التهريب يفاقم معاناة صناعة السجائر التونسية

يدحض انتشار بيع السجائر المهربة على الأرصفة في وسط العاصمة التونسية، جميع تأكيدات الحكومة بأنها تسعى بكل جدية للقضاء على ظاهرة التهريب التي تمس الكثير من القطاعات وتستنزف ملايين الدولارات من موارد الدولة سنويا.
الثلاثاء 2017/01/24
التحكم في المزاج التونسي

يقدّم ازدهار بيع السجائر المهربة في الأسواق الموازية دليلا دامغا على عجز الجهات الرقابية عن مواجهة ظاهرة التهريب التي تقوض الكثير من الصناعات المحلية، رغم تأكيد الحكومة على أنها تكافح تلك الظاهرة.

وغير بعيد عن شارع الحبيب بورقيبة، المعلم الرئيسي للعاصمة تونس، يظهر بائعو السجائر المهربة وهم منتشرون بين الشوارع الفرعية، فيما تراقبهم مصالح الشرطة البلدية عن بعد بضعة أمتار دون حراك.

ويقول البائع محمد الفرشيشي (21 عـاما) لـ“العرب” إنه يشتري السجائر المهربة من سوق “بومنديل” القريب مـن سفارة فرنسا في تونس، لكنه لا يعرف مصدرها الأصلي بالضبط. وأكـد أن هـذه التجـارة هي مورد رزقه الوحيد في غيـاب حلول من قبـل الحكومة.

وإلى جانب محمد، ينتشر الكثيرون من باعة السجائر المجهولة المصدر وبعلامات تجارية غير معروفة وأسعار زهيدة، حيث يصل سعر علبة أغلى الأنواع نحو دولار واحد.

وأكد البائع شكري لـ”العرب” أنه لجأ إلى هذا العمل لعدم وجود بديل “الآلاف من الشبان مثلي يلجؤون لتهريب التبغ وغيره من السلع، نحن نريد أن نعيش، ولا نريد المزيد من الخسائر في حياتنا التي غمرتها البطالة والفقر”.

ولم تكن تجارة التهريب مزدهرة قبل عام 2011، رغم أن البعض كان يمارسها تحت أنظار السلطة، لكنها اليوم أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على خزينة الدولة “الفارغة” في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور والذي تقول عنه الحكومة إنه يسير نحو التحسن.

ويفجّر ازدهار ظاهرة تهريب السلع عبر المنافذ الحدودية الجدل بشأن قدرة الحكومة على التصدي لها ضمن خطة شاملة، رغم تأكيد رئيس الحكومة منذ توليه المنصب على تعزيز الإيرادات ووضع خطوة على طريق إعادة عجلة النمو إلى الدوران.

وألحقت تجارة السجائر المهربة ضررا كبيرا بالصناعة المحلية وأدت إلى تضاؤل حجم الإنتاج بشكل غير مسبوق، وأدخلت الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد الحكومية والشركات الأخرى في أزمة خانقة.

بريتش أميركان توباكو: السجائر المهربة تبقى فترة تصل إلى ثلاث سنوات قبل الوصول إلى المستهلك

وتشهد الشركة الحكومية صعوبات مادية كبيرة يرجح البعض أنّها قد تؤثّر على مستقبلها، وبات وجودها مهددا بعد أن عجزت إدارتها عن إيجاد حلول لإنقاذ الصناعة المحلية من التدهور وتصريف كميات السجائر التي تصنعها.

ورغم ما تقوم به مصالح الجمارك (الديوانة) بحملات مراقبة كبيرة في المعابر الحدودية ومداخل المدن الكبرى للإطاحة بمهربي السجائر، إلا أن حسن تنظيم هذه الشبكات المختصة يحول دون توقف إمدادات التبغ المهرب الذي يقبل عليه التونسيون كثيرا.

ووفق ما أكدته مصادر أمنية وجمركية تونسية لـ”العرب”، فإن أكثر من 25 مليون علبة سجائر مهربة تدخل الأسواق التونسية شهريا، أي ما يعادل 300 مليون علبة مهربة سنويا، وهو ما يكبد قطاع التبغ التونسي خسارة تتجاوز 250 مليون دولار.

وتظهر بيانات لوزارة التجارة والصناعة أن تونس تكبدت ذلك المبلغ في العام 2015 وحده، وأشارت إلى أنّ التجارة الموازية في هذا القطاع تشكل نحو 40 بالمئة.

ويشكك خبراء اقتصاد في هذه الأرقام لا سيما مع استمرار بيع السجائر المهربة على قارعة الطريق بشكل مفرط، وعدم وجود إرادة قوية لإنهاء هذه الفوضى التجارية.

وأجرت شركة بريتش أميركان توباكو (بي.أيه.تي) قبل أشهر دراسة أظهرت أن تهريب السجائر يكلف الاقتصاد التونسي أكثر من نصف مليار دولار سنويا، حيث يتم استغلالها من قبل عصابات الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية.

وقال مدير الشركة بتونس نبيل بن محمد في تصريحات إعلامية سابقة إن “السجائر التي يتم تهريبها عبر الصحراء من الممكن أن تبقى فترة تصل إلى ثلاث سنوات قبل الوصول إلى المستهلك، الأمر الذي يؤدي إلى انتهاء تاريخ صلاحيتها ما يزيد من مخاطرها وأضرارها”.

وفي ظل هذا الأمر، تحاول الحكومة وضع استراتيجية ملائمة للحد من هذه الظاهرة عبر إنشاء وكالة لمقاومة التهريب والاتجار في المواد الممنوعة وتخفيض الضغط الجبائي وتنويع العرض من هذه المادة في الأسواق الرسمية.

وعلى امتداد السنوات الست الأخيرة، تزايدت عمليات التهريب إلى تونس من الجزائر وليبيا وفي الاتجاه المعاكس، وتوسعت بشكل كبير لتشمل مختلف أنواع البضائع لتصل إلى الوقود والسلاح. كما تسببت في ركود القطاع التجاري الرسمي، وفقدان الكثير من فرص العمل.

وتستهدف تونس التقليص من حجم الاقتصاد الموازي من 50 إلى 20 بالمئة بحلول 2020، علاوة على تخصيص موارد مالية كبيرة لمكافحة الجريمة المنظمة.

ويقول الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (منظمة الأعراف)، إن التجارة الموازية أصبحت تمثل نحو 50 بالمئة من إجمالي رقم معاملات القطاع التجاري.

11