التهجير والنزوح المسيحي المشرقي

السبت 2014/07/26

المسيحية كما الإسلام واليهودية هي ديانات سكان هذه المنطقة، وإذا كانت العلاقة بين المسيحيين والمسلمين قبل بداية القرن العشرين واضحة لجهة دفع الجزية وفقا لشكل الحكم آنذاك، والذي كانت قوانينه مستقاة من القرآن والشريعة والإجماع، فإنّ المسيحيين وسواهم ومع بدايات عصر النهضة وبعده، أصبحوا يعتبرون ككل سكان المنطقة. طبعا لم يصبحوا مواطنين، فقد بقي التمييز قائما وإن لم يكن عنيفا أو مصادرا لتميزهم الديني. إذن لم يصبح سكان هذه البلاد مواطنين ولكن لم يبقوا طوائف كذلك.

أصبح المسيحيون، كما كل سكان المنطقة، يعرّفون أنفسهم بمفاهيم جديدة للوعي والفكر وللسياسة والاقتصاد والجيش وكل شؤون الحياة، أي أنهم عرب كما بقية السكان، ولكن الدولة القومية القائمة على المواطنة كما في أوروبا لم تتشكل، وكان من السهولة الانتكاس من العروبة إلى الأسلمة، وقد تصاعد ذلك بشكل عنيف منذ السبعينات، حيث أخفقت الدولة التابعة في أن تكون دولة عصرية بدستور وضعي وقوانين مستقاة منه، بل كانت دولة للمافيات الحاكمة، والتي سريعا ما تخلت عن مفاهيم العروبة والمواطنة والشعب، وعززت مفاهيم الطائفة والعشيرة، مع تعميم الفساد بين المواطنين إلى أقصى حد كقيمة أخلاقية تطيح بكل مفاهيم المواطنة وسواها، وفتح باب الهجرة على أوسع نطاق ممكن.

ضمن هذا السياق، أصبح التفكك المجتمعي عنيفا وحدث تناقض طبقي غير مسبوق، وكان واضحا أنه كلما تعمق التفكيك المجتمعي القائم على تشكيلات قديمة، كلما ازداد الشعب فقرا وعوزا. هو إذن خيار المافيا الحاكمة لإدارة أزمتها الطبقية ومنعها من التفجر والإطاحة بها، وبمعنى آخر، فشلت البرجوازية العربية متعددة الأشكال، قبل الاستقلال وبعده، وهي لا تملك مشروعا تاريخيا مثل البرجوازية الأوروبية.

في هذه الصيرورة التاريخية، أصبح المسيحيون يشعرون بأنهم ليسوا عربا، ولا يمكنهم العيش في المنطقة، وهاجرت أعداد كبيرة منهم، وقد حصل ذلك على مراحل متعددة.

خرج أكثر من مليون مسيحي من العراق إبّان الاحتلال البريطاني، وتمّ تهجير المسيحيين من فلسطين كذلك، وفي سوريا تقلص عددهم بشكل كبير، وفي مصر كذلك، وقامت إسرائيل بواجب التهجير لهم كذلك.

بعد الاحتلال الأميركي للعراق خرج أكثر من مليون مسيحي من البلاد، وكان عددهم يزيد عن مليون ومائتي ألف، وخروجهم يتحمل مسؤوليته الاحتلال الأميركي والإيراني اللاحق للعراق، وشكل النظام الطائفي الذي يخدم إيران هناك.

مع تهديد «خليفة» داعش لمسيحيي الموصل، بالقتل أو دفع الجزية أو الخروج، خرجت أغلبية من بقي منهم إلى كردستان، وبقيت بعض العائلات يحتضنها أهالي الموصل. داعش ليست ضدهم فقط، بل هي قتلت من «السنة» (منذ زمن الزرقاوي) أكثر من بقية الطوائف، وفي سوريا حصل الشيء ذاته، حيث تم تهديد مسيحيي الرقة.

التنظيمات الإرهابية تهدد المجتمع برمته، ولكنها ليست هي المسؤولة عن المآل السيئ للمسيحيين في العالم العربي، بل إن هذا المآل سيئ لكل شعوب المنطقة ومنهم من ديانته المسيحية. ولكن هل هذا المسار خاص بهم؟ هنا يصبح النفخ في قضية المسيحيين مسألة إعلامية لشيطنة كل شعوب المنطقة، وكل مآل الثورات، واعتبار المسلمين غير قادرين على التجانس مع الحداثة ومستكملاتها.

الكثير من شعوب المنطقة يهاجرون بناء على عدة أسباب منها الشعور بعدم الاستقرار وشكل التدخل الامبريالي الاستشراقي، وطبيعة النظم الاستبدادية، وأخيرا داعش ومن يشبهها كمفرزات إرهابية لأزمة الأنظمة العربية وبإشراف منها.

ولكن هل من خيار مختلف؟ إن قضية بحجم فقدان وطن وفقدان القدرة على تجديد الحياة، لا يمكن الاكتفاء بتحليلها وتوصيفها، لذلك لابد من تحديد بعض النقاط كمؤشرات أولية للخلاص.

وهنا نقول إن أول شرط لإيقاف كل هذا التهجير لكافة شعوب المنطقة، وللمسيحيين بصفة خاصة، لا يتحقق دون تغيير سياسات الدول والأحزاب وكل فعاليات المجتمع، بالاعتراف أن شعوب المنطقة شعوب ساعية نحو المواطنة والدولة الحديثة، حيث البديل لكل المآسي التي نحياها، فالثورات اندلعت من أجل هذه القضايا وتحسين الوضع العام للفقراء. ونضيف بأنه ما لم يتم تبني زاوية نظر مختلفة للواقع، فإن هذا الواقع سيذهب ليس نحو تهجير المسيحيين فقط، بل نحو إمارات طائفية في كافة دول المنطقة، ونحو حروب مستمرة. القول إن الاستبداد، كجوهر مستقل بذاته، هو سبب كل هذه المآسي هو قول سياسي متهافت، وفيه تجاهل لأبسط تعريف للرأسمالية، كونها نظاما كونيا ولكنها غارقة في أزمات متلاحقة منذ 2008.

عملية طرد مسيحيي العراق، هي نتاج سياسات الدول العظمى والأنظمة المستبدة، داعش وأخواتها هي تنظيمات إرهابية تتحركُ باسم الإسلام. وكما وجدت القاعدة للمساهمة في إنهاء الحكم الشيوعي في أفغانستان، وقبلها الإخوان لمواجهة المد اليساري والقومي، فإن داعش خلقت لتدمير المقاومة العراقية، وتدمير الثورة السورية، وللتشويش على كافة التغيرات في المنطقة، وإفهام الشعوب أن لا إمكانية لنجاح ثوراتها.


كاتب سوري

9