"التنورة المصرية" عقارب ساعة تدور من مصر إلى الصين

الخميس 2013/10/03
رقصة التنورة فن تراثي وافد من تركيا إلى مصر

القاهرة ـبين سموات القاهرة وبكين مرورا ببلاد العرب والفرس والهند والسند، طارت «فرقة التنورة للفنون التراثية» ليل 12 ونهار13 سبتمبر الجاري، أي نحو 16 ساعة متواصلة، لكي تمثل وزارة الثقافة المصرية ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الفلكلور الدولي والذي تقيمه الصين كل ثلاثة أعوام، وتشارك فيه هذا العام نحو7 دول.

خلال هذه الرحلة الطويلة سنحت لي الفرصة لإجراء حوار مع أعضاء الفرقة الذين زاروا مختلف دول العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، يقدمون تجربة عملية وصورة إنسانية تنبض بالحياة عن الثقافة والفنون المصرية، وبصراحة ولأن هذا الحوار فتح أمامي طريقا وفرصة ذهبية كي أتعلم عدة معاني، لعل أبرزها وأكثرها وضوحا هي قيم التواضع والاندماج والعمل المشترك التي يعبر عنها محمود عيسي وأعضاء فرقته، لذلك فقد أحببت أن يشارك القارئ الكريم معي تعلم مثل هذه القيم والمعاني والتي أتصور أننا في أمس الحاجة إليها هذه الأيام، خصوصا وأن لجنة الخمسين تعكف حاليا على إنجاز دستور عصري يليق بمصر والمصريين بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو.


فلسفة حياة


لمن لا يعرف رقصة «التنورة»، هي ليست مجرد رقصة أو فن تراثي وفد إلى مصر من تركيا واكتسب طابعا خاصا، ولكنها توليفة تجمع بين فلسفة الحياة والنزعة الصوفية والفلكلور المصري الذي يظهر طابعه بامتياز.. كما ترمز «التنورة» بحركاتها الدائرية اللانهائية إلى حركة الكون وفلسفة الحياة، ويرمز راقصوها إلى الشمس التي تدور حولها الكواكب، وتعكس حركاتهم التعبيرية نمطا معينا من الفكر والفن والتراث الثقافي، يتبدى أثناء دورانهم بالتنورة ذات النقوش العربية والألوان الزاهية، فعلى أنغام آلات الموسيقى المصرية الشعبية، وإنشاد المنشدين يقدم الراقصون واحدا من أجمل الفنون المصرية.

سألت الفنان محمود عيسى مدير فرقة «التنورة للفنون التراثية»- ونحن نغالب أجواء النعاس الذي انتابنا نظرا لطول المسافة من القاهرة إلى مطار قوانغنشو، ثم الوصول إلى مطار و"مدينة بيتشانغ" حيث يقام المهرجان- عن الفلسفة التي تكمن وراء هذا الفن فأجاب قائلا: إن رقصة «التنورة» هي فن صوفي يتميز بطابع خاص فريد من نوعه، إذ تعتمد على الحركات الدائرية، وتنبع من الحس الإسلامي الصوفي الذي له أساس فلسفي يرجع في جوهره إلى المفهوم المولوي، القائل إن الحركة في الكون تبدأ من نقطة وتنتهي عند ذات النقطة، ولذلك تكون دائرية عكس عقارب الساعة، مثل الطواف حول الكعبة.

ومضى موضحا أن «التنورة» تعتمد على الرموز بدرجة كبيرة، فعندما يدور راقص التنورة (اللفيف) حول نفسه، فكأنه الشمس ويلتف حوله الراقصون (الحناتية)، الذين يرقصون بآلة الإيقاع (المزهر)، وكأنهم الكواكب، ومن خلال الدورات المتعاقبة للتنورة يرمزون إلى تعاقب الفصول الأربعة.

"رقصة التنورة".. دوران حول الفصول الأربعة


أجيال تتوارث


اللافت هنا أن عنصر الوراثة يلعب دورا مهما وملحوظا في رقصة التنورة، فكثير من الراقصين توارثوا الأمر عن أبائهم وأجدادهم ليكونوا امتدادا لهذا الفن التراثي، ومن أقدم ممارسي فن التنورة في الفرقة محمد يوسف، حيث أمضى أكثر من 40 عاما من حياته مع التنورة، ويشير يوسف إلى أنه نشأ في عائلة صوفية وورث التنورة عن أبيه وجده، وأنه أحبها بشدة ودرب عدة أجيال على هذا الفن، غالبا ما يكونون من أبناء الراقصين، فعنصر الوراثة كبير في هذا الفن ونبدأ مع الأجيال الجديدة ما بين سن العاشرة والثانية عشرة، فهذه هي السن المثلى لتعلم فن التنورة.

أما عن صناعة التنورة نفسها، فيشير محمد يوسف إلى أنها تصنع من قماش الخيامية في الأساس.. «إلا أننا نبتكر في تصميماتها ونزيّنها بالنقوش العربية المختلفة والألوان الزاهية، فصناعة التنورة ليست بالأمر السهل وتأخذ وقتا طويلا لتكون بالشكل الجميل الذي يظهر في النهاية».

تجدر الإشارة إلى أن فرقة التنورة التراثية تم تأسيسها في عام 1988 بهدف إحياء الفنون التراثية والمحافظة عليها، ومرت بمراحل متعددة وشاركت في الكثير من المناسبات الوطنية داخل مصر، وشاركت ولا تزال تشارك في برنامج التبادل الثقافي الخارجي والمهرجانات الدولية.

أما بخصوص الإيقاعات الموسيقية المصاحبة لرقصة التنورة، فيشير حسن بدر، أحد عازفي الإيقاع في فرقة التنورة التراثية، إلى أن الإيقاعات المصاحبة لرقصة التنورة لا تقل أهمية عن الرقصة نفسها، فهي مكملة لها وهي إيقاعات خاصة، وتتسم بقدر كبير من الارتجالية والذاكرة السمعية، ويتوارثها العازفون بعيدا عن التأليف الموسيقي والنوتة الموسيقية، وإنما هي أرتام سماعية.

ويؤكد بدر أنه ورث فن التنورة، مثل كثير من العاملين فيه، مشيرا إلى أن رقصة التنورة تقدم بمصاحبة الآلات الموسيقية الشعبية مثل الربابة والسلامية والمزمار والصاجات والطبلة، كما يقوم بالغناء المصاحب للرقص منشد شعبي يعتمد على التلقائية والإنشاد الديني، والغناء المصاحب يكون دعاء ومديحا وبعض الأغاني والمواويل المستمدة من مواضيع شعبية تدور حول الصداقة والسلام والكرم والمحبة والحكمة بين الناس.

16