التنمر الإلكتروني ضد نجمات مهرجان الجونة يعكس أمراضا مجتمعية في مصر

ظاهرة انتقاد الفنانين والسخرية من أشكالهم ولبسهم تثير جدلا حول الأسباب التي تدفع النشطاء على مواقع التواصل إلى التنمر على الكثير من الشخصيات العامة.
الثلاثاء 2018/09/25
دينا الشربيني تعرضت لمضايقات بسبب مظهرها ونحافتها وعلاقتها بعمرو دياب

عندما أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” حملة إلكترونية ضخمة ضد تنمر الأطفال، تحول المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي إلى حالة توافق عام لضرورة تعليم الصغار عدم السخرية من الآخرين واحترامهم، لكن حملة أخرى كشفت ما تعرضت له فنانات في مهرجان الجونة السينمائي، منذ افتتاحه الخميس، من سخرية مفرطة في حجم التناقض والإساءة اللذين لا يفهم فحواهما وخطورتهما الكثيرون.

القاهرة - عكست حملات السخرية من النجمات اللائي حضرن مهرجان الجونة السينمائي، وفي مقدمتهن الممثلة دينا الشربيني التي تعرضت بشكل خاص لمضايقات بسبب مظهرها ونحافتها وعلاقة الحب التي تجمعها بالمطرب عمرو دياب، صورة متدنية لعقول بعض رواد شبكة الإنترنت، الذين انتهجوا أسلوبا اتسم بالاستهزاء، وصل حد السب والقذف في الوصف والتعليق على لباسها.

وأجبرت كثافة التعليقات خروج فنانات على صفحاتهن على فيسبوك للتعبير عن غضبهن. ودافعت الفنانة السورية كندة علوش عن المصرية دينا الشربيني، قائلة “التنمر ليس مقتصرا على الأطفال، فالهجوم السخيف والمؤذي على الفنانة دينا الشربيني وفنانات كثيرات غيرها هو أبشع أنواع التنمر، إن لم يعجبك فستان هذه الفنانة أو تلك فعبر عن رأيك بأدب أما السخرية من الشكل بسبب زاوية تصوير سيئة أو فقدان الوزن أو زيادته، فتؤكد أنه يعد فعلا عنصريا وليس إنسانيا”.

وانضم كثيرون لعلوش ليعبروا عن الاستياء من المستوى السيء من التعامل. فعلقت أميرة سعيد عبر حسابها على فيسبوك “من يريد أن يعرف لماذا دينا الشربيني تحب لا ينظر إلى فستانها، ينظر إلى تعاملها مع المذيعة وتواضعها وذوقها”.واستهجنت مصممة الأزياء ريم العدل على حسابها على تويتر الظاهرة قائلة “عارفين يا جماعة أنا شفت (رأيت) كام واحد فيكوا اليومين اللي فاتوا فرحان قوي بحملة #أنا_ضد_التنمر … طيب عارفين انتوا (أنتم) عملتوا إيه النهاردة انتوا نفس الناس اللي اتريقتوا (سخرتم) من شكل كل ممثل حضر.. حسيتوا (شعرتم) قد إيه انتوا متناقضين”.

وكتبت مها عادل حسني “لا ينفع نبقى بنعمل حملة ضد التنمر للأطفال وإحنا كبار نسخر علي الفنانين وشكلهم ولبسهم بالشكل، عيب والله الأسلوب العجيب في التنمر على الشكل والجسم بجد إحنا (نحن) بقينا نفتقد أبسط أمور الذوق واللياقة”.

الفنانة رجاء الجداوي تعرضت لحملة سخرية واسعة بعدما نشرت صورا بمناسبةِ عيدِ ميلادِها الثمانين
الفنانة رجاء الجداوي تعرضت لحملة سخرية واسعة بعدما نشرت صورا بمناسبةِ عيدِ ميلادِها الثمانين

وأثارت الظاهرة جدلا حول الأسباب التي تدفع النشطاء على مواقع التواصل إلى التنمر على الكثير من الشخصيات العامة. وحمّل البعض المشاهير مسؤولية ذلك بسبب ملابسهم الاستفزازية وطريقة تعاملهم غير اللائقة، والتي تتسم بالغرور مع العامة.

وهناك من اعتبر انتقاد الفنانين والشخصيات العامة بالتنمر “محض توصيف سطحي وغير ناضج”، وأن تلك الشخصيات ارتضت أن تصبح تحت الأضواء، وعليها أن تكون حريصة في تصرفاتها وإطلالاتها لأنها تواجه كل الفئات والطبقات الاجتماعية التي تتباين ردود أفعالها.

وتقول سامية خضر أستاذة علم الاجتماع، لـ”العرب” إن بعض الشخصيات لا تراعي الثقافة العامة للشعب، إذ جاءت غالبية الأزياء في مهرجان الجونة عارية بشكل فج، ونحن لا نريد تكميم الوجوه ولكن خير الأمور أوسطها.

 ويبدو إلقاء مسؤولية ظاهرة “التنمر” على النجوم وحدهم بسبب طبيعة ملابسهم مسألة منقوصة لأن التنمر طال آخرين لم تكن مظاهرهم الاستفزازية هي السبب.

ولاقت الفنانة رجاء الجداوي حملة سخرية واسعة عن طريقِ تعليقات تهكمت على عمرها بعدما نشرت صورا لها على وسائل التواصلِ الاجتماعي بمناسبةِ عيدِ ميلادِها الثمانين.

وسخر منها بعض المتابعين بسبب تقدمها في العمر واستمرارها في التمثيل، بقولهم “آن لها الرحيل”. وتعرضت الكثير من الفنانات للحملات ذاتها، وبينهن لبلبة ونبيلة عبيد ونادية الجندي، بسبب تجاوز أعمارهن السبعين. ولم تنج كذلك زوجة اللاعب المصري محمد صلاح هداف ليفربول الإنكليزي عقب ظهورها إلى جواره منذ عدة أشهر، وتعرضت للسخرية بسبب شكلها وهيئتها واتهامها بافتقاد الأناقة التي تعكس اقترانها بلاعب عالمي كبير.

ويبرر البعض السخرية بأنها ضريبة الشهرة، وعلى الفنان مراعاة هيئته العامة ليترك انطباعا جيدا لدى جمهوره، لكن تعكس اتجاهات رواد مواقع التواصل الاجتماعي الحالة التي وصل لها البعض وفقد فيها الكثير من إنسانيتهم عبر ممارسة سلوكيات تميل إلى العنف والكراهية والرغبة في الانتقام.

نادية الجندي تعرضت للسخرية بسبب تجاوز عمرها السبعين
نادية الجندي تعرضت للسخرية بسبب تجاوز عمرها السبعين

وترتبط ظاهرة التنمر بظواهر أخرى تتعلق بتدني التعليم وانتشار الجهل في المجتمع وتكامل ذلك مع تراجع القيم والأخلاق، التي تحكم منظومة التواصل الإنساني، والفوضى التي تزخر بها مواقع التواصل الاجتماعي بذريعة الحريات.

ويفسر محللون التنمر الإلكتروني بأنه يعكس حالة المواطن الساخطة بشكل عام على الواقع بكافة أشكاله والتي اقترنت بتدهور الحالة الاقتصادية والاجتماعية لكثيرين، ما جعل التنمر إحدى الظواهر التي عكست الرغبة في الانتقام والحسد والكراهية تجاه أحداث وشخصيات عامة لتكون وسيلة للتنفيس عن الحريات بصورة غير صحية.

ورغم حداثة مصطلح “التنمر الإلكتروني” على الثقافة العربية، إلا أنه بات السلوك الذي يعرف بالعامية المصرية باسم “التحفيل” نهجا واسع الانتشار، ولا يراه الأغلب أمرا مسيئا ويستهدف السخرية عبر الإقدام على مضايقات لفظية ويعمق الشعور بالنقص وتضخيم العيوب الصغيرة.

ويرى جمال فرويز استشاري الطب النفسي، أن ظاهرة التنمر الالكتروني بشكل عام تفاقمت في المجتمع المصري بشكل لافت، وأضحت إحدى سلبياته، لافتا إلى أن نقص الاحتياجات النفسية من تحقيق الذات والتشجيع والتعاطف والحب يؤدي لتفشي الظاهرة التي تعوض هذا النقص بسلوكيات مضادة قائمة على الكراهية والتقليل من الإنجازات والرغبة في هز الثقة في النفس.

وأضاف لـ”العرب” أن تعرض بنية المجتمع للتدمير على المستوى الثقافي بسبب إهمال الأدبيات العامة وروافدها، وغياب التربية والتعليم لأجيال عدة بشكل متعمد، تسبب في خلق سلوكيات غريبة على المجتمعات العربية باتت مقترنة بالأجيال الجديدة التي تراها جزءا من حريتها في التعبير عن الرأي باستخدام مواقع التواصل بلا ضوابط.

19