التهامي الوزاني والرحلة من المغرب إلى مصر

الأحد 2014/07/27
رحلة المغربي إلى المشرق غالبا ما تمر بمصر

هل كان قدرا أن يكون صاحب أول رواية في المغرب، وهو التهامي الوزاني، صاحب “الزاوية” الصادرة سنة 1942، هو أحد آخر من كتب رحلة في الأدب المغربي، وهي رحلة عن زيارته للقاهرة ومشاهداته ولقاءاته هناك، رحلة حررها التهامي الوزاني ما بين 1957 و1958، بعد عودته إلى مدينته تطوان في أقصى شمال المغرب.

برع المغاربة في كتابة الرحلة، عبر العصور، منذ شيخ الرحالة ومحرضهم الأول ابن بطوطة الطنجي، مرورا بالرحلات الحجازية والمكية، من العصر الموحدي إلى العصر العلوي، وصولا إلى الرحلات السفارية، وقوفا عند الرحلات الصوفية والخيالية الخالصة.

أما التهامي الوزاني، فقد حرص على أن يسجل اسمه في قائمة الرحالة المغاربة، من خلال هذه “الرحلة الخاطفة”، التي حققها، مؤخرا، وأعدها للنشر الناقد المغربي إبراهيم الخطيب، وقدم لها محمد برادة.

يبقى التهامي الوزاني شخصية استثنائية في منتصف القرن المغربي الماضي بلا منازع، فهو الفقيه الناسك، والصوفي السالك، هو خطيب الجمعة والصحافي أيضا، صاحب جريدة “الريف”.

هو العالم “الإمام، وهو المترجم الذي ترك لنا أول ترجمة لرواية “الكيخوطي” لميغيل دي سيرفانطيس، لم تصدر إلى اليوم، لأن الوزاني كاد ينتهي من ترجمتها، دون أن يتحقق له ذلك. والتهامي الوزاني هو الرجل المحافظ، والذي تزوج امرأتين، لكنه هو نفسه الذي ظل يرافقهما، معا، إلى قاعات السينما في أربعينات وخمسينات القرن الماضي. ذلك أن التهامي الوزاني، بعبارة محمد برادة، يبقى نموذج “المثقف الذي يتحدر من بيئة تقليدية، إلا أنه يتميز بحب الحياة والانفتاح على العصر. صورة المثقف القلق، الموزع بين الانشداد إلى الحاضر، والتعلق بعوالم صوفية انجذب إليها منذ سن مبكرة”.


مشاهدات ومقارنات


تندرج “الرحلة الخاطفة” ضمن سلسلة من النصوص الأدبية التي أبدعها التهامي الوزاني، وشكلت شهادة على عصره وتاريخه، وأيامه وأحلامه، منذ “الزاوية”، في 1942، مرورا بـ”فوق الصهوات” سنة 1943، و”سليل الثقلين” سنة 1950، وصولا إلى “الباقة النضرة” سنة 1952، واليوم مع هذه الرحلة التي كتبت سنة 1958، ونشرت في هذه السنة.

تنبني رحلة التهامي الوزاني على ما يمكن تسميته “الوصف المقارن”، حين يلجأ الرحالة إلى مقارنة المشهد الذي رحل إليه بمشهد أليف انطلق منه، من قبيل مقارنة مدينة نزل بها الراحل، لأول مرة، بمدينته الأليفة. فبقدر ما يمنح المكان الأصلي تلك “الألفة الباشلارية”، بقدر ما يمنح المكان الجديد الدهشة المحرضة على الكتابة والوصف.

ويعمد الوزاني إلى “الوصف المقارن”، منذ الفصل الأول “مدينة في مرآة أخرى”، بمجرد ما يدخل القاهرة، فيفتتح المشهد الأول بالقول إنك “لو جمعت مدن فاس ومراكش والدار البيضاء، وجعلت من المدن الثلاث مدينة واحدة، لكانت هذه المدينة المثلثة قريبة الشبه من القاهرة”.

ثم تشتد المقارنة وتنحصر ما بين فاس والقاهرة في عيون التهامي الوزاني، فإذا كان النيل يشطر القاهرة، فإن نهر فاس يشطرها على عدوتين: عَدْوَةُ اللمطيين وعَدْوَةُ الأندلس. وكما في فاس مسجد القرويين، وفيها الضريح الإدريسي، ففي القاهرة مسجد جامع الأزهر، والمشهد الحسيني. بل ربما كانت المسافة بين مسجد الحسين وجامع الأزهر هي نفس المسافة بين مسجد الشرفاء والقرويين. على أن “مهمة القرويين بفاس هي مهمة الأزهر”. وفي الأخير، فإن الأدارسة الذين أسسوا فاسا، والفاطميين الذين بنوا القاهرة كلهم يرجعون إلى الأصل العلوي.

وتتواصل لعبة المقارنة في رحلة الوزاني، في الملبس والمطبخ والطقس، في السلوكات والرغبات والميولات ومختلف الطبائع الإنسانية ما بين الإنسان المصري والإنسان المغربي. على أن المقارنة ما بين المشهد الحسيني في القاهرة والضريح الإدريسي في فاس لا تقتصر على المقارنة الصورية والشكلية، بل هي مقارنة بين الأحاسيس التي يبثها كل مشهد من المشهدين في نفسية الرحالة. وفي هذا يقول صاحب “الرحلة الخاطفة” في فصل من فصول الرحلة: “وشعرت بما شعرت به عندما زرت مدينة فاس لأول مرة. فحين وقفت بباب الضريح الإدريسي، غبت فعلا عن وجودي برهة غير قليلة من الزمان، وحسبت أن الأمر حلم من الأحلام. فما كان شعوري إلا واحدا من المشاعر التي تغمرني الآن”. وهو ما يجعل من الرحلة الخاطفة رحلة مزدوجة، بتوصيف محمد برادة، فهي “إلى القاهرة، وفي الآن نفسه هي رحلة إلى أعماق النفس ومخزونات الذاكرة”.


بين سوقين


ثمة مقارنة أخرى، يعقدها التهامي الوزاني ما بين السوق المحيط بالمسجد الحسيني، والتي هي أحرى بأن تسمى “المصدع”، بدل سوق تطوان الشهير الذي يحمل هذا الاسم، ولا يحمل من الصداع غير الاسم، بالفعل.

على أن المقارنة عند الوزاني تكاد تتحول إلى رؤية للحياة وتطلع نحو آفاقها ومستقبلها. وهو في فصل آخر يعقد مقارنة ما بين الإنسان المصري والعربي، عموما، والإنسان الأوروبي. ويظهر أن الوزاني على وعي بصورة الإنسان الأوروبي، كما عاش معه زمن الاستعمار الإسباني في شمال المغرب. وهنا، يخبرنا الوزاني أنه قد لمس لدى الشعب المصري ثقافة واسعة، تفوق المستوى الثقافي العام لدى الشعوب الأوروبية، ويقصد الوزاني “الإنسان القاهري” بالخصوص، كما يسميه.

رحلة الوزاني تجربة في الحياة وسّعت من أفقه الفكري

على أن الفرق هو أن “الأوروبي يتأنق في مظهره، ويطبق ما في جعبته من ثقافة، في حين نجد رجل الشارع المصري يتوفر على ثقافة واسعة، حيث لا يمكن أن تجده خالي البال مما يجري في العالم، لكنه لا يعتني بالناحية التطبيقية من ثقافته. أما الرجل الأوروبي فإنه إذا قرأ شيئا عمل به وبادر إلى تطبيقه لما فيه من المنفعة”. وظاهر أن الوزاني إنما يصدر في هذه المقارنة من السؤال النهضوي “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم”، هو الذي كان أحد دعاة التحديث والتحرر في المغرب، منذ أربعينات القرن الماضي، بمعاركه الثقافية وافتتاحياته القوية والمدوية في جريدته “الريف”.


الرحلة كوثيقة


بقدر ما تمثل الرحلة نصا أدبيا بقدر ما تكون وثيقة وشهادة على مراحل وسياسات، وتاريخ وجغرافيات وثقافات. و”الرحلة الخاطفة” هي شهادة على مصر، في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي، في المرحلة الناصرية، يبدو فيها التهامي الوزاني منتصرا للثورة المصرية، وحكومة الثورة، التي “فعلت كثيرا في سبيل الإصلاح الاجتماعي، فضايقت الإقطاعيين وأبطلت الأوقاف الظالمة، ووزعت الأراضي الأميرية والموقوفة على الفلاحين، وزحزحت الفوارق الاجتماعية بين طبقات الأمة”.

هذا، ويحتفي الوزاني بقيم التحرر التي سادت زمن الثورة، وينتبه الرحالة إلى كيفية رواج لفظ التحرير أيام الثورة، فتم تأسيس جنة زاهية في أرض قاحلة، هي التي سميت “دائرة التحرير”، والتي اعتبرت معلمة الثورة، إلى جانب “ميدان التحرير” و”مديرية التحرير”، ذلك أن “كلمة الحرية من الكلمات الخالدة التي عاشت منذ أن وضعت”.


حوار مع الخطابي


أما أهم شهادة ووثيقة تضمنتها هذه الرحلة، فهو ذلك الحوار النادر والذي يظهر لأول مرة، وهو الحوار الذي جرى ما بين بطل تحرير الريف المجاهد المغربي الأمير محمد بن عبدالكريم الخطابي وزعيم الوحدة وسفير المغرب في القاهرة عبدالخالق الطريس، بحضور المؤلف الرحالة التهامي الوزاني. وهو حوار مثير للغاية، جرت وقائعه في بيت شقيق الأمير الخطابي في القاهرة، يكشف عن مواقف للأمير، غير مسبوقة أو معروفة، ولا حتى منتظرة، في نظر البعض، سواء من النظام المغربي، يومها، أو من سياسته، في بعض التفاصيل، أو من الاستقلال، أو من استراتيجيات السلطة في مواجهة أو مهادنة استمرارية رموز الاستعمار أحيانا.

يبدو التهامي الوزاني منتصرا لابن مدينته عبدالخالق الطريس في البداية، خاصة في الفقرة الأولى من الحوار التي انصرفت إلى الحديث عن المرأة. فبينما كان الأمير ضد “سفور” المرأة، كما يسميه، يرى الطريس أن تبرج المرأة من احتجابها أمور شكلية، لا ترقى إلى جوهر الفضيلة الإنسانية والآداب الإسلامية الحقة. على أن “ما يعده رجال الأمس مجاوزة للحدود، لا يرى فيه الشبان إلا حقا طبيعيا يجب أن تتمتع به المرأة”، يردد الأستاذ عبد الخالق الطريس، انطلاقا مما يسيمها “ثورة نفسية” عاشها المغاربة في تلك الفترة. على أن الأمير الخطابي إنما سكت بعد كلام الطريس، “فلم يوافق ولم يخالف”، كما جاء في الرحلة.


نجم سينمائي


عائدا من الضريح الحسيني، يستقل التهامي الوزاني الدرجة الأولى في “الأوتوبيس 18”، في ساحة “التراموات، فيشد انتباهه شخص يلبس بذلة كاكية شديدة النظافة، فلما أمعن النظر فيه لم يكن غير “عبدالوارث عسر الذي شاهدناه في أكثر من خمسين فيلما من الأفلام المصرية، لكنه الآن يطفح نشاطا وقوة بخلافه أثناء التمثيل السينمائي، لكن المخرجين يختارون له، دائما، أدوار الشيوخ والآباء والأجداد”، على نهاية هذه الفقرة التي تحولت إلى نص في النقد السينمائي يكتبه الفقيه والصوفي والصحافي والروائي و”الخرافي” أيضا التهامي الوزاني.

حديث السينما يعود بذاكرة الوزاني إلى مدينته تطوان، وإلى “سينما المنصور”. عند ذلك يردد الوزاني في سيرته: “حلقت في سماء الذاكرة، فوصلت في غمضة عين إلى سينما المنصور بتطوان، وها هو عبدالوارث عسر الذي شاهدناه في تلك القاعة السينمائية مرارا: إنه حلقة وصل بين شرق البلاد العربية ومغربها”. وكذلك كانت الرحلة، حلقة الوصل تلك.

في هذا الفصل من رحلة الوزاني، وقد أشرفت على نهايتها، يحدثنا الوزاني عن زوجتيه، وهو يرافقهما إلى السينما، ردّا على باشا المدينة، الذي كان يرفض دخول النساء قاعات السينما. “لقد كانت الأفلام المصرية تصل إلى تطوان، لكن الباشا أشعاش كان يحارب سافرا غير متستر كل تطور تتطوره المرأة في اتجاه الحرية، وكنا حريصين على أن تنال حظها منها، وأن تستعين بالسينما على توسيع أفق فكرها”. وتلك كانت مواقف التهامي الوزاني، وتلك كانت الرحلة، وهي تجربة في الحياة وسّعت من أفق فكر التهامي الوزاني، ومن سعة خياله الأدبي.

13