التنقيب الإلكتروني

الأربعاء 2015/11/11

لأمر ما تذكرت دراما بريطانية شاهدتها في السبعينات من القرن الماضي، فأردت الرجوع إليها لمعرفة تفاصيلها، وعبثا حاولت أن أتذكر العنوان، أو سنة الإنتاج أو الجهة المنتجة، أو أي معلومة تفتح أمامي دروب البحث في غوغل الذي بالرغم من قدراته الفائقة يريد مفاتيح ينطلق منها للاهتداء إلى ما تريد معرفته.

وبقي موضوع ذلك العمل الدرامي يطن في ذهني ويشغل بالي، فقد كان يتعلق بالفساد الحكومي وقيام أحد الوزراء في الحكومة البريطانية آنذاك بالغش والخداع والكذب واستغلال المنصب، أي ما يفعله حاليا الكثير من الوزراء والمسؤولين في العراق المعاصر، وهو الأمر الذي جعلني أفكر في ذلك العمل لأتذكر كيف عالج المؤلف الدرامي البريطاني موضوع الفساد والخلل الإداري في أجهزة الدولة العليا. علني أستفيد من تلك التجربة في كتابة دراما تلفزيونية عن الخلل المتشعب في مفاصل الدولة العراقية.

وحيث أنني شاهدت العمل قبل أكثر من أربعين سنة لم أتوقع أن أعثر عليه مسجلا على قرص أو شريط، فلم تكن هذه التقنيات شائعة في تلك الأيام، ففكرت أن أبحث عن النص المكتوب لعلني أجده منشورا في كتاب أو مجلة، فحاولت أن أقوم بعملية تنقيب إلكتروني في ثنايا غوغل، وبما أنني لا أملك أسماء أو مفردات محددة للبحث بدأت أزود غوغل بجمل وصفية لموضوع تلك الدراما، وقد بذل غوغل الطيب جهودا عظيمة لمساعدتي في البحث ولكنه أدخلني في متاهة واسعة من التفاصيل والموضوعات والتفرعات والمقاربات، فصرت كمن ينقب عن أثر غامض في الوديان والجبال، ولكي أضيق دائرة البحث والتنقيب، طلبت من غوغل أن يقتصر في البحث على سنوات ما قبل السبعينات، وأن يذكر لي فقط الأعمال التي تحولت إلى دراما في بي بي سي في الـ 25 سنة السابقة.

وكان غوغل سخيا كعادته فطرح أمامي مئات العناوين والأسماء، وبما أنني لا أتذكر العنوان ولا اسم المؤلف، وإنما أعرف موضوع العمل = الثيما، كان علي أن أخوض عملية التعرف على كل محتوى منفردا، فعمدت إلى القيام بجولة عشوائية للتعرف على مضامين بعض العناوين لعلني أجد الدراما التي أبحث عنها. وبعد عشرات المحاولات المملة وغير المجدية أقلعت عن هذا المنهج.

وفكرت أن أكتب لـ”بي بي سي” أسألها عن سهرة تلفزيونية قديمة لها تدور حول الفساد في أجهزة الدولة، ولكن فجأة خيل لي أنني تذكرت اسم المؤلف البريطاني، تريس راتيغان، وسرعان ما طرحته على غوغل، فظهرت أمامي قائمة طويلة لمؤلفاته فأخذت أتعرف على مضامين كل منها بحثا عن تلك الدراما التي أريدها، إلى أن اكتشفت أن ما أبحث عنه هو سهرة تلفزيونية من إنتاج عام 1962 وهذا يعني أنه ليس من المنتظر أن توجد على قرص ديجيتال، فهذه التقنية لم تكن معروفة آنذاك، فكيف أحصل عليها؟ أهي مطبوعة؟ وأين أجد نسخة، إن وجدت؟.

وقبل أيام وبينما أنا أتواصل مع ابني ديار على السكايب، حكيت له همي، لعله يجد مخرجا، فهو ابن هذا العصر، من جيل التعامل الحاذق مع الإلكترونيات والإنترنت والديجيتال، فرأيته، من خلال الشاشة، وأنا ما زلت أتحدث معه عن الموضوع، ينقر على لوحة المفاتيح أمامه، ويتابع على شاشة الكمبيوتر، ويبتسم بارتياح، وينظر إلي ليقول لي بعد حين إنه قد وجد ما أبحث عنه، فسألته إن كان مطبوعا، فهز رأسه نافيا، مؤكدا أنه قد وجد العمل معروضا للبيع على أقراص ديجيتال، وأنه قد طلب لي، خلال هذه الدقائق، نسخة منه ودفع ثمنها.

إن دروب التنقيب الإلكتروني بلا حدود ولا قيود لمن يعرف مسالكها وآفاقها الواسعة الزاخرة بالمعرفة والتنوير.

18