التهديدات الأمنية تطارد فرص إنعاش الاقتصاد العراقي

رجال الأعمال يشكون الأساليب المتحجرة في إدارة الاقتصاد في ظل مطالبات بتسريع مكافحة الفساد والبيروقراطية لتحسين مناخ الأعمال.
الخميس 2018/03/29
نقطة انطلاق بعيدة

لندن - تواجه الحكومة العراقية تحدّيات شاقة في طريق إصلاح اقتصاد البلاد المنهار، أبرزها استمرار التهديدات الأمنية رغم استعادة جميع الأراضي التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش.

وتشير تقارير عالمية إلى قدرة الحكومة على معالجة أزمات البطالة والفقر وتحسين المستوى المتدني للخدمات ومكافحة البيروقراطية والفساد لا تزال محدودة، وهي مفتاح طي صفحة الماضي وتحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي.

ويؤكد داود الجميلي، رئيس مجلس الأعمال العراقي، أن “الاستثمار والأمن وجهان لعملة واحدة، فعندما نعمل على إنعاش الاقتصاد والقضاء على البطالة، سيتطلع الناس إلى إعادة بناء حياتهم بدلا من البحث عن القتال”.

وتقلصت أعمال العنف في العاصمة بغداد إلى أدنى مستوياتها منذ 2009، حيث تمتلئ الشوارع والمطاعم بالناس الذين يتوقون إلى الخروج في ظل حالة التفاؤل التي تنتشر في البلاد حاليا.

ويمتلك العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، إمكانيات واسعة لجذب المستثمرين الأجانب، بفضل عدد السكان البالغ نحو 40 مليون نسمة، وهو ما يجعله واحدا من أكبر الأسواق الاستهلاكية في المنطقة العربية.

وتخطط الحكومة لإنفاق عشرات المليارات من الدولارات على إعادة الإعمار، لكنّ محللين يقولون إن الفرص لجذب الاستثمارات لن تتضح لحين إجراء الانتخابات في شهر مايو المقبل لمعرفة المسار الذي سوف تسلكه البلاد.

 

يجمع محللون على أن التهديدات الأمنية لا تزال تطارد فرص إنعاش الاقتصاد العراقي المنهار، رغم إمكاناته الكبيرة والخطط المتفائلة التي وضعتها الحكومة لإعادة الإعمار والخروج من دوامة الأزمات على مدى عقود من الحروب المتلاحقة التي دمّرت جميع مرافق الحياة

ونسبت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إلى دبلوماسي غربي أثناء زيارته لبغداد قوله إن العراق من أكبر الوجهات الاستثمارية الواعدة في الشرق الأوسط.

ودمّرت الحرب على داعش مساحات شاسعة من البلاد، ولا يزال هناك أكثر من مليوني نازح لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم حتى الآن، إضافة إلى الملايين من الشباب الذين يعانون البطالة.

ويعيش أكثر من 30 بالمئة من سكان العراق في فقر مدقع، وتتضاعف تلك النسبة في المناطق التي تم تحريرها من قبضة تنظيم داعش.

ويرى محللون أن الحكومة إن لم تتمكن من إنعاش الاقتصاد بطريقة مستدامة، فإن حالة الاستياء بين الشباب قد تعيدهم إلى الانضمام إلى فصائل المتشددين التي لا يزال بعضها نائما في أنحاء من البلاد.

ونسبت فايننشال تايمز إلى المحلّلة في مجموعة الأزمات الدولية إليزابيث ديكنسون قولها إن العراق يتمتع بإمكانات كبيرة لاستقطاب الاستثمارات، لكن ذلك لن يدوم لأكثر من بضعة أشهر إذا لم يتم تعزيزها وبناؤها عبر تنويع قاعدة الحلفاء والمستثمرين.

وتظهر التحديات بوضوح في مناطق مثل الرمادي الواقعة غرب بغداد التي تحاول إخفاء الجروح الغائرة التي خلفتها حرب تحريرها من داعش من خلال طلاء بعض المباني المتهالكة.

ويبدي إبراهيم الجنابي قائمقام الرمادي مركز محافظة الأنبار والعديد من المسؤولين الآخرين قلقهم المتواصل إزاء أعداد العاطلين الذين مازالوا يعيشون في خيم بجوار أنقاض مساكنهم.

وقال الجنابي “نحن نفكر في الشباب الذين أضحوا دون مال ولا منزل ولا عمل والذين سيبدأون قريبا بالبحث عمن يُلقون عليه باللوم في ما حصل لهم”.

داود الجميلي: الاستثمار والأمن وجهان لعملة واحدة وتعزيزهما يؤدي إلى معالجة البطالة
داود الجميلي: الاستثمار والأمن وجهان لعملة واحدة وتعزيزهما يؤدي إلى معالجة البطالة

وحتى لو تراجعت المخاوف الأمنية، فإن الحكومة لا تزال أمامها مهمات صعبة وشاقة للغاية، في ظل استمرار استشراء الفساد والبيروقراطية في مفاصل الدولة.

ويشكو السكان من أن رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي يسعى للفوز بولاية ثانية، تمادى كثيرا في زيادة معاناتهم من خلال فرض الضرائب وإجراء إصلاحات قاسية وأنه يخاطر بفقدان أصوات الناخبين في انتخابات مايو.

ويقول رجال أعمال ودبلوماسيون إن بطء خطوات تعزيز الاستقرار أضرّ بجهود جذب التمويل في مؤتمر إعادة الإعمار الذي عُقد في الكويت، حين تلقت بغداد تعهدات بقيمة 30 مليار دولار فقط بعد أن كانت تطمح إلى جمع 88 مليار دولار.

وأصيب رجال الأعمال بالإحباط لأن الحكومة تجاهلت نصائحهم قبل المؤتمر بتقديم قائمة تضم 10 مشاريع فقط ذات جدوى مع تقديم خطط مفصلة لتبسيط أنظمة العمل وتشجيع المستثمرين.

وأصرت بغداد على تقديم أكثر من 150 مشروعا محتملا خلال المؤتمر. وعلل أحد رجال الأعمال العراقيين ذلك بالقول إن “الحكومة رفضت تقليص القائمة، لأن كلا من تلك المشاريع الاستثمارية لديها مؤيدون”.

وأضاف “لقد عقدنا العديد من المؤتمرات، التي تروج لإمكانات العراق الاستثمارية، لكننا لم نتمكن من ترجمتها إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع”.

ويبدو أن تلك الخلافات ليست الوحيدة التي تكبل تحريك عجلات الاقتصاد. ويقول البعض إن أجهزة الدولة لا تزال تدار بعقلية متحجرة تنتمي إلى عهد النظام السابق وإن ذلك يمنع إحراز أي تقدم.

ويرى مستثمرون عراقيون أن إرث حزب البعث حين كانت الدولة تمتلك معظم الأراضي وتدير معظم النشاط الصناعي، يكبل إمكانية تحسين مناخ الأعمال. وحذروا من أن منافسة الشركات الحكومية، للقطاع الخاص تعرقل جذب الاستثمار.

صندوق النقد الدولي: نتوقع تحسن الآفاق الاقتصادية للعراق إذا توفرت بيئة أمنية مواتية
صندوق النقد الدولي: نتوقع تحسن الآفاق الاقتصادية للعراق إذا توفرت بيئة أمنية مواتية

وقالت سيدة الأعمال العراقية زينب الجنابي “علينا تحديد هويتنا بشكل واضح، هل نحن دولة اشتراكية أم رأسمالية؟”.

وأوضحت أنه إذا رغب المستثمر في الحصول على موافقة لمشروع ما، فيجب عليه أن يسلك طريقا طويلا، ومن المحتمل أن ينتهي إلى لا شيء في نهاية المطاف بعد مجهود طويل.

ويعيد الكثيرون استذكار لحظات التفاؤل التي تلاشت بسبب نوبات متجددة من العنف، لكن لا يزال هناك أمل، بحسب المتابعين للشأن الاقتصادي العراقي.

وأكد أحد الدبلوماسيين أن العراق عليه أن يسلك طريقا شاقا وإجراء تغييرات كثيرة للخروج من الدائرة التي حبس نفسه بداخلها، وهذا لن يحدث خلال وقت قصير، ومع ذلك يظل الأمل موجودا.

ويرجح صندوق النقد الدولي أن تتحسن الآفاق الاقتصادية للعراق إذا توفّرت بيئة أمنية مواتية، وهو يتوقع تسجيل نمو اقتصادي بنسبة 2.9 بالمئة هذا العام وهي نسبة ضئيلة في ظل أوضاع العراق.

10