التوافقية مأزق النظام السياسي في لبنان

الخميس 2014/05/01
عون وجعجع مرشحا الرئاسة اللبنانية الأقويان

بيروت – يعيش لبنان فترة الاستحقاق الدستوري لانتخاب رئيس جديد للبلاد. لكن يبدو أنه من غير المحتمل أن تتّفق القوى المحلية والإقليمية والدولية حول مرشّح واحد قبل موعد 25 مايو، الأمر الذي سيجعل من عملية المفاوضات طويلة تكبّلها دائرة واسعة من التوازنات والمصالح المتداخلة.

يعتبر لبنان من أكثر بلدان المنطقة العربية حريّة وتعدّدية في ما يخص المجال السياسي والحزبي. كما أن انتخاباته أكثر حرية ونزاهة مقارنة بكثير من البلدان العربية. ولكن الفساد والصفقات الانتخابية يجعلان من انتخابات لبنان أمرا معقّدا، غير ديمقراطي، خاصة وأنّها ترتبط ارتباطا شديدا بالأجندات الطائفية والتدخّلات الخارجية.

هذا الارتباط يفسّر حال لبنان اليوم وهو يواجه خطر الفراغ في سدة الرئاسة، وسط غياب التوافق بين الأطراف السياسية والقوى الإقليمية المؤثرة، مما سيحول دون توافر النصاب لجلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفا لميشال سليمان.

هذا الوضع وإن كان متوقّعا، فإنه ليس الأول من نوعه في البلاد التي عرفت على مدار تاريخها الحديث الكثير من الانقسامات السياسية والخلاف الحزبي، إلى درجة أن لبنان أصبح أبرز نموذج يطرح عند الحديث عن مثل هذه الأزمات. بل إن عدم التوافق السياسي والطائفي كان سببا رئيسيا في اندلاع الحرب الأهلية (13 أبريل 1975 – 13 أكتوبر 1990).

تلك الحرب الدامية التي حصدت أرواح ما يقارب 150 ألف قتيل وخلّفت 300 ألف جريح و17 ألف مفقود وتسبّبت في هجرة أكثر من مليون نسمة. وتعود جذور الحرب الأهلية اللبنانية إلى الصراعات والتنازلات السياسية في فترة الاحتلال الفرنسي على لبنان وسوريا، وعاد ليثور بسبب التغير السكاني (الديمغرافي) في لبنان والنزاع الديني الإسلامي – المسيحي، وكذلك التدخّل السوري واحتدام الصراع الطائفي. وقد حصل توقف قصير للمعارك عام 1976 لانعقاد القمة العربية ثم عاد الصراع الأهلي ليستكمل وليتركز القتال في جنوب لبنان بشكل أساسي. وانتهت الأحداث بانتشار الجيش السوري بموافقة لبنانية عربية ودولية، وذلك حسب اتفاق الطائف.

ومنذ توقيع اتفاق الطائف في 1989، وعلى مدار ربع قرن، تعرّض النظام السياسي اللبناني لسلسلة متلاحقة من الضغوط والصدمات، وفق ما جاء في دراسة للباحثة مانويلا باريبان.

وتفسّر الباحثة وجهة نظرها، ضمن دراسة صدرت عن مركز الجزيرة للدراسات، مشيرة إلى أن “تلك الضغوط شملت استمرار أعمال المنظمات العسكرية السياسية ذات الخلفية الطائفية، والتي تعمل خارج سيطرة الدولة، ووجود أعداد كبيرة من القوات الأجنبية (السورية والإسرائيلية) على الأرض اللبنانية، فضلا عن استمرار نمو أعداد كبيرة من اللاجئين غير الممثلين سياسيا. ومن الجلي أنه في الفترة الأخيرة أصبح عدد اللاجئين السوريين يفوق كثيرا عدد اللاجئين الفلسطينيين، وربما أصبح اللاجئون يمثلون الآن حوالي ربع إجمالي سكان لبنان. كما تشمل الضغوط أيضا التوترات المتزايدة بين المجتمعات السنية والشيعية في البلاد”.

نتائج الدورة للانتخابات الرئاسية اللبنانية

وتضيف الباحثة في دراستها، التي حملت عنوان “الاتجاهات السياسية المحيطة بانتخابات الرئاسة اللبنانية”، “لبنان تعرّض لعديد الصدامات في السنوات الماضية، من بينها اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في 2005، والدمار الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية على حزب الله في 2006، وتفشي آثار الحرب الأهلية السورية المستمرة”.

ورغم هذه الضغوط الهائلة والصدمات المتكررة، حافظ الاستقرار السياسي على درجة ما من العمل، وأثبت اتفاق الطائف قدرته على البقاء حيا، فلم تكن هناك عودة إلى حالة الحرب الأهلية، وظل البناء السياسي الديمقراطي متعدد الطوائف متماسكا.

وأرجعت باريبان ذلك إلى حقيقة أن المسيحيين اللبنانيين كانوا قادرين على العمل كنطاق عازل بين جيرانهم السنة والشيعة المتصارعين، كما ساهم في ذلك أيضا الدور الإيجابي الذي لعبه الرئيس اللبناني كشخصية وطنية ذات توجه وحدوي.

وينظّم اتفاق الطائف كيفية اقتسام السلطة بين المجموعات الإسلامية والمسيحية المختلفة التي تشكّل النسيج السياسي الطائفي للبلاد. ففي ظل هذا الاتفاق، يتم اقتسام أهم المناصب السياسية حسب الديانة، حيث يحظى المسيحيون الموارنة بمنصب الرئيس، ويحتفظ السنة بمنصب رئيس الوزراء، ويحصل الشيعة على منصب رئيس مجلس النواب. ورغم أن هذا النظام لا يقدم حلاً لجميع القضايا، ولا يحقق متطلبات وتوقعات جميع الأطراف، إلا أنه استطاع أن يحقق التوازن السياسي نوعا ما.

وللمنصب الرئاسي أهمية خاصة بالنسبة إلى الجماعات المسيحية لأن الرئيس ينتمي إليهم، وإن كان المنصب ذاته رمزًا للدولة ككل. ولا تكمن الأهمية الحقيقية للمنصب في السلطات العملية للرئيس، والتي تُعتبر محدودة بطبيعتها، بل في الأهمية الرمزية لوجود لبنان كدولة عربية رئيسها مسيحي، وتمثيله لـ18 طائفة دينية مختلفة. وهذا هو الجوهر الذي لا ينتبه إليه كثيرون في خضم التفاصيل، حسب قراءة مانويلا باريبان للوضع السياسي اللبناني.


غياب التوافق


تنتهي ولاية رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان في 25 مايو، وينتهي معها موعد المهلة المحدّدة للبرلمان لانتخاب خلف له. وفي حال تعذّر ذلك فستتولى الحكومة السلطات التنفيذية بكاملها، وهو سيناريو سبق أن شهده لبنان عامي 1988 و2007.

يرجح محللون ألا تتوافق القوى المحلية والإقليمية على رئيس قبل انتهاء ولاية سليمان في 25 مايو

وطبقا لدستور 1926، الذي عُدّل من خلال اتفاق الطائف، ينتخب البرلمان الرئيس في اقتراع سري لفترة رئاسية مدتها 6 سنوات، وتستمر فترة الانتخاب حتى 25 مايو، وطوال هذه الفترة يستطيع رئيس مجلس النواب دعوة أعضاء البرلمان (128 عضوا) لحضور جلسة عامة لاختيار رئيس جديد. وحسب التقاليد، تتحدد نتيجة الانتخاب بالتسويات السياسية قبل تلك الجلسة.

ويتطلب نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية حضور ثلثي أعضاء البرلمان على الأقل أي 86 من أصل 128 نائبا. وحسب الدستور، يجب على المرشح الحصول على أصوات ثلثي عدد النواب المطلوب للفوز من الدورة الأولى، وإلا تجري عمليات اقتراع جديدة يحتاج فيها المرشّح إلى 65 صوتا على الأقل ليفوز بالسباق الرئاسي، علما أن مجلس النواب يستطيع انتخاب أي مسيحي ماروني من دون أن يكون أعلن ترشيحه.

وفي الحالة الراهنة ينقسم مجلس النوّاب بشكل شبه متساو بين حزب الله وحلفائه و”قوى 14 آذار” المعارضة له، وأبرز مكوناتها “تيار المستقبل” بزعامة الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري. كما يحظى الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي يقدم نفسه على أنه “وسطي”، بكتلة مرجحة من سبعة نواب.

وأخفق مجلس النواب أمس الأربعاء للمرة الثانية خلال أسبوع في انتخاب رئيس جديد للجمهورية بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني لعقد الجلسة. وأعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري تأجيل جلسة الانتخاب إلى السابع من مايو المقبل.

وكان المجلس قد فشل في دورة الانتخاب الأولى في 23 أبريل، في اختيار خلف لسليمان، ونال سمير جعجع، رئيس حزب “القوات اللبنانية” ومرشح “قوى 14 آذار”، 48 صوتا، في مقابل 16 صوتا للمرشح الوسطي هنري حلو. واقترعت “قوى 8 آذار” (حزب الله وحلفاؤه)، بورقة بيضاء. وبينما لم يعلن هذا الفريق اسم مرشحه، يرجح أنه ميشال عون، أبرز الحلفاء المسيحيين للحزب.

وإضافة إلى تباعدهما السياسي الراهن، يعد جعجع وعون من ألد الخصوم منذ الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990). وخاض عون الذي كان قائدا للجيش، وجعجع على رأس القوات اللبنانية، معارك ضارية خلال الحرب، أبرزها “حرب الإلغاء” مطلع العام 1990.

في ظل الظروف الراهنة سيعتبر الجميع أن الوصول إلى أية نتيجة تضمن عدم تفكيك المؤسسات بمثابة نجاح

وتبيّن دراسة مانويلا باريبان أنه في حالة عدم اكتمال النصاب القانوني، أو عدم تحقيق إجماع توافقي (وهو العنصر المهم الذي يهدف النظام الحالي إلى تشجيعه)، يمكن أن يحدث الفراغ السياسي نظريًا ويستمر إلى ما لا نهاية. وإذا حدث هذا، سيختل التوازن بسبب تدخّل القوى الإقليمية والدولية، التي ترى أن الفراغ المؤسسي في لبنان يضر مصالح الجميع، بما في ذلك مصالح اللبنانيين أنفسهم.


دور القوى الإقليمية



كثيرا ما تدخّلت القوى الإقليمية في قرار انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان، وهو دور قام به النظام السوري في السابق عندما كان يفرض وصاية سياسية وأمنية على لبنان على مدى نحو 30 عاما.

ورغم انسحابها العسكري من لبنان في العام 2005، لا تزال دمشق تحظى بنفوذ سياسي واسع، لا سيما من خلال حزب الله الذي يقاتل إلى جانب النظام في النزاع المستمر منذ ثلاثة أعوام. وينقسم لبنان بشدة حول النزاع السوري ودور الحزب فيه. كما أن سلاح الحزب يشكّل منذ أعوام، مادة انقسام أساسية في البلد ذي التركيبة السياسية والطائفية الهشّة. ويقول الحزب إن سلاحه هدفه مقاومة إسرائيل، بينما يتهمه خصومه بفرض إرادته على الحياة السياسية من خلال هذا السلاح.

اتفاق الطائف
اتفاق الطائف هو اتفاق تم التوصل اليه بواسطة المملكة العربية السعودية في 30 سبتمبر 1989 في مدينة الطائف، ينظّم اتفاق الطائف كيفية اقتسام السلطة وفق النسيج الطائفي:

يحظى المسيحيون الموارنة بمنصب الرئيس

يحتفظ السنة بمنصب رئيس الوزراء

يحصل الشيعة على منصب رئيس مجلس النواب

وسط كل ذلك، يرجح محللون ألاّ تتوافق القوى المحلية والإقليمية على رئيس قبل انتهاء ولاية سليمان في 25 مايو. وقد صرّح رئيس دائرة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت هلال خشان “أعتقد أنه لن يكون ثمة رئيس جديد من الآن حتى انتهاء المهلة الدستورية في 25 مايو (…) ففريق حزب الله لا يمكن أن يقبل بجعجع، وفريق قوى 14 آذار لا يمكن أن يقبل بعون”.

ويرى خشان أن السعودية وإيران “لا تبدوان مستعجلتين للتوصل إلى اتفاق” في ما خص الرئيس اللبناني المقبل، مشيرا إلى أن هذا الشأن “ليس ملفا ساخنا” بالنسبة إلى الرياض وطهران، لا سيما في ظل التباين بين الجانبين حول ملفات إقليمية كبرى كالملف النووي والعراق وسوريا واليمن.

في ذات السياق، ترى مانويلا باريبان أنه، ومع انحسار التأثير السوري في الساحة السياسية اللبنانية، انتقلت الأدوار الإقليمية والدولية الرائدة إلى قوى أخرى، حيث تُعتبر السعودية طرفا مؤثرا، خاصة بالنسبة إلى المجتمع السنّي، وكتلة 14 آذار بصفة خاصة. من جانبها تتمتع إيران بنفوذ قوي من خلال علاقتها مع حزب الله.

وتظل الولايات المتحدة الطرف الرئيس في المنطقة، بالرغم من تراجعها. وتشمل الحلقة الثانية من القوى المهتمة بلبنان كلا من روسيا (التي تلعب دورا استراتيجيا قويًا ومتزايدا في البلاد)، وفرنسا (التي لها علاقة تاريخية مع لبنان)، والاتحاد الأوروبي (الذي يعمل على تقوية الآليات المؤسسية من خلال هيئات الأمم المتحدة وقوات اليونيفيل).

وتشير الباحثة إلى أنه في خضم هذه الأحداث اقترح البعض مد فترة رئاسة الرئيس اللبناني الحالي ميشال سليمان لسنتين أخريين. ومع ذلك، يتطلب القيام بهذا تعديلا دستوريا. ولكن يوجد اتفاق عام غير مكتوب بين القوى المسيحية، ومنها الكنيسة، على أن مثل هذا التعديل لن يكون مقبولا شعبيا ولا مناسبا سياسيا.

وتحت عنوان “السيناريوهات الأكثر واقعية”، لا تتوقّع مانويلا باريبان أن تكون القوى المحلية والإقليمية والدولية الرئيسة قادرة على الاتفاق على مرشح قبل موعد 25 مايو، مشيرة إلى أن عملية المفاوضات ستكون طويلة إذا تضمنت دائرة واسعة من متخذي القرار المكبلين بالموازنات، في ظل تحرك كل الأطراف إلى الأمام بحذر بالغ. وسيؤدي هذا إلى فراغ سياسي مؤقت، يتبعه انتخاب مرشح توافقي، وإلا فإن لبنان سيظل كما هو حتى ظهور مرشح توافقي لا يعرفه المشهد الراهن.

7