التهدئة السياسية والاجتماعية.. ضرورة تحتاجها تونس

ارتفاع موجة الاحتجاجات مع اقتراب الانتخابات حتم على رؤوس السلطة المتصارعة الجلوس على طاولة الحوار.
السبت 2019/01/12
قائد السبسي في صورة رجل الدولة الجامع

اتجهت أطراف السلطة في تونس، منذ نحو أسبوعين، إلى مساع للتهدئة بعد أشهر من التوتر، لا سيما بين الرئاسة ورئاسة الحكومة، الأمر الذي رفع من منسوب الاحتقان الشعبي بين التونسيين المحبطين من كل الطبقة السياسية والغاضبين من مآل أوضاعهم وحياتهم في ظل ارتفاع متواصل في الأسعار وغلاء في المعيشة.

تونس - عادل الثابتي - عشية رأس السنة الميلادية، وفي خضم تصعيد احتجاجي مع اقتراب ذكرى 14 يناير 2011، دعا الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى اجتماع للتباحث حول الوضع العام، شارك فيه محمد الناصر، رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، ويوسف الشاهد، رئيس الحكومة، ونورالدّين الطبوبي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابيّة)، وسمير ماجول رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة الأعراف).

وحضر الاجتماع من الأحزاب، حركة النّهضة (68 نائبا من أصل 217 نائبا)، وكتلة الائتلاف الوطني (44 مقعدا)، ومشروع تونس (15 مقعدا).

إحساس الجميع بالخطر

حث قائد السبسي، خلال الاجتماع، على “ضرورة مواصلة الحوار بين كل الأطراف على قاعدة تغليب المصلحة الوطنيّة، والترفّع عن الحسابات السياسيّة الضيقة، وإيجاد حلول جذريّة كفيلة بتفكيك عناصر الأزمة الراهنة”، في رسالة موجهة إلى مختلف ممثلي المشهد السياسي التونسي وأيضا مختلف مكونات المجتمع المدني، الذي بات يلعب دورا رئيسيا في الشارع التونسي، كما سعى من خلال هذه الرسالة إلى طمأنة التونسيين الذين علت أصواتهم مستنكرة تراجع مقدرتهم الشرائية ومعلنة خيبة أملهم من كل ما تشهده البلاد.

هذه الأصوات اليوم عادت لتكون مهمة، مع الاستعداد للانتخابات، المنتظرة في خريف 2019، وإن كان هناك شكوكا وتضاربا حول إمكانية إجرائها في موعدها المقرر. وهنا، بات لزاما إعادة هيكلة المشهد السياسي بما يتلاءم مع خصوصية المرحلة.

ويرجع المحلل السياسي، الحبيب بوعجيلة، هذا التحوّل، وظهور خطاب التهدئة، إلى “حالة الضعف التي لا تسمح لأي طرف بحسم الأمور لصالحه في الوقت الراهن”.

ويرى بوعجيلة أن القوى المختلفة والمتصارعة على الساحة السياسية التونسية اليوم، تدرك أن “نوازع الضعف التي تحكمها لا تسمح لها بمواصلة معركة كسر العظم المتبادلة”، مشيرا إلى أن أوضاع البلاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وارتفاع موجة الاحتجاجات، حتمت على رأسي السلطة في القصبة (قصر الحكومة)، وقرطاج (قصر الرئاسة) الجلوس على طاولة الحوار.

قائد السبسي لا يريد أن يظهر كطرف يقود عملية التصعيد والاحتجاج ومواجهة الحكومة وضرب الاستقرار ومسار الانتقال الديمقراطي

ما يذهب إليه بوعجيلة بشأن إحساس الجميع بالخطر، يتفق معه أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية، عبداللطيف الحناشي، الذي يرى أن “هناك تصورا من قبل رأسي الدولة (قائد السبسي والشاهد) أولا، والمجتمعين ثانيا أن الفترة التي تمرّ بها تونس صعبة جدا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية”.

ويضيف الحناشي “هناك أزمة سياسية وحزبية خانقة، وسيادة مناخ من عدم الثقة بين الأحزاب والشخصيات الفاعلة”، محذّرا من أن الأزمة الاقتصادية مهولة والاحتجاجات تتصاعد مع تدهور الدينار، وتفاقم الدين الخارجي والعجز.

وتراجع سعر الدينار التونسي من 1.26 دينار أمام الدولار الأميركي و1.81 دينار مقابل اليورو في بداية عام 2011، إلى 3.02 دينار أمام الدولار، و3.43 دينار مقابل اليورو، حسب إحصائيات نشرها البنك المركزي التونسي الأسبوع الماضي.

ويشير الحناشي إلى أن الاجتماع الذي دعا له السبسي، “هو للاستعداد للفترة القادمة”. أما نورالدين العرباوي، رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة، فيعتبر أن اجتماع قائد السبسي بمختلف الفاعلين هدفه كان واضحا، وهو إيجاد حلّ لمشكلة الإضراب العام في الوظيفة العمومية وخفض التوتر، فالوضع لا يحتمل الإضراب العام.

ومنذ 17 ديسمبر الماضي، قرر الاتحاد العام التونسي للشغل القيام بإضراب عام، للمطالبة بالزيادة في الأجور، وتجري قيادته اجتماعات ماراثونية منذ مدة لإنجاحه رغم تواتر بعض الأخبار غير الرسمية عن إمكانية الوصول إلى حل قبل الموعد المحدد. ويضيف العرباوي، أن الاجتماع تمّ لمهمة عاجلة، فالمطلوب عدم تنفيذ الإضراب العام ليوم 17 يناير وإيجاد حل تفاوضي بين الحكومة والاتحاد.

برز الباجي قائد السبسي، من خلال اجتماع، الجمعة، 28 ديسمبر الماضي، في قصر قرطاج بالأطراف السياسية المساندة للحكومة وبممثلي الأطراف الاجتماعية، كقائد جامع يتعالى عن الصراعات “الصغيرة”. ويقول بوعجيلة إن “قائد السبسي لا يريد أن يظهر كطرف يقود عملية التصعيد والاحتجاج ومواجهة الحكومة وضرب الاستقرار ومسار الانتقال الديمقراطي”.

Thumbnail

وأظهرت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لاجتماع أحد قادة “السترات الحمراء”، بمسؤول بارز في حركة نداء تونس، وذهبت تحليلات في تونس إلى أن الحركة الاحتجاجية مرتبطة بحزب نداء تونس، الذي أسسه الباجي قائد السبسي وبقي محسوبا عليه، حتى بعد استقالته منه، عند فوزه بالرئاسة. وبالتالي فقد ربط الكثيرون بين “السترات الحمراء” والرئيس قائد السبسي نفسه.

ويوضح بوعجيلة أن قائد السبسي تحدث، في كلمته التي بثّها التلفزيون الرسمي بمناسبة رأس السنة الجديدة، باعتباره رئيس جمهورية مسؤولا عن الوضع العام في البلاد، وحاول أن يكون على نفس المسافة من الجميع، وذكر الاحتجاجات وحذر منها.

وفي ذات الخطاب، ثم خلال الاجتماع، أشار قائد السبسي إلى ضرورة استكمال الهيئات الدستورية (المحكمة الدستورية وانتخاب رئيس جديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات) والاستعداد للذهاب للانتخابات القادمة في وضع يسمح لتونس بأن تفتخر بالانتقال الديمقراطي.

ويرى عبداللطيف الحناشي، أن قائد السبسي ظهر في اجتماعه بالأطراف السياسية والاجتماعية، كرجل دولة بامتياز، تغاضى عن كل التناقضات سواء مع حركة النهضة أو مع رئيس الحكومة، حيث يسعى إلى تهدئة الأوضاع، مضيفا أن “مؤسسة الرئاسة ومجلس الأمن القومي (يرأسه الباجي قائد السبسي) لها معطيات حول خطورة الوضع الأمني”. ويتابع مشيرا إلى أن “الأهم هو دعوة الاتحاد العام التونسي للشغل كطرف فاعل في الميدان ويهدد بالإضراب العام”.

بدوره، لفت نورالدين العرباوي، إلى إيجابية دعوة الباجي قائد السبسي للأطراف السياسية والاجتماعية للاجتماع، معتبرا أنها “مبادرة جيدة من رئاسة الجمهورية ونسجل التفاعل الإيجابي لكل الأطراف”.

ويقول العرباوي، بلهجة تؤكد ما دار من أحاديث عن أن النهضة تسعى إلى إعادة الدفء إلى علاقتها بالرئيس التونسي، “إذا كان هناك فضل لنجاح التجربة الديمقراطية التونسية، فالقدر الأساسي منها هو لرئيس الجمهورية ونحن مستمرون في ربط علاقة إيجابية به… نحن نعتبر الرئيس شريكا أساسيا في إنجاح هذه التجربة”.

مساع أجنبية للتهدئة

Thumbnail

في سياق الصراع الدائر بين حركة النهضة والرئاسة التونسية من جهة، وحركة النهضة وحركة نداء تونس من جهة أخرى، تحدثت تسريبات في تونس عن مساع أجنبية لخفض التوتر والحفاظ على التجربة التونسية. وأشارت تقارير إلى لقاءات في الدوحة خلال ديسمبر الماضي، شارك فيها كل من رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، ورئيس الهيئة السياسية لحركة نداء تونس، حافظ قائد السبسي، دون أن يجتمعا في مكان واحد. وكان هدف اللقاءات وفق هذه التقارير، إعادة العلاقة المتوترة بين الحركتين.

في نفس السياق، يقول الحبيب بوعجيلة، إن حضور الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (اتحاد أرباب العمل) والاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر نقابة عمالية في تونس) يفسر وجوب الاستماع للأطراف الاجتماعية.

ويذهب الحناشي في ذات الاتجاه بشأن سعي أطراف خارجية لحلحلة وضعية الاحتقان في تونس، وقال “يبدو أن أطرافا خارجية (لم يسمها) تسعى لإنقاذ الموقف”، مضيفا أن “المسألة ليست مرتبطة بتونس بل بكل الإقليم، السودان، الأردن ولبنان بلدان تشهد توترات، وتونس مرشحة لأن تكون أكثر توترا”، في ظل الظروف الراهنة والفجوة الكبيرة بين الطبقة السياسية وبقية المجتمع، الذي يشهد بدوره تغييرات اجتماعية وتفاوت طبقي وأوضاع معيشية صعبة تغذي كل مسببات الفوضى وانعدام الأمن.

6