والعبر، لذلك خسرت كثيرا وظلت في مكانها”، مؤكدا أن الوصايا العشرين لحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان لا تفصل على الإطلاق بين الدعوة كطريق ومنهج لنشر الدين الإسلامي الصحيح، وبين السياسي الذي يوصف بالمتغيّر ويتناقض مع فكرة الإصلاح المثالية دون حصول على مكاسب شخصية، ولفت إلى أن أهم نقاط الوصايا العشرين للبنا هي أنّ الإسلام دين ودولة، وهو ما ينفي فكرة المثالية وعدم التطلع إلى السلطة.

قنابل الدخان جاءت من قيادات في التنظيم الدولي للإخوان، أبرزها رسالة راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي

تصريحات حشمت عن فصل العمل الدعوي والسياسي تتزامن مع المؤتمر العاشر لحركة النهضة التونسية المزمع عقده الجمعة 20 مايو الجاري، لتقرير الفصل بين الدعوي والسياسي. الحديث عن المراجعات وإعادة طريقة العمل داخل الجماعة من خلال فصل الدعوة عن السياسة يطرح سؤالا مهما عن مدى إمكانية تنفيذ ذلك على الأرض في مصر، ومدى استيعاب القواعد الشعبية للجماعة لهذا الطرح، خاصة أن هناك ثوابت تتعارض مع الاتجاه الذي طرحه حشمت وقد لا يكون من المناسب لدولة في مثل ظروف مصر، تعتبر الإخوان جماعة إرهابية. استبعد حشمت قدرة القيادات على فرض هذا الطرح عمليا، انطلاقا من الأصول العشرين لحسن البنا التي شددت على أن الإسلام دين ودولة، وشكك أصلا في وجود تيار موحد داخل الجماعة يوافق على هذا الرأي، لأنه يمثل صدمة كبيرة للتنظيم، لا يستطيع تحملها في الوقت الراهن.

أثنى نائب المرشد العام للإخوان سابقا على تجربة حركة النهضة التي تتبنى منذ عزل الإخوان المسلمين عن الحكم في مصر خطابا وسياسات معتدلة نسبيا، وتتفادى تكرار السيناريو المصري، وتحرص دوما على الاحتفاظ بمسافة عن التنظيم الأم، وتعمل على تكريس خصوصيتها. وقال هناك مجموعة من المفاهيم تستوعبها حركة النهضة في تونس، وجماعة الإخوان في الأردن، فشلت الجماعة بمصر في استيعابها، منها مفاهيم الوطنية والوطن والمواطنة والديمقراطية. وأشار إلى أن جماعة الإخوان في مصر بحاجة إلى سنوات طويلة، حتى يمكن قبولها في النسيج الاجتماعي، فالمواجهة في مصر لم تعد فقط مع الدولة إنما وصلت إلى درجة الصدام مع الجماهير والمجتمع، وهنا مكمن الخطورة.

يظل السؤال المحوري هو؛ هل يمكن أن تتقبل القواعد الشبابية للجماعة فكرة التغيير واختراق الثوابت، وما مدى استعداد النظام المصري للتعامل مع هذا الطرح؟

إسلام الكتاتني، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية وأحد الكوادر الشبابية في جماعة الإخوان سابقا، اعتبر قاعدة السمع والطاعة هي الأساس الذي يحكم التوجهات العامة داخل الجماعة، فإذا قررت القيادات الإخوانية أمرا، فالقواعد سوف تتقبله ولو على مضض.

توقع الكتاتني أن يبدي النظام المصري قدرا من المرونة في التعامل مع ملف الإخوان، على ضوء الإشارات التي تظهر من حين إلى آخر من الطرفين، منها رسالة حشمت الأخيرة، فهي تندرج تحت إطار التطمينات التي تريد الجماعة توصيلها إلى الدولة والرأي العام معا.

أسس الإخواني السابق توقعه، بالتقارب بين النظام المصري والجماعة، على المشهد الإقليمي المعقّد، والذي تبدو فيه ملامح تشكيل تحالف سنّي بقيادة السعودية لمواجهة المحور الشيعي الذي تقوده إيران واضحة، ما يؤكد فكرة وجود وساطات بين تيارات الإسلام السياسي والنظم الحاكمة في المنطقة، خاصة في مصر، لحسم المعركة في اليمن مثلا.

وغمز بطرف إلى موقف الولايات المتحدة الأميركية وعدم استبعاد تخفيف رهانها على تيار الإسلام السياسي، حيث تيقنت أن إخفاقاته أصبحت عبئا على كاهلها.

ما يتردد على أنه خلاف داخلي ينخر في جسد جماعة الإخوان بمصر، أنتج لجنة لتقييم الأوضاع وإعادة الهيكلة، وكلّها أمور تشي باحتمال سير الجماعة في طريق التغيير والمواءمة للخروج من المأزق الذي تعيشه.

13