التنوع البيولوجي يضع الإنسان بين خياري التكافل أو الموت

الاثنين 2014/09/29
التنوع البيولوجي في تراجع مطرد بفعل الصيد العشوائي لانواع من الحيوانات أضحت مهددة بالانقراض

لندن - يعد الحفاظ على التنوع البيولوجي مشغلا من المشاغل البيئية المركزية، ويتحدث المحافظون على البيئة بشكل متزايد عن “حرب” لإنقاذ الأنواع الحيوانية من الأخطار. وتُقدم الحملات الدولية صورة معيّنة تتمثل في أن المحميات والوكالات والمنظمات غير الحكومية في هذا المجال تشارك في معركة مستمرة من أجل حماية الحياة البرية من جيوش الصيادين “الإجراميين” المنظمين الذين تحركهم دوافع مالية.

في سياق المحافظة على التنوع البيولوجي، أعدت الباحثة في قضايا البيئة، روزالين دوفي، دراسة عن استعمال الأساليب العسكرية لحماية الأنواع المهددة في الحياة البرية بعنوان “شنّ حرب لإنقاذ التنوع البيولوجي: تنامي المحافظة المعسكرة”. عمد من خلالها إلى فحص النقاشات المفهومية حول الحرب من أجل التنوع البيولوجي، ثم تطرّقت إلى تقديم تحليل للتوجهات الحالية في أشكال العسكرة ضد الصيد غير القانوني، من ثمّة قدّمت أفكارا نقدية تخص هذه المقاربات المعتمدة عبر التدقيق في نشوء هذا النوع من الصيد من الجوانب التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأخيرا عمدت إلى تتبّع كيفية بروز المقاربة العسكرية لمكافحة الصيد غير القانوني.


ماهو التنوع البيولوجي؟


يشمل مصطلَح التنوع البيولوجي، حسب إجماع الباحثين، تنَوُّع الحياة بأشكالها كافة. وهو يغطي بالنسبة إلى الباحث إدوار أُ. ويلسُن، وهو أحد أبرز الخُبراء في العالم في مجال التنوع البيولوجي الأرضي، “جميع أشكال الحياة التي يُمكن تَبيينها بطُرُقٍ شَتّى: مِن قِطعة أرضٍ صغيرة تبلُغ مساحتها مترا مربعا إلى الكوكب بأكمَله، ومن مُستنقعٍ إلى نظام إيكولوجي في جملَتِه، ومِن بلدٍ إلى أي كيان آخر يفي بالمراد”. ولكن التعريف الأكثر تسليما به على الصعيد الدولي هو الوارِد في اتفاقيّة التنوُّع البيولوجي التي تَمَّ اعتمادُها عام 1992 خلال مؤتَمر قمَّة الأرض في ريو دي جينيرو، والذي يفيد بأن التنوع البيولوجي يَعني “تبايُن الكائنات العضوية الحية المستمدة مِن كافة المصادر بِما فيها، ضمن أمورٍ أخرى، النُظُم الإيكولوجية الأرضية والبَحرية والأحياء المائيّة والمُركّبات الإيكولوجيّة التي تُعَد جِزءاَ منها، وذلك يتضمَّن التنوُّع داخِل الأنواع والنُظم الإيكولوجيّة“.

استعمال التكنولوجيات يمكن أن يساهم في علاقة سيئة بين دعاة المحافظة على البيئة والمجموعات السكانية القريبة

كما يذهب ويلسون إلى أن علماء الأحياء يتفقون على أن “التنوع البيولوجي يترتب ضِمن ثلاثة مستويات وهي:

أولا، النُظم الإيكولوجيّة مثل المروج، والبحيرات وأحواض الأنهر والتُندرا ومصبّات الأنهار.

ثانيا، الأنواع الحيوانية والنباتية والكائنات الدقيقة، التي تشكل هي أيضا نظما إيكولوجية.

ثالثا، المستوى الأساسي الذي يتضمن الجينات التي تُحدد سمات الأنواع.


ماهي حرب إنقاذ التنوع البيولوجي؟


تُقدم “الحرب” لإنقاذ التنوع البيولوجي، كحرب شرعية لإنقاذ الأنواع المهددة بشكل خطير مثل وحيد القرن والنمور والغوريلا والفيلة. وهذا يمثل تحولا مهمّا في المقاربة منذ أواخر التسعينات من القرن العشرين عندما كانت إدارة الموارد الطبيعية المجتمعية والتقنيات التشاركية في أوجها. فمنذ بداية العشرية الأولى من القرن الحالي أجريت عملية إعادة تقييم للاهتمام المتجدد بنماذج المحافظة على شكل حصن لحماية الحياة البرية بما في ذلك الوسائل العسكرية. لكن هناك شح في البحوث حول ما يسمى “العسكرة الخضراء”، وهي عملية يتم من خلالها تضمين مقاربات وقيم عسكرية في ممارسة حماية الأنواع الحيوانية.

وفي هذا السياق، تتناول دراسة الباحثة روزالين دوفي، مخاطر “الحرب من أجل التنوع البيولوجي”، ولاسيما كونها تستخدم لتبرير سياسات تقوم بشكل متنامي على الإكراه والقمع الشديدين. وتنحو المنظمات غير الحكومية الراغبة في حماية الحياة البرية منحى تبرير الأشكال العسكرية لمكافحة الصيد غير القانوني، وتصبح هذه المسائل أشد أهمية بلجوء المحافظين على البيئة إلى الشركات العسكرية الخاصة لمراقبة المناطق المحمية وتطبيق القانون عليها.


ما الداعي للالتجاء إلى هذا الحل؟


يمكن حوصلة الفكرة الأساسية للدراسة في القول بتنامي الاهتمام بالمقاربات العسكرية لمكافحة الصيد غير القانوني، ويمكن رد الاهتمام هذا إلى ردة الفعل بشأن تطور “حرب” متجددة تستهدف الصيد غير القانوني لوحيد القرن والفيلة، خاصّة في أفريقيا جنوب الصحراء. وما فتئ دعاة المحافظة على البيئة إلى جانب مختلف المؤسسات الإعلامية الإخبارية، يدقون نواقيس الخطر حول المخاطر التي تهدد هذه الأنواع من الحيوانات، مدّعين أن الصيد غير القانوني يمكن أن يتسبب في انقراضها ما لم يتم التعامل مع هؤلاء الصيادين بشكل استعجالي وباستخدام قدر أكبر من القوة.

وفي هذا الإطار، فإنّ الحرب الجديدة من أجل التنوع البيولوجي تعكس سياسة التدخل أي العودة إلى القول بأن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية تجاه الحياة البرية، وخاصة الأنواع المهددة، وأنه قد تكون هناك حاجة إلى التدخل العسكري من أجل إنقاذ هذه الأنواع من الحيوانات. بيد أن هذه المقاربة تثير مشكلا لدعاة المحافظة على البيئة إذ عادة ما تكون هذه المقاربات تبريرا للسياسات القمعية والقسرية والعنيفة، وهي سياسات أدت لحصول حيف اجتماعي.


كيف تتم حماية التنوع عسكريا؟


إن استخدام التكنولوجيات الجديدة مثل الطائرات من دون طيار والتنصّت بالكاميرا واستعمال الرقاقات الإلكترونية يساهم في المقاربة العسكرية الإجمالية للحرب من أجل التنوع البيولوجي. لكن من الواضح أنّ هذه الطرق لن تكون مجدية من دون المستوى الكافي من الموظفين المدرّبين والمجهّزين على الميدان. كما أن استعمال التكنولوجيات يمكن أن يساهم في علاقة سيئة بين دعاة المحافظة على البيئة والمجموعات السكانية القريبة إذا تم استخدامها دون الحصول على الموافقة اللازمة والتشاور.

وزيادة على ذلك يمكن أن تجلب هذه المقاربات نتائج عكسية تماما عن طريق تنفير المجموعات السكانية التي يعتمد عليها دعاة المحافظة على البيئة من أجل حماية الحياة البرية. فعندما تواجه هذه المجموعات أساليب فظة لا ينتظر منها الكثير من الدعم لجهود المحافظة على الحياة البرية مثل الانخراط في مكافحة الصيادين وتقديم المعلومات الاستخباراتية.


ما الذي يتسبب في الصيد العشوائي؟


في الحقيقة يجب النظر إلى الصيد غير القانوني في أفريقيا جنوب الصحراء في سياقه الواسع للوقوف على أسبابه، وللتمكن من ذلك يجب الوعي بأمرين اثنين هما:

أولا، الوعي بأنّ هذا النوع من الصيد يرتبط بمنظومة تجارية عالمية أوسع ترتبط بالجريمة المنظمة والتواطؤ والفساد في القطاعين العمومي والخاص، وتورط الجيوش في هذه العملية على نطاق واسع، وإدراك أن الطلب في الأسواق هو ما يحفز الصيد في جانب التزويد.

ثانيا، الوعي بالخلفية التاريخية والطرق التي جرّمت بها الإدارات الاستعمارية بعض طرق الصيد تدريجيا، حيث نجم عن ذلك تحويل عملية الصيد إلى نشاط غير قانوني يمكن المعاقبة عليه (عبر الغرامات والحبس وحتى الموت في عمليات إطلاق النار بهدف القتل)، وفي الوقت ذاته حماية حق هواة الصيد الأوروبيين. وهذا يفسر إصرار بعض المجتمعات المحلية على ممارسة أشكال غير قانونية من الصيد في تحدّ للطرق التي تحاول بها الحكومات والمالكون الخواص للأراضي “حماية” الحياة البرية.

التنوع البيولوجي يترتب ضمن:
◄ النظم الإيكولوجية مثل البحيرات أو المروج وغيرها.

◄ الأنواع الحيوانية والنباتية والكائنات الدقيقة.

◄ المستوى الأساسي الذي يتضمن الجينات التي تحدد سمات الأنواع.


لماذا فشلت المقاربات العسكرية؟


وبناء عليه من المهم أن تكون وكالات المحافظة على الحياة البرية واضحة في ما يتعلق بما تقوم بحمايته، ولفائدة من، ولماذا تعمد إلى تنفيذ قرارات الحماية على الميدان. في حالات عديدة لا يقوم دعاة المحافظة على الحياة البرية بحماية أعداد كبيرة من الأنواع المهدّدة بشكل خطير. كما تبذل جهود الحماية المعسكرة لوحيد القرن والفيلة من أجل حماية أنواع تدر عائدات مالية هامة (باستغلالها في التصوير السياحي أو الصيد الرياضي).

وما يفسر جزئيا سبب فشل المقاربات المعسكرة، حيث أنها لا تعمد إلى حل مشاكل الأسباب الكامنة وراء ممارسة الناس للصيد غير القانوني بالدرجة الأولى، كما أنها لا تعالج دور الشبكات التجارية العالمية أو استمرار الطلب في أسواق المستهلك النهائي، وفي آخر المطاف تقود هذه الجهود إلى مقاربات قهرية وغير عادلة وذات نتائج عكسية.


ما العمل؟


كان مِن المُفترَض أن تُشكِّل اتفاقيّة التنوُّع البيولوجي التي اعتُمِدَت خلال مؤتمر قمّة الأرض في ريو دي جينيرو عام 1992، إطار عمل عالمي لتحقيق هذا الهدف وقد ظهر بصيص أمل في أن يُتَمَّم هذا الصَك غير المُلزم في وقت لاحِق وأن يُرفَق بموجباتٍ قانونية. ولكن للأسف لم يحصل شيء مِن هذا القبيل.

في الواقع، لم يشهَد العَمَل المُتعدِّد الأطراف في هذا المجال أي تقدّم يُذكَر بين العامين 1992 و2010، في حين كان قَطع الغابات الأوَّليّة والمداريّة جارياً.

وفي العام 2002، التَزمَت الدول الأطراف في اتفاقيّة التنوُّع البيولوجي “بالتوصّل، بحلول العام 2010، إلى الحدّ من تواتر إفقار التنوُّع البيولوجي بِشكل ملحوظ”. ولكن ظَلَّ هذا الالتزام حبرا على ورق، إذ أن الدول الأطراف نفسها لاحظت خلال مؤتمر ناغويا عام 2010 أنه لم يتم بلوغ الهدف المرجو لا على الصعيد العالمي ولا الإقليمي ولا الوطني. وبالتالي، فقد اعتمدت هذه الدول خطة استراتيجية (خطة أخرى) للتنوع البيولوجي لفترة 2011-2020 تتضمن عشرين هدفا رئيسيا، أُطلِق عليها اسم “أهداف أيشي”.

تم إطلاق مبادرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط لإنشاء تحالف عالمي بهدف إنقاذ التنوع البيولوجي في هذه المنطقة

وقد مَضَت عشرون سنة مُنذ انعقاد مؤتمر قمّة ريو عام 1992، وأربعون سنة منذ انعقاد مؤتمر ستوكهولم حول البيئة لعام 1972. يمكن القول إذا إن العَمل المُتعدِّد الأطراف قد أخفق بشكلٍ واضح في تحقيق مرامِه، لكن طبعا لا يمكن التخلي عنه لأن التنوع البيولوجي، مِثله مِثلَ تغيُّر المناخ، مشكلة عالمية تتطلب حلولا شاملة ومُتعدِّدة الأطراف وحكومية دولية. ولكن ليَصِل هذا العمل إلى مُنعَطَفٍ جديدٍ وفاصِل، يجِب إذكاء الوعي وتعبئة الرأي العام العالمي كي يضغَط على الحكومات.

وفي هذا السياق، يرى الباحثون أن البشرية اليوم تقف أمام خيارين بسيطين:” التَكافُل أو الموت!”. ولذلك، اقترح الباحث ميشال سيريس إبرام “عَقد طبيعي” يُكمِّل العقد الاجتماعي ويَسُدّ ثغراته. ويهدف هذا العقد الطبيعي إلى إنهاء الحرب التي يشنّها الإنسان على الطبيعة منذ قرون.


لماذا عقد تكافل، وهل يكفي؟


الحل هو عقد تكافل، لأن “المُتَكافِل يُقِرّ بحَق الآخر، فيما المُتطفِّل المخرّب يقضي على المكان الذي ينهَبُه ويسكُنه من دون أن يُدرِك أنه يَحكُم على نفسه بالزوال في نهاية المطاف”، بحسب سيريس.

ولكن، هذا العقد وحده لا يكفي لحِفظ التنوع البيولوجي، بل يجِب تزويده بقاعدة قوية، أي بنوع من الذِراع المسلح. وفي هذا الصدد يقترح الباحثون، إنشاء تحالُف عالمي للتنوع البيولوجي، حسَب الاقتراح الذي قدَّمَه في الأصل الصندوق العالمي للطبيعة إلى مؤتمر ناغويا.

ولن يجمَع هذا التحالُف العالمي الحكومات التي ترغب في الاشتراك في نشاطاته، فحسب، وإنما المدن، والهيئات المحلية، والمنظمات الدولية غير الحكومية الناشطة في هذا المجال، والشركات، والفاعلون السياسيون والاجتماعيون والمواطنون أيضا.

ويهدف تحالف كهذا إلى ترغيب الحكومات في العمل على تعزيز المشاريع الكبرى التي من شأنها حِفظ التنوع البيولوجي. وبالفعل، فقد تم إطلاق مبادرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط في يناير 2012 لإنشاء تحالُف عالمي للمدن والحكومات بهَدف إنقاذ التنوع البيولوجي في هذه المنطقة. ومِن المُستحَب أن تحصل مبادرات كهذه على الدعم وأن تُعَمَّم على العالم بأسرِه. لكن من الضُروري أيضا إشراك المُجتمع المَدَني وكل الفاعلين المعنيين، بما في ذلك المواطنين، بصورة أكبَر في هذه المبادرات وتحسين تنسيقها.

6