التنمية والسلاح: علاقة يحكمها الخلل المزمن في سيناء

تحاول السلطات المصرية اليوم التوصل إلى حلول بعينها بهدف الحد من مخاطر الإرهاب الذي بات يشكل تهديدا كبيرا لأمن البلد. وتمثل شبه جزيرة سيناء إحدى المناطق التي تستأثر بنشاط الإرهابيين الذين استفادوا من جملة من الظروف الاجتماعية المستفحلة في هذه المنطقة، وهو ما دفع السلطة المصرية إلى تبني فكرة بعث مشاريع تنموية هناك. لكن هذه الخطوة تثير الكثير من الجدل داخل الأوساط المصرية اليوم لعدة أسباب.
الاثنين 2016/03/28
التعلق بفرج منتظر

القاهرة- تعيش شبه جزيرة سيناء أوضاعا بالغة التعقيد حاليا، جعلت البعض يحث الحكومة المصرية على ضرورة البدء في تنميتها والاهتمام بسكانها، الذين عانوا من إهمال طال أمده. لكن ثمة تقديرات أمنية ترى ضرورة التمهل في هذا الاتجاه، والتخلص أولا من الإرهاب وتطهير “رئة مصر الآسيوية” من آثاره المدمرة، قبل بدء التفكير في ضخ استثمارات كبيرة.

وأعلنت مصر، الأحد الماضي، أن السعودية سوف تساهم بمبلغ 1.5 مليار دولار لتمويل مشروعات تنموية في سيناء، من بينها إنشاء طريق محور التنمية في شمالها وأربع وصلات فرعية، وإنشاء عدد من التجمعات الزراعية و26 تجمعا سكنيا يشمل منازل ووحدات صحية ومدارس.

كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قد كشف في تصريحات صحافية في وقت مبكر من الشهر الجاري بأن سيناء سوف تكتمل تنميتها في عام ونصف العام، بعد أن تم تخصيص 10 مليارات جنيه (1.13 مليار دولار تقريبا) للتنمية ومكافحة الإرهاب.

التمويل والتخطيط

وتكمن أهمية هذه المشروعات وفق تحليلات سياسية واجتماعية ظهرت في الفترة الأخيرة، بالنسبة لشبه الجزيرة المصرية، في أنها ستكون أحد أنواع حماية المنطقة التي تحولت إلى وكر للإرهاب.

عبداللطيف البديني الخبير الأمني تحفظ في تصريحات لـ”العرب” على فكرة الاستثمار في شبه الجزيرة قبل تطهيرها أمنيا، لأن المشهد الجاري في سيناء لا ينبئ بأنها مؤهلة للتنمية خلال عام ونصف العام، خاصة مدينة العريش في شمال سيناء التي ما زال الوضع فيها غير مستقر تماما رغم بعض الانتصارات التي حققها الجيش المصري ضد جحافل الإرهابيين على أرض الواقع، وفي ظل ما يعلن عنه يوميا من معلومات عن مقتل مجندين أو ضباط خلال عمليات محدودة، لكنها مكثفة بالنسبة للعناصر الإرهابية في سيناء.

غياب رئيس جهاز تنمية سيناء المتواصل وعدم وجود هيكل إداري للجهاز حتى الآن جعلا مشاريع التنمية حبرا على ورق

وأضاف أن الحكومة المصرية ما تزال تستخدم أساليب بدائية في التعامل مع الأوضاع في سيناء، ما يجعل الحديث عن القضاء على الإرهاب بنسبة كبيرة تؤهل المنطقة للتنمية أمرا صعبا حاليا. هذا فضلا عن استمرار عجز المؤسسات الدينية المصرية عن طرح رؤى ناجحة في التعامل مع خطاب الجماعات الإرهابية، الذي لا يزال خطابه يجذب قطاعات من البسطاء.

واستدرك البديني قائلا إن أكثر من ثلثي سيناء يُمكن تنميته بسهولة، في حال توفر التمويل والتخطيط اللازمين، مشيرا إلى أن عدم تعمير أجزاء كبيرة من سيناء هو السبب المباشر لما آلت إليه الأمور اليوم.

ويذهب بعض الخبراء للقول إن أهم مشكلات التنمية في سيناء تتمثل في عدم استكمال المشروعات التنموية التي بدأت في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وتركز أغلب جهود التنمية على منطقة الجنوب دون أن يأخذ الشمال حظه من التنمية، وهو ما ساعد على انتشار الجماعات المسلحة هناك.

وأوضحوا أن السبب الأساسي لاستيطان الإرهاب في سيناء هو حالة التهميش والفقر المستمرة، نتيجة إهمال الحكومات المتعاقبة منذ عودتها إلى السيادة المصرية، حيث تبلغ نسبة الفقر فيها أكثر من 20 في المئة، وفقاً لآخر تقرير لجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وتجدر الإشارة إلى أن العقيدة العسكرية للجيش المصري تعتبر سيناء مسرح عمليات حربية، ويفضل القادة العسكريون في مصر عدم تنميتها، لأنها في نظرهم هي منطقة غير آمنة، بسبب الحذر من نشوء معركة مع الجانب الإسرائيلي.

وبدأ هذا الاعتقاد يتغير تدريجيا في السنوات الأخيرة، عندما أصبح المواطنون قوة ردع في الحروب، تجبر كثافتهم القوى المعتدية على تجنب التعرض لهم، فضلا عن تزايد دور المنظمات الحقوقية. وهو ما حمل السلطات المصرية إلى إدخال تعديلات على عقيدة جيشها، وتبني مشروع تعمير سيناء.

مراقبون يرون أن مساهمة السعودية في تنمية سيناء تؤكد أن تنميتها تصب في صالح الأمن القومي العربي

سعيد عتيق ناشط من سيناء قال لـ”العرب”، إن أي حديث عن خطة للتنمية دون وجود خطة موازية للقضاء على الإرهاب لن يكون له تأثير على الأرض. مشيرا إلى أنه لا تنمية في سيناء دون تنمية العقل البشري أولا، فالحكومة مطالبة بمعالجة مشكلات الأمية التي يعاني منها أكثر من نصف أهالي سيناء والتي تعد السبب الأول في استدراجهم للانضمام إلى الجماعات المسلحة.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن للإرهاب آثارا سلبية كبيرة على مستوى ضعف التنمية في سيناء، وبالتالي فإن الحديث عن التنمية في هذا التوقيت، وقبل تجفيف منابع الإرهاب، هو أحد أنواع المسكنات التي تستخدمها الحكومة في التعامل مع أهالي سيناء.

وتواجه الحكومة المصرية العديد من الانتقادات بسبب إصرارها على الاعتماد على بعض الوجوه السياسية التي لا تلقى قبولاً لدى أهالي سيناء، ما أدى إلى سهولة انجذاب البسطاء من الشباب للتنظيمات الإرهابية.

كما منح الشرخ الحاصل بين الدولة المصرية ومواطني سيناء تنظيم داعش الفرصة للتوغل والتأثير على عقول الشباب، سواء كان ذلك عن طريق التهديد أو التخويف أو الذبح، أو من خلال الإغراءات المادية التي يتم عرضها على أهالي هذه المنطقة، مستغلين في ذلك حالة الفقر المستشرية.

وسائل العلاج

حدد عدد من خبراء جملة من الخطوات كعلاج لأزمة الهوية السيناوية، وفي مقدمتها ضرورة أن تتفق رؤية الدولة مع رؤية المجتمع “السيناوي” قبل الحديث عن التنمية، إلى جانب تكثيف التواجد الإعلامي والخدمات الحكومية في كل مناطق سيناء، وأن تتبنى الحكومة توجها اجتماعيا يساهم في حل مشاكل الأهالي هناك بالتوازي مع التوجه العسكري لتصبح بذلك سيناء بمثابة الصد المنيع أمام محاولات الجماعات المسلحة لاستقطاب الأهالي. في المقابل هناك من يدعم فكرة تنمية سيناء في ظل الظروف الأمنية الراهنة التي تمر بها، معتبرين أنها الطريق الصحيح لمواجهة الإرهاب والقضاء عليه.

الحديث عن التنمية في هذا التوقيت، وقبل تجفيف منابع الإرهاب، هو أحد أنواع المسكنات التي تستخدمها الحكومة

قال الشيخ علي الفريج رئيس الجمعية العامة لاتحاد قبائل سيناء لـ”العرب”، إن العمليات الإرهابية تقع في منطقة لا تزيد مساحتها عن 1000 كيلو متر من إجمالي 61 ألف كيلو متر هي المساحة الكلية لشبة جزيرة سيناء، لكن هناك تضخيم لما يحدث هناك لمصلحة أطراف بعينها ترفض تنمية سيناء على رأسها إسرائيل.

وأشار إلى أن “هناك مناطق وسط وجنوب سيناء ومنطقة بئر العبد غرب العريش ونويبع وطابا، تتمتع بقدر كبير من الاستقرار، وهناك سيطرة أمنية على الأرض، لكن أكبر ما يعوق التنمية في سيناء ضعف العامل البشري، فعدد سكان سيناء في كل هذه المساحة لا يتجاوز نصف المليون نسمة، والحل في تنظيم هجرات جماعية من وادي النيل إليها، ولن يشجع على ذلك إلا الاستثمارات الجاذبة للعمالة والسكان”.

وقال بعض المراقبين إن مساهمة السعودية في تنمية سيناء تؤكد أن تنميتها تصب في صالح الأمن القومي العربي، وهناك بيئة قبلية تساعد على ذلك من خلال مد يد العون للحكومة المصرية لمساعدتها على التنمية، على غرار ما تم سابقا في مدينة شرم الشيخ جنوب سيناء، حيث تبرع الأهالي بأراضيهم إلى الحكومة المصرية لتعميرها.

من جانبه، قال نعيم جبر المنسق العام لقبائل سيناء لـ”العرب”، إن التنمية يجب أن تكون من خلال عدة محاور رئيسية، أهمها الزراعة، التي تعد مناطق الشمال والساحل بيئة خصبة لها، بالإضافة إلى التعدين الذي تتوافر مقوماته في وسط سيناء، فضلا عن السياحة التي قد تؤمنها الشواطئ الممتدة على مساحة حوالي 1000 كيلو متر ما بين الشمال والجنوب والوسط، والثروة السمكية في البحر الأبيض المتوسط، وصولا إلى التنمية البشرية والتي تتمثل أول خطواتها في القضاء على الأمية.

ويعيب أهالي سيناء على مسؤولي الأجهزة التي تم إنشاؤها لتنمية وتعمير شبه الجزيرة تقصيرهم المتواصل، في ظل غياب رئيس جهاز تنمية سيناء، الذي عين بقرار جمهوري قبل عامين، المتواصل، وعدم وجود هيكل إداري للجهاز حتى الآن ما يجعل مشاريع التنمية حبرا على ورق.

6