التوأمة الأكاديمية بوابة انخراط مصر في المنظومة الدولية للجامعات

التوأمة الجامعية كفيلة بتغيير ثقافة المجتمعات العربية، لأنها تهدف بالأساس إلى الاحتكاك بأفضل الأنظمة العالمية في التعليم والثقافة والفكر.
الثلاثاء 2018/04/24
شراكة فاعلة للنهوض بالطلاب

القاهرة – عكس اشتراط مصر منح تراخيص جديدة بإنشاء جامعات في المستقبل بحصولها مسبقا على توأمة مع واحدة من أفضل 50 جامعة عالمية للخروج من دائرة المحليّة، أن التوأمة الأكاديمية قد تكون أقرب طريق لإحداث ثورة شاملة في المنظومة الجامعية، ومواكبة لتطورات العصر والحصول على الاعتراف الدولي.

وأدركت أكثر من دولة عربية جدوى هذا المسار، حيث أقدمت جامعات في السعودية والإمارات والبحرين وقطر والعراق وغيرها على تطبيق برامج التوأمة مع جامعات عالمية تحتل مراتب متقدمة في التصنيفات الدولية المعنية بجودة التعليم الجامعي، وهو ما أظهر تقدما نسبيا في المنتج التعليمي بجامعات هذه الدول، وانعكس إيجابيا على الأساتذة والطلاب والمناهج على حدّ سواء.

وتأمل الحكومة المصرية في أن تضع الجامعات الجديدة على طريق التعلّم المفتوح والاحتكاك بجامعات الدول المتقدمة، بشكل يتيح المشاركة بين الجامعات ويساعد في تخريج طلاب مواكبين للثورة المعرفية واحتياجات الدولة، لا سيما وأن هناك اتجاها في مصر نحو تغيير النظام التعليمي القائم بحيث يتم تخفيض الاعتماد على الجانب الأكاديمي في الدراسة واستبداله بالتكنولوجيا.

المراتب المتواضعة التي تحتلها الجامعات في بعض البلدان العربية في التصنيف العالمي تلخص واقعها الصعب وضعف البرامج التعليمية التي تقدمها، فيما تركّز بحث جامعات أخرى على إقامة علاقات توأمة مع عدة جامعات رصينة عالميا ومشهود لها بتفوقها في مستوى البرامج ونظم التعليم، وهو ما تفطنت له الحكومة المصرية باختيار هذا التمشي كهدف يمكن البناء عليه للنهوض بقطاع التعليم العالي

وتتّجه النية داخل وزارة التعليم العالي المصرية، إلى منح مزايا للجامعات الخاصة القائمة بالفعل، شريطة تطبيق برامج التوأمة مع جامعات دولية رصينة، في ظل إقرار مسؤولي التعليم الجامعي في مصر بصعوبة التزام الجامعات المقرر إنشاؤها مستقبلا بتطبيق برامج التوأمة، لأنها تحتاج إلى تكلفة مالية باهظة، لوضع الجامعات الدولية اشتراطات صارمة للقبول بالتوأمة.

وتشترط برامج التوأمة ضمان جودة المناهج التعليمية وتطورها ومواكبتها للعصر ولمناهج الجامعة الدولية، وتطابق شروط اختيار أعضاء هيئة التدريس داخل الجامعة العربية، الذين سيتم اختيارهم على أساسها ومستواهم العلمي والتربوي، فضلا عن توافق المباني والتجهيزات والمساحات داخل الجامعة مع شروط وضوابط الجامعة الأجنبية.

ويضاف إلى كل ذلك الالتزام بشروط اختيار الطلاب الملتحقين وأعدادهم ومستواهم العلمي، وضرورة أن تكون هناك معايير دولية لاختبارهم، مع الإقرار بنظام التبادل الدائم بين أعضاء هيئة التدريس بنظام الأستاذ الزائر، وتتم مبادلة بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعتين سنويا، وتطبيق نظام الدراسة والتقييم المتبع في الجامعة العالمية.

وبدأت منظمة اليونسكو عام 1992 في إنشاء برنامج التوأمة الجامعية، واعتبرت أنها طريقة مميزة لتطوير البحث وتحفيزه والتدريب وتطوير برامج التعليم العالي بواسطة بناء شبكات التواصل الجامعي، وتشجيع التعاون بين الجامعات من خلال نقل المعرفة عبر الحدود.

ومن خلال هذه البرامج تقوم اليونسكو بربط الكليات والجامعات والمعاهد البحثية في الدول الصناعية الكبرى مع مثيلاتها في الدول النامية للمشاركة في تبادل المعلومات والمعرفة في عدد من المجالات المهمّة، ويتم الربط بين العلماء والباحثين في هذه الجامعات من خلال مواقع إلكترونية معنية بالمعرفة.

ويقول تربويون، إنه لا يمكن أن تتحقق الريادة العالمية للجامعات العربية إلا من خلال أساليب محددة، أهمها برنامج التوأمة مع جامعات عالمية، شريطة أن تتحرك لتقديم إضافة مثالية ومهمة لمثيلاتها الدولية حتى لا تصبح مجرد متلقّية ومستوردة فقط.

ورأى هؤلاء أن حصول الجامعات المصرية على مراكز متقدمة في التصنيفات العالمية، لا يحتاج فقط إلى توأمة مع جامعات تحتل مرتبة متقدمة عالميا، بقدر ما يتطلب الأمر ثورة شاملة لتغيير الهياكل الأساسية، من الاستعانة بأساتذة على دراية واسعة بتطورات العصر والمناهج العصرية، إضافة إلى طلاب يتم اختيارهم عن طريق ضوابط صارمة بعيدا عن فكرة المجاميع المرتفعة.

وأوضح عصام خميس، نائب وزير التعليم العالي المصري، أن مهمة الشراكة الجامعية مع كيانات عالمية تكمن في أن يكون هناك اعتراف دولي بأعضاء هيئات التدريس والمناهج والطلاب، وهذا ما يغري الجامعات المحليّة بأن تحارب للوصول إلى هذا الهدف، وينعكس ذلك بشكل إيجابي على المخرج التعليمي نفسه، إذ يكون بمواصفات دولية.

كمال مغيث: التوأمة الجامعية تسمح بالاحتكاك بالأنظمة العالمية في التعليم
كمال مغيث: التوأمة الجامعية تسمح بالاحتكاك بالأنظمة العالمية في التعليم

وأضاف لـ”العرب” أن الميزة الأهم في التوأمة الجامعية أنها تقضي على “بزنس الجامعات”، بمعنى أن كل جامعة سوف تكون مطالبة بتقديم تعليم متميز وعصري يتوافق مع المتطلبات العالمية، حتى لا تضطر الجامعة التي أقامت معها برامج توأمة إلى إلغاء الشراكة، وبالتالي فإن التوأمة مقدمة للقضاء على الفئة التي تدخل مجال التعليم الجامعي بغرض تحقيق مكاسب مادية فقط.

وأشار إلى أن التوأمة تلزم الجامعات بمصروفات محددة غير مبالغ فيها تتناسب مع جودة الخدمة التعليمية المقدمة للطلاب، حتى لا تتحول الجامعة إلى مجرد مشروع استثماري، ما يجعل من هذه البرامج مقبولة فقط عند أصحاب الجامعات ومجالس الأمناء ذوي العقلية التربوية والعلمية، لأنهم هم من يدركون أهمية التوأمة ولا يعيرون اهتماما بمسألة الربح والخسارة.

وتكمن أزمة الجامعات الخاصة في مصر مع الحكومة في فشل الأخيرة في ضبط إيقاع المصروفات الدراسية، حتى وصلت في بعض الكليات إلى 250 ألف جنيه (نحو 15 ألف دولار) في العام الواحد، بشكل لا يتناسب مع الخدمة المقدمة للطلاب، ومع ذلك خرجت مختلف الجامعات الخاصة من التصنيفات العالمية.

وتتيح برامج التوأمة للطلاب الدارسين في الجامعة التي تطبق نظام التوأمة أن يعملوا بشهادة جامعاتهم المحليّة (مصرية أو عربية) أو الجامعة الأجنبية التي تقع معها التوأمة، ما يمنح فرصة أكبر للتوظيف وانفتاح سوق العمل أمام الخريجين، كما أنه يمكن للأساتذة العمل لفترات بأيّ من الجامعتين (المحلية والدولية) لوجود اعتراف من الجانبين بأنهما متطابقتان في الإمكانيات.

لفت أكاديميون إلى أن التطبيق الحرفي للتوأمة الجامعية، من شأنه نقل الجامعات العربية إلى مستوى متقدم من التعليم، لأن هذه البرامج تشترط ضوابط صارمة من المؤسسات الجامعية الدولية على الجامعة التي ترغب في إبرام اتفاقيات توأمة، ما يعني أنها سوف تكون مجبرة على الحفاظ على التدريس في إطار معين لا يمكن الخروج عنه، وهو ما يفسر خطاب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لأصحاب الجامعات بأنه “سوف يدخل جامعاتهم التصنيف الدولي بالأمر”.

 ورأى كمال مغيث، عضو المركز القومي للبحوث التربوية في مصر، أن التوأمة الجامعية كفيلة بتغيير ثقافة المجتمعات العربية، لأنها تهدف بالأساس إلى الاحتكاك بأفضل الأنظمة العالمية في التعليم والثقافة والفكر، سواء عبر المناهج أو طريقة التدريس الحديثة أو الأساتذة وطرق التقييم، ولن تخرج الجامعات في مصر وباقي الدول العربية من دائرة الانحدار إلا بتعميم التجربة شريطة توافر الإرادة السياسية.

17