التهديدات المباشرة تحدد الرؤية العربية لدول الجوار

تركيز على إيران وتركيا وإغفال للخطر القادم من العمق الأفريقي.
الأحد 2020/03/22
ألغام كثيرة على الجانب الآخر من الخارطة

تغيرت في السنوات الأخيرة صورة خارطة التهديدات الإستراتيجية المحيطة بالدول العربية، ودخلت دول جديدة، أفريقية أساسا، ملعب التأثير في الأمن الإقليمي للدول العربية، سواء من حيث سياسات بعض هذه الدول، مثل إثيوبيا وقضية سد النهضة، أو من حيث دور بعضها على غرار الصومال وإريتريا وتشاد ومالي وجنوب السودان، كطرف ثالث في أجندات تركية وإيرانية توسعية على حساب أمن المنطقة.

القاهرة – أصبح تقسيم التهديدات الإقليمية إلى مباشرة وغير مباشرة عملية غير دقيقة، فالمحصلة النهائية تكاد تكون واحدة، لأن الأمن القومي العربي لا يحتمل رفاهية توزيع أدوار أو تقسيمات هيراركية، في ظل التحركات السريعة التي تقوم بها بعض دول الجوار الإقليمي، وحرصها على تكتيل الأوراق مع دول كبيرة وصغيرة، وقدرتها على استغلال مكونات داخلية في تغيير دفة بعض القضايا، وتبديل سلم الأولويات في ملفات مصيرية. ولم تعد فكرة الدولة ككيان واحد هي التي تلعب الدور الوازن فقط، فهناك حركات وجماعات وعناصر محلية لها امتدادات خارجية تمثل تهديدا حقيقيا على الأمن القومي العربي.

ينحصر الاهتمام السياسي بدول الجوار الإقليمي منذ فترة طويلة في إيران وتركيا وإسرائيل ومؤخرا اتجهت البوصلة نحو إثيوبيا، في المقابل، لم يسجّل اهتمام مماثل بدول تحتل مساحة جغرافية موازية وربما أكبر في منظومة الجوار العربي الممتدة، مثل جنوب السودان وإريتريا وتشاد والسنغال ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وكينيا، وكلها تملك حدودا مع دول عربية وتتفاوت درجة تأثيراتها على محيطها العام، ويؤدي خروجها من الحسابات الراهنة إلى خلل تترتب عليه عواقب وخيمة.

حزام الخطر

خطر داهم
خطر داهم

انصبت الكثير من التقديرات على المخاطر التي تمثلها المجموعة الأولى ويمكن وصفها بالتقليدية من زاوية ترديدها في الأدبيات السياسية على الدوام، لأنها مرتبطة برغبة في الهيمنة على مقاليد القرار العربي والسيطرة على المقدرات والثروات من خلال التوسع عبر أدوات متباينة، زادت في الآونة الأخيرة مع ارتفاع طموحات وأطماع هذه المجموعة.

خرجت إثيوبيا لفترة منها، أو لم تكن محل اهتمام جدي، باستثناء ارتباطها بحديث متواتر تردد حول وجود علاقات قوية بينها وإسرائيل كرأس حربة للتغلغل في القارة الأفريقية. ومع سخونة الأزمة بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة بدأت الأخيرة تدخل حزام الخطر، ويصنف البعض تطلعات قيادتها السياسية على أنها تحمل تهديدات مبطنة لبعض الدول العربية مستقبلا.

لم تحتل دول الجوار الإقليمي في المجموعة الثانية الأهمية ذاتها، مع أن بعضها به غالبية مسلمة مثل مالي والسنغال، أو به نسبة تتحدث العربية بطلاقة مثل تشاد وإريتريا وجنوب السودان، ويظهر التركيز على أي منها عندما تقدم على خطوة سياسية أو أمنية مثيرة للدولة العربية المجاورة أو تدخل في نزاع معها، وفي هذه الحالة ينصب الاقتراب من هذه الدولة العربية أو تلك التي يقع عليها الضرر، أو تحدث لها أزمة من وراء الحدود المشتركة.

الأمن القومي العربي لا يحتمل رفاهية توزيع أدوار أو تقسيمات هيراركية، في ظل التحركات السريعة التي تقوم بها بعض دول الجوار الإقليمي

تحتل إيران وتركيا وإسرائيل حيزا متفاوتا في الأجندة العربية وفقا لما تمثله كل دولة من تأثير على الأمن القومي العربي الذي تراجعت الالتحامات العامة معه وسط انشغالات إقليمية عدة، ولم يعد يحتل أهمية كبيرة في طريقة التفكير الجماعي، مع ذلك لا تزال الكثير من الحسابات الإستراتيجية تدور في فلك التهديدات التي تحملها الدول الثلاث ذات الأوزان المترامية في مفهوم القوة الشاملة، ومرجح أن تلحق بها إثيوبيا عقب حملة دبلوماسية قامت بها القاهرة أخيرا حصلت فيها على دعم عربي معنوي لموقفها في أزمة سد النهضة.

يقلل نجاح الدول الأربع (إيران وتركيا وإسرائيل وإثيوبيا) في توطيد العلاقات مع بعض الدول العربية، من تشكيل موقف قوي ضد أي منها عند احتدام أزمة ما، فلكل دولة إقليمية قنوات وأذرع تخفف من حدة مواجهتها المحتملة عربيا، الأمر الذي مكّن طهران من تفويت فرص عديدة على تقليص نفوذها ووقف تدخلاتها السافرة، وساعد أنقرة على تخفيض سقف استهدافها، وأسهم في تغيير وضع تل أبيب من عدو فعلي إلى محتمل، وجعل أديس أبابا تقف صامدة في مواجهة التدابير السياسية التي تقوم بها مصر إقليميا ودوليا.

مصالح متداخلة

انشغال بترتيب الوضع الداخلي
انشغال بترتيب الوضع الداخلي

يظل الموقف العربي من الدول الأربع محكوما برؤى بعض القوى الدولية المؤثرة، والعلاقات المتشابكة مع الطرفين، العربي وجواره الإقليمي، ناهيك عن شبكة المصالح المتداخلة سرا وعلانية، ما يجعل من التفاعلات الإيجابية والسلبية غير بعيدة عن المعادلة المتعلقة بتوازنات تدخل في إطار المسموح والممنوع على الساحة الدولية، ضمن صيغة تشبه “الفيتو” أو الاعتراض عندما تتجاوز خطوات طرف ما حدا معينا حيال الآخر.

بدأت تطرأ على فكرة دول الجوار الإقليمي التقليدية تحولات مهمة في السنوات الأخيرة، حيث أدخلت إليها تدريجيا دول المجموعة الثانية بكل ما تنطوي عليه من إمكانيات ومحددات مؤثرة في صميم الجغرافيا السياسية للدول وما يرتبط بها من تداعيات عربية، فقد أضيفت إريتريا بعد استقلالها عن إثيوبيا كدولة جوار، ثم أضيفت دولة جنوب السودان.

انهكمت الدولتان الوليدتان في ترتيب أوضاعهما الداخلية لسنوات، ولا تزالان كذلك، رغم مضي نحو عقدين على استقلال الأولى، وعقد على انفصال الثانية. ومع أن حالة عدم الاستقرار التام لها انعكاسات على دول الجوار العربي، غير أن خطورتها تأتي مما يسبّبه الترهل السياسي والتدهور الأمني من تهيئة الأجواء لتدخلات تقوم بها دول إقليمية تسعى لتقويض الأمن القومي العربي من ناحية الأطراف، كما هو الحال مع الصومال وجوارها، وهي دولة عضو في جامعة الدول العربية، وتحوّلت إلى مطمع لكل من إيران وتركيا، وأخفقت كل المحاولات الرامية لتسوية أزمتها الداخلية، وتحوّلت إلى ساحة تستغلها دول الجوار الإقليمي لتصفية الحسابات، وتهديد الأمن العربي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

دخلت بعض المستجدات التي زادت من أهمية الالتفات لدول مثل تشاد ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى والسنغال، فهذه الدول أصبحت فضاء لنمو التنظيمات المتشددة وبؤرة لجذب الإرهابيين من مشارب متعددة، بما يعد بمثابة خطر واضح على جوارها العربي، ليبيا والجزائر والسودان التي تعج بنشاط ملحوظ للمتطرفين، وتنتعش على أراضيها قوى إسلاموية منظمة وعابرة للحدود، تضع نصب أعينها دوما الاستحواذ على مفاصل القرار دون اعتبار للهوية العربية، وتبديلها بهوية فضفاضة تندرج تحتها عناوين دينية حمالة أوجه.

تسبب تلاحم بعض المقاربات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تقدمها إيران وتركيا مع هذه الدول في زيادة التأثيرات القاتمة على الأمن القومي العربي، وهو ما جعل هاتين الدولتين الأشد خطرا الآن، وفرض الانتباه للأهمية التي تمثلها دول جوار أخرى تبدو بعيدة، وعدم التفريط في إقامة علاقات وطيدة معها، لأن مواصلة إهمالها يحولها إلى لقمة سائغة في فم طهران وأنقرة، وبعض الأدوات العربية التي يتم تسخيرها لخدمة كل منهما، وربما قطر والتنظيمات الإسلاموية هما الذراع الأساسية التي يتم الاعتماد عليها حاليا.

تحتاج الدول العربية التي ترى في دول الجوار الإقليمي التقليدي تهديدا مباشرا إلى مد بصرها للدول الأخرى (الصغيرة) التي يمكن أن تتحول إلى صيغة قريبة من نظيرتها الكبيرة في حالة استمرار تجاهلها عربيا، فدول المجموعة الثانية في إطار تصنيفها كأقل خطورة لا تزال هناك فرصة لتعزيز العلاقات معها لقطع الطريق على استمرار توظيفها من قبل المجموعة الأولى أو بعض دولها، الأكثر خطورة.

يمكن تعميم فكرة السلام والتنمية التي تتبناها دولة الإمارات العربية المتحدة وحققت نجاحا في تسوية الأزمة بين إريتريا وإثيوبيا، في حالة جنوب السودان التي أرهقتها الحرب الأهلية، وتتطلع إلى تلقي مساعدات اقتصادية سخية تشجع على بناء مشروعات تنموية قبل أن تتجه أنظار تركيا وإيران إليها، لأنها واحدة من الدول المحورية في شرق ووسط أفريقيا ومنطقة حوض النيل، وأمنها يرتبط بالسودان ومصر، وتداعياتها السلبية والإيجابية عليهما ليست هينة.

كما أن الاقتراب من تشاد على القاعدة نفسها أمر ملح، لأن شمال هذه الدولة يلاصق جنوب ليبيا، وثمة عناصر متطرفة وجدت ملاذا في البقعة الحدودية المشتركة، وتجاهلها فترة طويلة سيحولها إلى منطقة جذب لتجميع القوى الإرهابية وتخريب كل محاولة تأمل في استعادة الأمن والاستقرار داخل ليبيا والدول العربية المجاورة لها. وتعاني الجزائر من نشاط القوى المتطرفة في مالي التي تحولت إلى بؤرة إقليمية لجماعات متشددة تهدد أمن دول المغرب العربي.

تتطلب هذه التغيرات نظرة واسعة تتخطى المفاهيم التقليدية لدول الجوار، لأن الاهتمام بها يوقف زحف التهديدات الحقيقية التي تمثلها دولتا إيران وتركيا، ويضمن علاقات طبيعية مع دول هناك جملة من القواسم المشتركة معها، وقد تكون إضافة أو عبئا حسب الطريقة العربية، الجماعية والثنائية، التي يتم التعامل بها معها.

سد الفراغ

غياب الدول العربية عن الوضع الليبي يشجع القوى الطامعة للتدخل في البلاد
غياب الدول العربية عن الوضع الليبي يشجع القوى الطامعة للتدخل في البلاد

لم تعد الأوضاع الإقليمية تحتمل تهاونا عربيا أكثر من ذلك، فقد سمح الفراغ العربي لدول الجوار بسد الفراغ بقدرات وإمكانيات متنوعة، تملكها أيضا بعض الدول العربية، غير أن الفرق في الرغبة والإرادة والتنفيذ، الأمر الذي جعل غيرهم يتسللون ويتوغلون إلى ساحات هي في عمق الأمن القومي العربي، من خلال وجود أهداف محددة عملوا على تنفيذها.

تستطيع الدول العربية، مواجهة هذه الثغرة في الفترة المقبلة، مع اتساع نطاق الإنهاك الذي تعاني منه إيران وتركيا بسبب مغامرات كل منهما المتباينة في المنطقة التي تعتمد على أسس عقائدية ومذهبية، بينما الطبيعة العربية بعيدة عن هذه المعاني، وتنطلق من ثوابت تعلي من قيمة حق الجميع في السلام والتنمية.

من الممكن أن يجد هذا الاتجاه تجاوبا مع دول الجوار الإقليمي الساعية للتعاون على أسس المنافع المتبادلة وليس الاستحواذ والسيطرة، وهو أهم ما يميز التحركات العربية، فلا توجد دولة تقريبا تطمح للهيمنة في الوقت الراهن، وكل الدول العربية التي لديها تطلعات وأدوار إقليمية ترفع شعار التعاون والتنسيق وصد التوجهات الغريبة التي تريد إحداث تغييرات في معالم المنطقة العربية والمحيط الجغرافي القريب منها.

ثمة فرصة عربية لنسج شبكة جيدة من العلاقات مع دول المجموعة الثانية، في وقت يبدو فيه النظام الدولي بصدد إعادة تشكيل وتموضع القوى الرئيسية فيه، ولذلك يعد الميل ناحية هذه الدول المنسية إلى حد ما، من المداخل المهمة لتصويب الأخطاء التي ظهرت على جسم الأمن القومي العربي، أفضت إلى استباحته، ولعل استغلال هذه اللحظة بالشكل الإستراتيجي المناسب يغير الكثير من التوازنات التي أخلت به، وشجعت القوى الطامعة على التلاعب بأطرافه.

6