التهدئة بين إسرائيل وحماس أقرب من أي وقت مضى

الحاجة لتثبيت الهدنة تتطلب كبح الرافضين لها، ومصر مشغولة بالتوفيق بين المسارات المختلفة.
الخميس 2018/08/16
العيون شاخصة نحو غزة

القاهرة – بات قرار التوصل إلى هدنة بين إسرائيل وحركة حماس، أقرب من أي وقت مضى، رغم أن المواقف السياسية الظاهرة بين الطرفين خلال الأيام الماضية تعمدت التلويح إلى أن الفجوة لا تزال متباعدة، ويحاول كل طرف تصوير الأمر كأنه يتجرع السم لتسويق الاتفاق محليا.

وحمل اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي، الأربعاء، جملة من المواقف المتناقضة التي توحي بأن التهدئة قرار صعب على حكومة بنيامين نتنياهو، وإن كانت تمثل تنازلا من حماس، التي تحاول ممارسة اللعبة ذاتها.

وأكدت مصادر على دراية بالمفاوضات الماراثونية، التي جرت في السر والعلن مؤخرا، لـ“العرب”، أن الهدنة باتت مطلبا إسرائيليا وحمساويا وأميركيا وأمميا ومصريا، كل طرف يجد فيها مصلحة عاجلة، لذلك تبذل جميع الأطراف جهودا مضنية لتجاوز العقبات التي تعتريها، من قبل المتطرفين في إسرائيل وبعض قيادات حماس الرافضة لها.

وأضافت “من الصعوبة تصوير المسألة على أنها أحرزت تقدما من أول جولة، وإخراجها بالطريقة التي تؤكد صعوبتها ينسجم ضمنيا مع مواقف غالبية القوى المنخرطة فيها”.

ومن غير المستبعد أن يتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي قرارا بإجراء انتخابات مبكرا، ما يفرض عليه الدخول في معركة داخلية شرسة، لذلك يريد ألا يخوضها وهو محمل بأثقال غزة، ويبدو كمن قدم تنازلا لحماس.

ويبحث نتنياهو إمكانية الذهاب إلى هذه الانتخابات، على خلفية الأزمة الائتلافية في حكومته خاصة بسبب مشروع “قانون التجنيد”، لهذا يحتاج إلى وقف إطلاق نار في غزة، كي يخوضها على أساس توفيره أمانا نسبيا للإسرائيليين في محيط غزة، دون حاجة للدفاع عن نفسه بأنه تخلى عنهم وتركهم عرضة للصواريخ الفلسطينية والبالونات الحارقة.

محمد مجاهد الزيات: ما تواجهه الهدنة من صعوبات يرتبط أيضا بالخلافات داخل حماس
محمد مجاهد الزيات: ما تواجهه الهدنة من صعوبات يرتبط أيضا بالخلافات داخل حماس

وسمحت إسرائيل باستئناف دخول البضائع التجارية من معبر كرم أبوسالم إلى غزة، الأربعاء، في إشارة توحي برغبة في تخفيف التوتر، والإيحاء بأن التعامل الرسمي مع التهدئة يحمل جدية كبيرة.

وقال أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي “ما دام سكان إسرائيل ينعمون بالأمن والهدوء فإن ذلك سيعود عليكم بالفائدة يا سكان غزة.. وإذا استؤنف العنف فستكونون أول من يخسر”.

ويسوق نتنياهو التهدئة على أنها تخرج حماس من المعادلة العسكرية وتسكين سلاح المقاومة، بينما يسيطر القلق على بعض أعضاء حكومته، بحجة استغلال حماس لها لإعادة بناء ترسانتها من الصواريخ، وهو أمر غير دقيق لأن الوضع في غزة مع التهدئة وضخ المساعدات سوف يتم التعامل معه بما يضمن سد هذه المشكلة.

ويقول البعض من المراقبين “غير منطقي أن تتكاتف قوى إقليمية ودولية لمساعدة حماس لتضخيم ترسانتها وتمدد مشروعها، فالوضع سيكون تحت السيطرة بما يردم هذه الثغرة تماما، وإذا تصورت الحركة أنها قادرة على المناورة بما يمكنها من الحصول على الأسلحة بحرية، من أي جهة، عقب رفع الحصار، ستكون ساذجة، فهناك ترتيبات صارمة في هذا المجال”.

ولفتوا أيضا إلى أن إسرائيل ليس من مصلحتها نزع سلاح حماس تماما، كي لا تفقد مبررات هجومها على غزة عندما تريد الهروب من أي مأزق داخلي، وبعد استثمارها في توفير الأجواء المناسبة لتوجيه جزء من سلاح الحركة لصدور الفلسطينيين يبدو وجود السلاح في المخازن مطلبا مهما لها (إسرائيل) لتوظيفه عند اللزوم.

وتريد حماس حصد مكاسب سياسية بعيدة عبر رهانها على إجراء انتخابات فلسطينية، كخطوة تالية، تكتسحها وتكرس نفوذها في القطاع والضفة الغربية، وترى أن تعامل إسرائيل والولايات المتحدة والأمم المتحدة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة معها، يمنحها بريقا سياسيا على المستوى الدولي هي في أمس الحاجة إليه.

وقال محمد جمعة المتخصص في الشؤون الفلسطينية، إن فرص صمود التهدئة قوية، لأن حماس وافقت عليها فعلا، عندما تأكدت أنها ستحقق رغبتها في استمرار سلطتها في غزة على الأقل، من دون أن تضطر للاعتراف مباشرة بإسرائيل، وهو ما تحاول تسويقه لجمهورها في إطار مشروع التحرير الكبير الذي بنت تواجدها على أساسه.

ويشعر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالإحباط لتراجع فرص نجاح “صفقة القرن”، وأصبح مقتنعا أن التهدئة من الممكن أن تكون الباب المناسب لتطوير مبادرته، فضلا عن تقليص أجنحة إيران في المنطقة، عبر عزل حماس عنها نسبيا، في ظل مواجهته مع طهران.

ويسعى نيكولاي ميلادينوف مبعوث الأمم المتحدة للسلام في الشرق الأوسط، إلى تحقيق إنجاز أممي، يعزز دور المنظمة الدولية في العمل الإنساني، وقد يكون مفتاحا لعمل سياسي كبير، من نوعية إحياء عملية السلام في المنطقة، تشارك فيها قوى دولية عديدة.

وترى مصر التهدئة مطلبا مهما يخفف أعباء غزة عليها، ويفتح المجال لمصالحة فلسطينية، تمهد لاستئناف الحديث عن مفاوضات جادة للسلام، وتغيير المعادلة الفلسطينية القلقة منذ سنوات، والتي أرخت بتداعيات سلبية على الداخل المصري.

ويعتبر فتح كرم أبوسالم وإدخال البضائع منه خطوة مهمة للقاهرة، لأن ذلك يساهم في تخفيف الضغوط الواقعة عليها، خشية استئناف حفر الأنفاق الواصلة بين رفح الفلسطينية ونظيرتها المصرية مرة أخرى، وتحول الغلق المتكرر لمعبر رفح، عقب توالي غلق أبوسالم، إلى منفذ لدخول البضائع، ما يعد إرهاقا لمصر التي ترى فيه منفذا لعبور الأفراد فقط، وضرورة أن تتحمل إسرائيل مسؤوليتها القانونية كجهة احتلال.

وأشار الباحث محمد جمعة لـ”العرب”، إلى أن التهدئة لا تواجه مأزقا بسبب قبولها من جانب حماس وإسرائيل، لكن مأزقها الحقيقي يأتي من ارتباطها بالمصالحة بين فتح وحماس، والتي تمثل رغبة مصرية ملحة، لأن إتمام الأولى على أرضية استمرار الانقسام سوف يؤدي إلى انفصال قطاع غزة عمليا.

ويقول متابعون إن مصر تخوض اختبارا صعبا، فهي تسعى لتثبيت التهدئة وإنهاء الانقسام ونجاح المصالحة والعودة إلى مفاوضات السلام في حضور السلطة الفلسطينية، والحفاظ على أمنها القومي وحمايته من أي انفلات يجتاح غزة، وسط ما يتم تداوله من وجود انقسامات في صفوف حماس حول التهدئة قد تعصف بها.

وأكد محمد مجاهد الزيات مدير المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط بالقاهرة سابقا، لـ”العرب”، أن ما يواجه تمرير الهدنة يرتبط أيضا بالخلافات الداخلية في حركة حماس أيضا، لأن هناك طرفين، أحدهما يوافق على التهدئة باعتبارها مكسبا وتضيف للحركة، والآخر يرى أن تفاوض حماس منفردة مع إسرائيل يعيدها إلى نفس الدور الذي كانت تقوم به حركة فتح وكانت تنتقدها على ذلك.

2