التواصل الاجتماعي في وظيفة ساعي بريد

ساعي البريد الذي لا يكل ولا يمل عن حمل المزيد والمزيد من الوثائق الرسمية صار يوظف منصات التواصل الاجتماعي بوصفها الأداة الأسرع انتشارا ووصولا إلى الجمهور العريض.
الثلاثاء 2019/06/25
ساعي بريد برتبة ويكيليكس

لا شك أن الملايين من البشر الذين يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي سعداء بها وبما تقدمه لهم من خدمة مجانية.

فهؤلاء المستخدمون في إمكانهم نشر أخبارهم وصورهم ونشاطاتهم وتفقد أصدقائهم وصديقاتهم وهكذا تتحقق صفة التواصل الاجتماعي في شكلها المألوف.

ربما يكون ذلك هو الشكل الناعم لتلك الوسائط الاتصالية الذي تبدو من خلاله في خدمة سائر فئات المجتمع.

لكن للقصة وجه آخر ليس ناعما على الإطلاق وخاصة عندما تتدخل السياسة بضجيجها وصراعاتها ومصالحها ونزق كثير من المخرطين فيها.

سياسيون لا يهمهم كثيرا ذلك التواصل البسيط مع شرائح مجتمعية متنوعة بقدر ما يهمهم الوصول إلى أهدافهم.

وعلى هذا صرنا نشهد في هذه المنصات سلوكا سياسيا وحزبيا عجيبا يتم من خلاله ضرب الخصوم السياسيين من خلال نشر وثائق ومراسلات رسمية.

هذه الظاهرة صارت تتفاقم في بلد مثل العراق وصارت الكتب والمراسلات الرسمية تنتشر في منصات التواصل الاجتماعي بشكل غير معتاد وغير مسبوق.

إنها حملة تشبه تسريبات ويكيليكس للوثائق الرسمية والمراسلات بهذه الدرجة أو تلك.

فما يمكن أن تعثر عليه مثلا أشغال المناصب الحكومية في العديد من القطاعات وبما فيها من إقصاء أشخاص والمجيء بآخرين وكله بتوقيع مسؤولين رفيعين بمن فيهم وزراء وبالحبر الأحمر.

وحتى البرلمانيين فلهم نصيبهم، فهم إن أرادوا الاتفاق على طرح قضية للنقاش في إحدى جلسات المجلس فعليهم جمع التواقيع ولهذا تجد قوائم ممهورة بتواقيع بالحبر الأحمر أيضا للعشرات من النواب.

فماذا يجري وكل هذه الوثائق متداولة بهذه الكثرة؟

واقعيا كأنه ساع للبريد يطلع علينا في كل صباح محملا بوثائق رسمية جديدة ليتم بثها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

بالأمس القريب كانت هنالك مراسلات رسمية لتعيين سفراء ومديرين عامين أو ما يعرف بالدرجات الخاصة وقبلها رؤساء جامعات وعمداء كليات بالوكالة وكله بنسخ أصلية ممهورة بشعار وختم حكومة وتوقيع بالأحمر.

ساعي البريد الذي لا يكل ولا يمل عن حمل المزيد والمزيد من الوثائق الرسمية صار يوظف منصات التواصل الاجتماعي بوصفها الأداة الأسرع انتشارا ووصولا إلى الجمهور العريض.

وساعي البريد هذا يشعر بالاطمئنان تماما ولا يرف له جفن وهو يقوم بهذه المهمة المستمرة لأنه على يقين ربما أن لا سلطة تتعقب مصادر التسريب ولا تحاسب أحدا.ولربما تسبب ذلك في مفهوم خاطئ صار يتفشى لدى كثير من المكلفين بخدمة عامة أنهم لو قاموا بمهمة ساعي البريد آنفة الذكر فالتقطوا بهواتفهم النقالة صور مخاطبات وكتب رسمية وبثوها عبر منصات التواصل الاجتماعي فلا إشكال في ذلك.

لا شك أن الحال في دول أخرى هو المستحيل بعينه ومن يفعل ذلك ويستخدم هذه المنصات بهذا الشكل ويمارس صفة ساعي البريد عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا شك أنه سيلاقي العقاب الأليم.

سنعود في تتبع الظاهرة إلى قضية التسامح مع ذلك التدفق اليومي أو شبه اليومي للوثائق والمراسلات الرسمية وعدم التصدي للظاهرة وهو في كل الأحوال استخدام خاطئ وشائن لمنصات التواصل الاجتماعي وتحول في وظيفتها إلى وظيفة أخرى قلنا من قبل إنها سوف تكون في بعض الأحيان أداة من أدوات الساسة في الإضرار بخصومهم السياسيين.

بالطبع سيرمي البعض باللائمة على عدم وجود رقيب من طرف منصات التواصل الاجتماعي وهو حل تبسيطي يحيلنا إلى الأنظمة العربية التي كان شيطان الرقابة وشرطي الأفكار يلاحقان الناس ويدمران حياتهم فقد كانا يعيشان في زمن هو زمنهما وهو قد راح وانقضى.

لكن في المقابل هنالك نوع من التشويه وسوء الاستخدام المتعمد الذي حرف هذه المنصات عن وظائفها الأساسية ليحولها إلى هذا الشكل الهجيني لساعي البريد الذي يحمل أسفارا ينثرها عبر هذه المنصات بصرف النظر عن خطورتها وجدواها.

18