التنمر الإلكتروني خطر يداهم الأطفال والمراهقين

رغم عدم وجود مواجهة حقيقية بين المتنمر وضحيته تعتبر حالة التنمر أكثر قسوة، لاستمرارها فترةً زمنية طويلة، ما يضع الأطفال الضحايا تحت ضغوط نفسية شديدة.
الاثنين 2018/04/23
غفلة الوالدين تسبب معاناة الأبناء

القاهرة- تعيش العديد من الأسر مآسي كثيرة بسبب تعرض أبنائها للتنمر الإلكتروني، مثل مأساة أماندا، الطفلة الكندية (15 سنة) التي قامت بنشر مقطع فيديو على “اليوتيوب” حول معاناتها مع التنمر على الإنترنت إلى درجة الاكتئاب والعزلة والرغبة في الموت، وأنهت الطفلة حياتها آخر المطاف بقطعها لشرايين يدها.

واستنكر الآباء في المنطقة العربية أن تكون هناك أماندا في دولهم، والآن بعد مرور سنوات على الواقعة لم يعد التنمّر الإلكتروني مجرد ظاهرة غربية عابرة يتناولها الأكاديميون بالبحث والتمحيص لتقف عند كتابة الملاحظات، إنما أصبح معاناة حقيقية يعيشها البعض في الدول العربية عبر الميديا الإلكترونية أو الرقمية في غفلة ممن حولهم.

 

أطلق المجلس القومي للأمومة والطفولة في مصر حملة في مواقع التواصل الاجتماعي بهاشتاغ “# أنا_ضد_التنمر” بالتعاون مع اليونيسيف والاتحاد الأوروبي، لتسليط الضوء على ظاهرة التنمر الإلكتروني أو السخرية على الإنترنت، بعد أن أصبحت الظاهرة خطرا يواجه الصحة النفسية للأطفال والمراهقين في غفلة من الوالدين

وظهر مصطلح التنمر الإلكتروني للمرة الأولى في عام 2006 بعد أن قام باحثون بإعداد دراسة كشفت عن تأثير السخرية على مستخدمي الإنترنت والذي قد يصل إلى الانتحار.

أوضحت مها السعيد -عضوة بالمجلس القومي للطفولة والأمومة في مصر (حكومي)- أن تلك الحملات -ومنها “أنا ضد التنمر”- نوع من الوقاية لكنها جاءت متأخرة؛ إذ بالفعل تسللت الظاهرة إلى الأطفال والمراهقين بسبب الاستخدام اللامسؤول لمواقع التواصل ودون وعي بعض الآباء بتأثيراتها السلبية.

وشرحت لـ”العرب”، أن تسليط الضوء على لعبة “الحوت الأزرق” الإلكترونية وحصدها لأرواح مراهقين دق ناقوس الخطر في الشارع العربي وكان إنذارا للآباء كي يراقبوا أبناءهم.

وأشارت إلى أن “التنمر الإلكتروني” لا يقل في خطورته عن “الحوت الأزرق”، فالمتنمرون يختبئون في الغرف الإلكترونية، وأدواتهم تقتصر على لوحة المفاتيح وعقل شيطاني يدبر المكائد للإضرار بالآخرين.

ورغم عدم وجود مواجهة حقيقية بين المتنمر وضحيته تعتبر حالة التنمر أكثر قسوة، لاستمرارها فترةً زمنية طويلة، ما يضع الأطفال الضحايا تحت ضغوط نفسية شديدة.

وأوضح هاني طلعت -باحث في مجال الاتصالات- أنَّ مصطلح التنمر الإلكتروني ظهر إثر بروز وسائل التواصل الاجتماعي، ويعني استخدام التكنولوجيا بطريقة غير صحيحة والتلصص على الأشخاص لإيذائهم نفسياً أو اجتماعياً.

وأكد، لـ”العرب”، أنه لا يوجد حل تكنولوجي لتلك الظاهرة، فالمتنمرون مجهولو الهوية، ومن الصعب تحديد المسؤول أو منعه، وطالما هناك اتصال بالإنترنت يبقى العالم بأسره معرضا للتنمر، وعلاج ذلك الحملات المتنوعة لتوعية الأسرة بمخاطر الظاهرة وتعليمها كيفية التعامل معها بشكل مناسب.

ويوصي طلعت الأسر وأولياء الأمور بتعليم الأطفال أسس ومبادئ التقنيات الأمنية، ونصح بألا يتخذ الأطفال أصدقاء على الشبكات الاجتماعية سوى الذين يعرفونهم شخصياً، وضرورة تأهيلهم وتلقينهم مبدأ الامتناع عن نشر المعلومات الشخصية على الإنترنت لتجنّب التهديدات التي تنطوي عليها تلك الشبكات.

وكشفت دراسة استقصائية أجريت بواسطة “كاسبرسكي لاب” و”بي تو بي إنترناشونال” أن ما يقرب من 22 بالمئة من الآباء والأمهات يقرون بعدم قدرتهم على مراقبة ما يشاهده أو يفعله أبناؤهم على الإنترنت، وعبر 48 بالمئة عن تخوّفهم من احتمال تعرض أولادهم لظاهرة التنمّر الإلكتروني.

من المحزن ألا يشعر الكثير من الآباء والأمهات بمدى خطورة المشكلة التي يقع فيها أبناؤهم كضحايا للتنمر إلا بعد فترة طويلة”.. بتلك الكلمات بدأت إيناس محمد قصة ابنها سيف الذي لم يستكمل بعد عشر سنوات.

ولاحظت الأم أن طفلها يميل إلى الوحدة والانعزال، وعندما حاولت معرفة شروده الدائم كان يتهرب من الإجابة، وشيئا فشيئا ظهرت عليه علامات غريبة، كفقدانه لأدواته وصعوبة إتمامه الأنشطة التي كان يقوم بها في السابق، وأصبح سريع النسيان، وأهمل واجباته وأخبرها بأنه لا يريد الذهاب إلى مدرسته التي كان عاشقا لها. ولم تشعر السيدة أن ابنها يمر بأزمة واعتقدت أن ذلك مجرد تغير مؤقت يصيب كافة الأطفال، لكن الأمر تتطور، وانتبهت لجروح طولية بكف ابنها، وبعد تكرر الأمر قامت بمراقبته من بعيد.

وذهلت الأم عندما وجدت طفلها وبيده شفرة حلاقة يخطّ بها جروحا على كف يده في شرود، غير مبال بالدماء النازفة. وبعد محاولات متكررة نجحت في استدراجه للحديث وصدمها عندما قال وهو يبكي إن السبب هو السخرية منه بسبب أنه بدين. وحكى لها أن الموضوع كان نوعا من الدعابة في البداية، إلى أن قام أحدهم بنشر صور تحمل وجهه وجسم فيل وكتب قصة غير حقيقية عنه. وما أزعج الطفل أنه عندما أبلغ بالمحتوى استغرقت شكواه أياما، وقال بلهجة بريئة “كان ينبغي لشركات التواصل الاجتماعي أن تتناول المسألة بجدية أكثر وتحذف المحتوى بسرعة، وهو ما لم يحدث”.

أطلقت بعض الدول العربية حملات لتوعية الآباء بالخطر المحدق بأطفالهم بسبب خطورة التنمر الإلكتروني

وتلوم الأم نفسها وتتمنى أن تمر الأزمة بسلام، وقالت لـ”العرب” “كم نحن بعيدون عن أبنائنا”، موضحة أنها كانت تعتقد أنها عندما تترك ابنها ساعات مع جهازه الإلكتروني تساعد على تثقيفه معلوماتيا.

وأشارت رانيا عبدالخالق -استشارية طب الأطفال النفسي- إلى أنه يتردد عليها أطفال كثر يشتكي آباؤهم من ميلهم إلى الانطواء والاكتئاب وإيذاء النفس، وبعد جلسات الاستماع يتبين لها أنهم يعانون من التنمر الإلكتروني. وكشفت عبدالخالق أن معظم من يأتون إليها مصابون بأعراض اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) وهي شبيهة بما يتعرض له الجنود بعد الحرب.

وتكمن المشكلة في أن فشل علاج الطفل له نتيجتان سلبيتان، فإما أن تتحوّل الضحية (المتنمر به) إلى جانٍ (متنمر)، فتتكرر دائرة العنف ويزداد المتنمرون، وإما أن تصبح شخصية انهزامية.

وألقت عبدالخالق اللوم على الآباء، فانصرافهم عن أبنائهم وعدم مصادقتهم سبب رئيسي في معاناتهم. وهذا ينطبق على أسر الأطفال المتنمرين فهي تشارك في جعلهم متنمرين، لانشغالها عنهم وتعنيفهم ما يشعرهم بألم يعوضونه بالتنمر على الآخرين.

21