التهريب ثقب أسود ينخر الاقتصاد التونسي

فجر تواصل عمليات التهريب إلى تونس عبر المنافذ الحدودية الجدل مجددا بشأن إمكانية الحكومة الجديدة في التصدي لها ضمن خطة شاملة كان قد أعلن عنها يوسف الشاهد مؤخرا لتعزيز خزينة الدولة “الفارغة” ووضع خطوة على طريق إعادة عجلة النمو إلى الدوران.
الثلاثاء 2016/10/04
خارج الاقتصاد الرسمي

تونس - شكك خبراء في قدرة الحكومة التونسية على شن “حرب” فعلية على شبكات التهريب، المعروفة بتهديدها لاقتصاد البلاد، الذي يمر بأسوأ حالاته.

وأكدت مصادر في الديوانة (الجمارك) التونسية أن ظاهرة التهريب لا يمكن القضاء عليها نهائيا، ما لم يتم إدخال إصلاحات عميقة وجوهرية في صلب الإدارة العامة للديوانة، أحد أهم الهياكل الخاضعة لرقابة وزارة المالية.

وتقول المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، لـ”العرب” إن هياكل إدارة الديوانة ينخرها الفساد من الداخل وإن لوبيات التهريب تعقد شراكات مع كبار ضباط الجمارك إلى حد الآن بحيث يعجز المسؤولون الحكوميون عن تعقبها.

ويأتي هذا التعليق بعد أيام من إعلان رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، عن تدابير عاجلة لإنعاش النمو، من بينها مكافحة ظاهرة التهريب والتجارة الموازية، إلى جانب تجميد أجور الموظفين في القطاع العام لثلاث سنوات قادمة وفرض المزيد من الضرائب على الشركات.

وتستهدف تونس التقليص من حجم الاقتصاد الموازي من 50 إلى 20 بالمئة بحلول 2020، علاوة على تخصيص موارد مالية كبيرة لمكافحة الجريمة المنظمة.

ويجزم اقتصاديون أن الحكومة أمام تركة هائلة من المشكلات تتعلق بالتهريب وعليها تحديد خارطة واضحة المعـالم للحد من هـذه الآفة، التي خصصت لها الحكومـة السـابقة في مايو الماضي، نحو 240 مليون دولار لمحاربتها.

وكشفت تحقيقات قضائية في وقت سابق، أن أكثر من 120 شركة تونسية ودولية تورطت في إغراق الأسواق المحلية بالبضائع المهربة، مشيرة إلى أنها كبدت خزينة الدولة خسائر تقدر بحوالي 750 مليون دولار بسبب تهربها من دفع الضرائب.

منظمة الأعراف: التجارة الموازية تمثل 50 بالمئة من إجمالي رقم معاملات القطاع التجاري

ويؤكد خبراء في هذا الشأن أنه لتنفيذ مثل هكذا مخططات، فإن عمليات تلاعب تتم بمساعدة شبكات كبرى متورطة في التهريب والتهرب الضريبي. وقالوا إن الوسطاء المشاركين في هذه العمليات يحصلون على مبالغ مالية مقابل ذلك.

ويبدو أن القضاء على الظاهرة أمر مستحيل، لكن يمكن الحد منها إلى أدنى مستوياتها، وهو أمر في متناول مصالح الجمارك لو توضع على ذمتها كل الوسائل المادية واللوجيستية والتجهيزات المتطورة.

وبما أن العمل الجمركي بات خاليا من كل الضغوط التي كان يتعرض لها سابقا وأصبح من السهل التعامل مع المهربين من أجل حماية اقتصاد البلاد، فمن المفترض أن يكون ضمن أوائل المتصدين لهذا الظاهرة.

وسعت الحكومات السابقة إلى وضع حد لتغول الفاسدين داخل جهاز الجمارك، ومع ذلك، تشير المعلومات والإحصائيات إلى مدى عجزها طيلة الأعوام الأخيرة عن مكافحة الظاهرة التي تستنزف موارد الدولة سنويا بأكثر من 600 مليون دولار.

ورغم أن عمليات التهريب ليست بجديدة، ففي عهد الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، كانت هذه التجارة قائمة وتنشط تحت أنظار السلطة نظرا لانخراط أصهاره فيها، لكن هذه الانطباعات تعكس مدى استفحالها منذ 2011، وهو ما يزيد من متاعب البلاد.

وتفاقم هذا النشاط يعود إلى عوامل أمنية وسياسية، ولتتحـول المسألة من مجرد متنفس لتخفيف وطأة الظروف الصعبة لسكان المناطق الحدودية إلى تجارة مـوازية تهـدد النمو لما يسبّبه من نزيـف ضـريبي كبير قـد يساعد الدولة على تجاوز محنتها.

ويشدد المختصون على أهمية تطوير المنظومة القانونية لعمل المصالح الجمركية، وهي قوانين بها عدة ثغرات، ودون تغييرها لا يمكن التصدي للتهريب أن ينجح أبدا.

وبما أن المهربين لا يدفعون الضرائب عادة، فإن الخبراء يرون في تحوير الفصل الـ14 من قانون الضرائب أمرا لا مفر منه حتى لا يسمح بطرح أداء فواتير صادرة عن أشخاص يباشرون أنشطة اقتصادية بطريقة مخالفة للتشريعات.

غير أن شقا من آخر يعتقد أن حماية البلاد من التهريب ليست حكرا فقط على الجمارك، بل يجب أن تساهم فيه كل الأطراف الأخرى. ولعل أبرزها أجهزة المراقبة الفنية عند التوريد التابع لوزارتي التجارة والصناعة، والمراقبة الصحية والفلاحية والمصالح الأمنية المكلفة بحماية المنافذ الحدودية.

وركزت الموازنة الحالية، في جزء كبير منها، على التصدي للتهريب الذي نخر اقتصاد البلاد، إذ تشير أحدث الإحصائيات إلى أن الاقتصاد الموازي يمثل نحو 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وعلى امتداد السنوات التي أعقبت الثورة، تزايـدت عمليـات التهـريب إلى تـونس من الجزائر وليبيا وفي الاتجاه المعاكس، وتوسعت بشكل كبير لتشمل مختلف أنواع البضائع دون استثناء لتصل إلى الوقود والسلاح.

كما تسببت الظاهرة في ركود القطاع التجاري المنظم والقانوني، وفقد الكثير من فرص العمل.

ويقول الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (منظمة الأعراف) إن التجارة الموازية أصبحت تمثل نحو 50 بالمئة من إجمالي رقم معاملات القطاع التجاري.

ويمثل تهريب الوقود من الجزائر وليبيا إلى تونس مشكلة كبيرة، إذ يباع لتر البنزين المهرب بستة أضعاف ثمنه في البلد الأصلي، بحسب البنك الدولي، فضلا عن تهريب منتجات مجهولة المصدر مثل السجائر، والتي ألحقت ضررا كبيرا بالصناعة المحلية وأدت إلى غلق العديد من الشركات أبوابها.

11