التهديدات الإرهابية في مصر: سيناريو إخواني وتنفيذ جهادي

الأربعاء 2014/04/16
لم يعد التفريق واضحا بين الجهاديين والإخوان نظرا للتنسيق المتواصل بينهما حتى في السجون

القاهرة - لم تتوقف العمليات الإرهابية التي تنفذها الجماعات المتشددة بعد سقوط الإخوان وعزلهم عن سدة الحكم بعد ثورة 30 يونيو. بل إن منسوب الهجمات قد ارتفع بشكل ملحوظ متجاوزا بذلك حدود سيناء لتطال الانفجارات قلب القاهرة، مايشي حسب عدة قراءات وتحاليل بإمكانية أن تكون تلك التيارات متورّطة في تنفيذ أجندة الإخوان، ليصبح الأمر تبادلا للأدوار بين الجماعة التي تخطط للسيناريو والجهاديين الذين يتكفلون بتنفيذه. وهي جدليّة تظهر وتختفي حسب حاجة الإخوان السياسية والميدانية لها.

تنامى لدى القيادات الجهادية علم بأن شيئاً ما سيحدث في الـ 25 من يناير، وتأهّبوا بالفعل لذلك. ففي حواره المسجل مع المحقق الأمني، قال علاء شتا، القيادي الجهادي: “هاتفني أحد الإخوة في تنظيم الجهاد، وأخبرني بأنّ هناك شيئاً كبيراً سيحدث، وأنّه يتوقع أن يكون يوم الـ 25 من يناير”.


تحالف "الهروب"


يروي عبدالناصر أبو الفتوح، الجهادي الذي أخرج الرئيس السابق محمد مرسي من السجن، قائلا: “أطلق حرّاس السجن النيران بكثافة كي تنفد الذخيرة التي كانت معهم، وبذلك يظهر الأمر وكأنّهم قاموا بمُقاومتنا حتّى نفدت ذخيرتهم.

نجحت الجماعة في شق صف الجهاديين من خلال إقناعهم بالاصطفاف خلفها والتخلي عن عقيدة «فورية تطبيق الشريعة» واستبدال ذلك بالتدرج في التطبيق

وبمجرد نفاد الذخيرة انسحبوا نهائياً، وكان هذا في فجر يوم 29 يناير 2011، فهدأ صوت الرصاص، ولم نجد لهم وجوداً، ثم سمعنا صوت أقدام من خارج السجن، وصوت هرج من النّاحية الخلفية للعنبر وسط الظلام، وأعطى ضباط الحراسة مفاتيح العنابر للمسير -وهو كبير الجنائيّين- وسمعنا خارج العنابر أصوات أشخاص يجرُون. لكن لم نتبين شيئاً، لأنّنا كنّا في آخر عنبر، وكنا نسمع من فتحات الباب خروج السّجناء السياسيين والجنائيين، ولم نتمكّن من الخروج، لأنّ الباب كان مغلقاً، وفي تمام السّاعة التاسعة من صباح ذلك اليوم، وجدنا أُناساً يمرون من أمامنا، ومعهم سلالم وأدوات هدم: شواكيش ومرزبات، فطلبنا منهم المساعدة ففتحوا جدار الزنزانة وخرجنا منها واحداً تلو الآخر”.

ويصف أبو الفتوح هؤلاء الأشخاص الذين ساعدوه على الخروج، فيقول: “من لهجتهم وملابسهم، أعتقد أنّهم من سكان المنطقة المُحيطة بالسجن من العرب والبدو”، ولم يستطع أبو الفتوح -على حد قوله- أن يُحدّد هوية المقتحمين، حيث يفسّر ذلك بالقول: “كنت في حالة ذهول شديدة، حيث أصبح السجن شبه خالٍ، فذهبت إلى (عنبر 3)، الذي كان يضمّ القيادات الإخوانيّة، فوجدت أنّهم لم يخرجوا بعد، فأحضرت سلماً كان موجوداً داخل السجن، وصعدت به على جدار العنبر، وقمت بإنزاله لهم من الناحية الأخرى، وصعدوا الواحد تلو الآخر بصعوبة شديدة، ورافقتهم من ثمّة حتى خارج السّجن، وقد وجدوا في انتظارهم العديد من السيارات التي أتت من مدينة السادات لتُقلّهم، فشكروني على ما قمت به معهم، ووفّروا لي سيارة كي تُقلني إلى أقرب مكان”.


اختراق "الجهاديين"


بدا أن الجماعة نجحت في شق صف “إخوة الجهاد” خلال المرحلة الانتقالية، وذلك بإقناع البعض منهم بالاصطفاف خلفها، والتخلي عن عقيدة فورية وحتمية: “تطبيق الشريعة” واستبدال ذلك بالتدرج في التطبيق، ودفعهم إلى تشكيل عدد من الأحزاب السياسية، إلاّ أنّ الجزء الأهم في التيّار ظلّ متمسّكاً بعقيدته، مُصراً على حرمة الدخول إلى براثن اللعبة السياسية باعتبارها “كُفراً صريحاً”.

بنت التنظيمات الجهادية بالتنسيق مع الإخوان، فلسفتها للاستحواذ على السلطة، على سرعة انهيار النظام الأمني للبلاد عبر الهجمات الإرهابية النوعية

ودفعت حالة الفراغ الأمني إضافة إلى الزّخم الذي شهدته البلاد بعد الثورة، إلى عودة فصيل من التيار الجهادي إلى عادته القديمة، وسرعان ما شكل هذا التيّار تنظيماً ربط أعضاءه بتنظيم القاعدة العالمي، خاصّة في بلاد المغرب بقيادة أبي مصعب عبدالودود، ووضع خطّة لضرب نقاط الضعف في الأمن القومي المصري، وبنى فلسفته على سرعة انهيار الأمن العام في البلاد، ممّا يتيح له إعلان إمارة إسلامية في مصر.


تنفيذ أجندة الإخوان


قال شحاتة أبو تريكة (أحد أعضاء تنظيم جهادي أُطلق عليه إعلامياً اسم “تنظيم الحج”) إنّه يمتلك تسجيلاً صوتياً لحوار دار بينه وبين أحد زعماء التيارات الجهادية في مصر، يكشف له فيه عن قرب عملية جهادية كبيرة سوف تحدث في مصر خلال أيّام، وذلك قبل القبض على خليّة مدينة نصر. كما أخبره بأنه يقف وراء استهداف الجنود في رفح وقسم العريش.

ويوضح أبو تريكة قائلا: “في شهر سبتمبر من العام الماضي اتصل بي أحد الزعماء الجهاديين، ودعاني للحضور إلى منزله، وعندما وصلت إليه وجدت عادل عوض شحتو (أحمد المتهمين في خلية مدينة نصر) ومعه أحد قيادات الجماعات الجهادية، فعرفت أن هناك شيئاً يُدبّر”.

وتابع: “سألته عن سبب الاجتماع، فأخبرني بأنّ هناك عملية قريبة ستغير مصر، فقلت له: لكن مرسي أفرج عنا ووعد بتطبيق الشريعة فيجب أن نقف معه لا أن نقف ضده؟ فأجاب: مرسي كافر ولا يطبق شرع الله، وبعد ذلك سأخبرك بكل شيء. ثم طلب مني مليون جنيه لدعم الجهاد، فاشترطت عليه معرفة الجهة التي سأدفع لها المبلغ.

فأخبرني بأنّهم الإخوة في سيناء. فقلت: وماذا يفعل الإخوة في سيناء؟ فأجاب: هم الذين ضربوا قسم العريش والبوليس الدولي والجنود في رفح، وكلّ يوم هم يضربون جنديين أو ثلاثة”.

وأضاف: “كنت أول من أرشد عن أول الخيط في الخلية، وذهبت بعد ذلك إلى اللّواء أحمد سالم، مدير أمن القليوبية وقتذاك، وكنت على معرفة به عندما كان رئيسا لمباحث السجون، وأخبرته بالقصّة فنصحني بأن أتوجه إلى جهاز الأمن الوطني، لأنّ الموضوع خطير. وأرسلني إلى عمرو الخولي، الضابط بالجهاز، الّذي أخبرته بالقصة كاملة، فأرسلني بدوره إلى محمد القوصي. ثم أخبرني الخولي بعد ذلك بأنّه سيقوم بمتابعة الموضوع. وعرفت بعد ذلك منه أنّه قال له: “سيبك من القصة دي إحنا عملنا اللّي علينا”.

وأردف أبو تريكة قائلا : “ذهبت لمحمود عزت، نائب مرشد الإخوان، بعد أن فاض الكيل، وأخبرته بما جرى وبأنّه لا بد من أخذ الاحتياطات قبل أن تقع الكارثة. وكان معه أكرم الشاعر، القيادي في حزب الحرية والعدالة، فأخذني الشاعر إلى محمد سعد الكتاتني، رئيس حزب الحرية والعدالة، وأخذ رقم هاتفي وأخبرني بأنّه سيتم الاتصال بي في وقت لاحق”، مضيفاً: “لم يتصل بي أحد فقمت بالاتصال بسعد عليوة، القيادي الإخواني، وأخبرته بالموضوع فحدّد لي موعداً في شقّة يلتقي فيها قيادات الإخوان بمدينة نصر أمام حديقة الطفل.

وعندما وصلت اتّصل بي أحد الأشخاص وأخبرني بأنّ شخصاً ما سيأتي أمام الحديقة، وفوجئت بمحمد البلتاجي، أمين حزب الحرية والعدالة، وهو قادم إليّ، فشرحت له الموضوع وأعطيته «سي دي» عليه تسجيل المكالمة”. كان اللافت المشترك بين كلّ هذا، هو أنّه لم يُستدعَ أحد للتحقيق، لتظل علاقة الإخوان بالجهاديين غامضة.


خلاصة بحث صلاح الدين حسن “الإخوان والجهاديون بين تباعد وتقارب” (مارس 2014) الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث ـ دبي.

13