التوازن البيئي.. رهان إماراتي لا يتناقض مع النهضة العمرانية

في ظل التمدد العمراني تسعى الإمارات إلى التركيز على المحميات الطبيعية، وأصبح الاعتناء بالحياة البرّية والبحرية من أوكد القضايا المطروحة، وتجلى هذا على مدار العقود الثلاثة الماضية، من خلال إنشاء العديد من المحميات الطبيعية البرية والبحرية، ووضع الخطط والبرامج التي تتلاءم مع مشروع حماية البعض من الأنواع المهددة بالانقراض، وإصدار التشريعات والقوانين التي تهدف إلى المحافظة على البيئة.
الاثنين 2016/09/26
من أجل حياة أفضل

أبوظبي- تعد الإمارات من أكثر الدول المهتمة بصون “التنوع البيولوجي” والذي يعني تعدد أشكال الحياة على كوكب الأرض كما يعني التنوع الموجود في الكائنات الحية ويتراوح بين التركيب الجيني للنباتات والحيوانات وبين التنوع الثقافي. وتعود أولى الملاحظات العلمية المسجلة والمتعلقة بالحياة البرية والنباتات في الإمارات إلى أكثر من قرن ونصف القرن من الزمان. ومنذ تأسيس الدولة عام 1971 نمت وتيرة البحث العلمي بشكل كبير مع تقدم البلاد في مجالات أخرى كثيرة، واكتسبت الكثير من الأنواع الحية الجديدة التي تم العثور عليها في الإمارات أهمية عالمية.

وتحتضن أراضي إمارة أبوظبي الجبال والصحراء الواسعة والسهول والأودية والسبخات الملحية المتكاملة التي تعتبر فريدة من نوعها عالميا .. وهي زاخرة بصور الحياة البرية والطيور والنباتات. وتأوي أبوظبي 402 نوع من النباتات و49 نوعا من الثدييات و382 طائرا و67 نوعا من البرمائيات والزواحف. ويندرج جزء من هذه الأنواع في قائمة الاتحاد العالمي لصون الطبيعة للأنواع المهددة بالانقراض من خلال إنشاء المحميات إضافة إلى البعض من المبادرات التي تركز على حالات الأولوية القصوى.

وتعد البيئة الصحراوية في إمارة أبوظبي موطنا ثريا بالتنوع البيولوجي وتتميز جميع الكائنات الموجودة فيها بقدرة فائقة على التكيف مع المناخ القاسي الجاف بسبب قلة تساقط الأمطار وشدة جفاف التربة فضلا عن انخفاض المحتويات العضوية فيه، وتعيش في هذه الظروف مجموعة متنوعة مثل “البرمائيات والزواحف والثدييات”. تعيش البرمائيات بالقرب من البرك والمجاري المائية والأماكن الرطبة الأخرى، إلا أن البعض من هذه البرمائيّات قد تكيفت مع البيئات الجافة ومن أهمها “الضفادع والعلاجيم”.

نجاح في إنقاذ المها العربي من الانقراض

وفي الإمارات وجد العلجوم في المناطق الجبلية والواحات وسهول الحصى، حيث تضع أنثى العلجوم العربي عددا كبيرا من البيض إلا أن عددا قليلا منها فقط تسنح له فرصة الوصول إلى مرحلة البلوغ ويتغذى على الحشرات التي يلتقطها بلسانه اللزج الطويل، ويمتلك القدرة على البيات الشتوي الذي قد يستمر سنوات إذا اقتضى الأمر. هناك حوالي 70 نوعا من الزواحف ونوعان من البرمائيات التي بإمكانها التأقلم مع الظروف الصحراوية في الإمارات والسكن في المناطق المحمية الرئيسية مثل جبل حفيت ومحمية المرزوم ومتنزه القرم الوطني ومحمية الحبارى والبعض من الجزر، وتشمل هذه الأنواع السحالي مثل أبوبريص والضب.

وتمتاز الزواحف بجلد سميك مغطى بحراشف قرنية للتقليل من فقد الماء، ما يحميها من الجفاف ويمكنها من المحافظة على درجة حرارة جسمها، الأمر الذي يجعلها قادرة على العيش في البيئات الجافة والحارة، حيث يمكن لمعظمها تغيير لونها ليناسب الوسط الذي تعيش فيه، كما يتغير لونها تبعا لتغير درجة الحرارة خلال النهار. ويعيش في الإمارات ما لا يقل عن أربعة عشر نوعا من الأفاعي الأرضية “الحيات” من أبرزها “الحية العمياء”، وهي حية صغيرة غير ضارة تشبه الدودة لا يوجد منها ذكور إذ أن جميعها إناث تضع بيوضا رقيقة القشرة غير مخصبة تفقس عن حيات صغيرة من الإناث، وهذا النوع من التكاثر يسمى “التوالد العذري”.

وكذلك “الحية القرناء”، وهي من الثعابين الخطرة سميت بهذا الاسم لوجود زائدتين قرنيتين على رأسها، وتعيش في المناطق الرملية، رأسها مسطح يحمل غدد السم ولها نابان أماميان متحركان يبرزان للخارج عند فتح الفم، وعندما تغلق الحية فمها يدخل النابان إلى انغماد غشائي في الفم. أما “الحية البوا الرملية” فيسمح شكلها بالاختباء والتحرك داخل الرمال وتتغذى غالبا على السحالي ولا تمتلك سما ولا أنيابا وتقتل فريستها عن طريق عصرها، وهي حية ولود. وتعيش “الحية ذات الحراشف المنشارية” على الشريط الساحلي أو في المناطق الداخلية على مسافة من الشاطئ، تتغذى على الفئران والطيور والسحالي والضفادع والعقارب والديدان، أما “حية السجاد” فهي أفعى سامة جدا صغيرة الحجم وتستوطن البيئات الصحراوية وتفضل الأماكن الجبلية.

الثدييات

تكيف مع الطبيعة الصحراوية في الإمارات عدد من الثدييات، وهي في الغالب صغيرة الحجم وتكتفي بالحد الأدنى من الماء والغذاء مثل “القنفذ” الذي يغطي الشوك أغلب جسمه ليحمي نفسه من المهاجمين، وحاسة الإبصار لديه ضعيفة ولكن يتم تعويضها بحاسة شم قوية. يتغذى على الحشرات وكذلك البيض والخضروات والفواكه وأيضا يأكل السحالي، نشاطه ليلي ويوجد في الأماكن المزروعة وبشكل أقل في الواحات. أما “الزبابة” فيوجد نوع وحيد منها في دولة الإمارات وتعتبر “الزبابة القزم” التي تم اكتشافها في الإمارات عام 2000 أصغر أنواع الثدييات في العالم إذ لا تزيد المسافة بين أنفها وطرف ذيلها عن 70 ملّيمترا وتعتبر من الحيوانات المهددة بالانقراض.

كما يوجد في الإمارات ما لا يقل عن 11 نوعا من القوارض وهي أكثر الثدييات انتشارا وتوجد في جميع البيئات من الصحارى إلى قمم الجبال والجزر والمدن وتشمل “السنجاب والفأر والجرذ والجربوع″. وتنتشر الأرانب في معظم مناطق الإمارات في الصحراء والسهول والجبال وتتباين ألوانها نتيجة للتكيف مع البيئة الطبيعية وقد طورت الأرانب تكيفات فسيولوجية وسلوكية مكنتها من البقاء والتكاثر في البيئات المناخية القاسية وتتوالد بأعداد كبيرة ما يحميها من الانقراض.

كما انتشرت قطعان المها العربي سابقا في أرجاء شبه الجزيرة العربية كافة وبالرغم من أن نطاق تواجدها الطبيعي في أراضي الإمارات غير معروف بشكل دقيق وواضح فإنه من الممكن العثور عليها في صحراء غرب الإمارات إلى جانب السهول الجبلية. ونجحت جهود الإمارات في إعادة المها العربي بعد اختفائه أكثر من 40 عاما واقترابه من الانقراض حيث عاد للتكاثر في مواطنه البرية بفضل مشروع إكثار المها العربي والذي يعتبر من أهم البرامج التي نفذت عالميا في مجال الحماية والإكثار للحفاظ على المها العربي من الانقراض.

وأصبحت الإمارات موطنا لأكبر عدد من المها العربي في العالم حيث يتواجد في الدولة حاليا 6200 رأس من المها العربي معظمها في أبوظبي. ويعتبر المها العربي أحد أكبر الثدييات في المنطقة العربية وجزءا مهما من تراثها العريق وهو أحد أنواع الظباء كبيرة الحجم ويبلغ وزنه نحو 120 كيلوغراما وطوله نحو 1.5 متر. ويعيش الغزال العربي في السهول الحصوية وسفوح الجبال على طول محيط شبه الجزيرة العربية وعلى عكس العديد من ذوات الحافر فإنه يعيش إما منفردا وإما في جماعات صغيرة يقودها ذكر واحد وأهم أنواعها ” الدماني ” وهو صغير الحجم ثم ” الريم ” وهو أكبر قليلا والنوع الثالث يسمى “الوضيحي” وهو أكبرها.

البيئة الصحراوية موطن ثري بالتنوع البيولوجي

وتم تسجيل وجود الغزال في الإمارات في منطقتي جبل علي وسويحان لكن خلال السنوات الأخيرة تأثرت البيئة الطبيعية للغزلان وقلت قدرتها على الوصول الآمن إلى مجاري الماء والينابيع بسبب التمدد العمراني وتعبيد الطرقات وبناء الأسوار. وتتوالد الغزلان خلال فصلي الربيع والخريف وتبقى مخبأة تحت الشجيرات خلال الأيام القليلة الأولى وتلد الإناث مرتين في السنة وفترة حملها من خمسة إلى ستة أشهر. وتستضيف الإمارات أكثر من مليوني طائر مهاجر كل عام حيث يبلغ عدد طيور الفنتير “الفلامنغو” وحدها أكثر من عشرة آلاف . كما يزور الإمارات العقاب النساري ومرزة البطاح والنسر المرقط الكبير والعقاب المصري.

ونجح طائر الفنتير “الفلامنغو” الكبير في التكاثر مرة أخرى في محمية الوثبة للأراضي الرطبة في أبوظبي حيث تم في موسم التكاثر خلال عام 2015 تسجيل ولادة 420 فرخا ما يمثل أكثر من الضعف مقارنة بالعدد الذي تم تسجيله في مواسم التكاثر السابقة وهو200 فرخ. كما أن هناك أنواعا أخرى من الطيور تتكاثر محليا مثل الغاق السقطري وزقزاق السرطان والصقر الأسخم وتتناقص أعدادها، إذ أشارت المسوحات التي أجريت مؤخرا إلى وجود ثلاثة أزواج فقط من الصقر الأسخم في البلاد.

الغطاء النباتي

على الرغم من قلة التنوع البيولوجي النوعي للنباتات البرية في صحراء الإمارات وأبوظبي خصوصا فإن تلك الأنواع القليلة الموجودة تمثل ثروة هائلة لما تحتويه من جينات لها مقدرة هائلة على تحمل الظروف البيئية القاسية من ملوحة وحرارة وجفاف. وتشير الدراسات العلمية إلى أن أكثر الأنواع النباتية انتشارا توجد في شمال البلاد وتمثل ما نسبته 70 في المئة من مجموع الأنواع النباتية البرية المنتشرة في الإمارات وحوالي 60 في المئة من هذه النباتات هي نباتات حولية حيث تنبت وتزهر وتكمل دورة حياتها خلال فترة قصيرة بعد سقوط المطر.

ويحتوي الغطاء النباتي في الإمارات على 76 عائلة نباتية تضم 335 جنسا وهذه الأجناس تضم 625 نوعا من النباتات الوعائية البرية، وتحتضن إمارة أبوظبي حوالي 432 نوعا من النباتات المحلية والكثير منها معرض لخطر الانقراض ومن أهم مصادر التهديد فقدان الموائل نتيجة التغير المناخي وزيادة ظاهرة التصحر والاستخدام الجائر للأراضي والتطور العمراني والقيادة خارج المسارات المحددة.

وتوجد أكثر من 40 غابة في أبوظبي تضم 19 مليون شجرة على مساحة تبلغ 228 ألف هكتار وتقدم الكثير من الخدمات مثل حماية الطرق من عوامل التعرية وتوفير موائل آمنة لحوالي 36 ألف حيوان. ويكمن التحدي الأكبر هنا في تقليل كمية المياه المستخدمة في الري حيث تستهلك الغابات 214 مليون متر مكعب من المياه الجوفية سنويا أي حوالي 95 في المئة من إجمالي الاستهلاك الوطني، وتتطلب هذه الغابات بنية تحتية مكثفة مثل المضخات وخزانات المياه ومعدات التوزيع.

20