التوافق حول إدارة الحكم أول المطبات الديمقراطية القادمة في تونس

السبت 2014/11/01
فوز الباجي قائد السبسي من عدمه في الرئاسية المقبلة سيحدد شكل التحالف الحكومي المرتقب

تونس- أسفرت النتائج الأولية للإنتخابات التشريعية التونسية، عن تقدُّمَ حزب حركة نداء تونس العلماني على حساب بقية الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، وكذلك الإسلامية ممثلة في حركة النهضة التي وجدت نفسها في المرتبة الثانية بفارق 16 مقعدا عن النداء في انتظار الانتهاء من إجراءات الطعون. نتائج رافقتها طروحات عدّة تتعلّق بمسائل سياسية مختلفة أهمها يتعلق بالمسار الذي ستتّبعه الأحزاب في إدارة المرحلة المقبلة.

بعد سقوط نظام بن علي في الـ 14 من يناير 2011، أجرت تونس أول انتخابات حرة وشفافة لانتخاب مجلس تأسيس وطني بمشاركة أحزاب مختلفة ومتنوعة أيديولوجيا، وأعتُبرت تلك الفترة الأولى مؤقتة لإرساء المبادئ التأسيسية للجمهورية الثانية، التي تتمثل أساسا في صياغة دستور جديد وتكريس العدالة الانتقالية وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات ثانية تُنهي مرحلة الانتقال الديمقراطي.


كيف كانت تجربة الحكم الأولى؟


أسفرت انتخابات المجلس التأسيس التي أجريت في 23 أكتوبر 2011 عن فوز حركة النهضة الإسلامية، التي عمدت إلى تشكيل ائتلاف حكومي ثلاثي عرف باسم “الترويكا” رفقة حزبين علمانيين (صغيري الحجم)، شكّلت وفقه حكومتها الأولى.

في المقابل تكتلت بقية الأحزاب والقائمات التي تشتت أصواتها، في المعارضة، بما فيها “العريضة الشعبية” التي اعتبرها مراقبون مفاجأة الانتخابات السابقة بما أنها تحصلت على أكبر عدد من المقاعد (بعد النهضة) لو لا إسقاط بعض قائماتها وتوزيعها على بقية الأحزاب، إلى جانب الأحزاب “التقدمية التقليدية” على غرار الحزب الديمقراطي التقدمي، وحركة التجديد وحزب العمال الشيوعي التونسي.

احتكار حركة النهضة الإسلامية للحكم في تلك الفترة والمحاولات التي قامت بها للهيمنة على مفاصل الدولة، وفق عدد من المراقبين، أثار حساسية أطراف عدّة، خصوصا في دوائر اليسار والعلمانيين الحداثيين، الأمر الذي كان وراء بروز توترات عدة في الشارع التونسي، واندلاع أزمة سياسية عميقة على خلفية اغتيال المعارضين اليساريين المنتميان إلى الجبهة الشعبية شكري بلعيد ومحمد البراهمي.


من سيشكل المشهد البرلماني الآتي؟


يرى مراقبون للشأن السياسي أن الانتخابات الثانية بعد الثورة، ستؤسس لمرحلة حكم مستقر أشرفت على تأمينها هيئة الانتخابات المستقلة وسط تعددية حزبية غير مسبوقة مقارنة بالعهدين السابقين (بورقيبة وبن علي)، حيث ضمنت مشاركة حوالي 127 حزبا شاركت من بينها 5 أحزاب في جميع الدوائر الإنتخابية (33 دائرة) لاختيار 217 نائبا. وقد أسفرت النتائج المعلن عن تركيبة برلمانية تعدّدية كذلك (مع تفاوت بيّن في عدد المقاعد)، حيث حصّل نداء تونس 85 مقعدا، تليه حركة النهضة الإسلامية بـ 69 مقعدا، بينما شكل حزب الاتحاد الوطني الحر (أسسه رجل الأعمال سليم الرياحي) مفاجأة هذه الانتخابات شأن ما فعلته العريضة الشعبية سابقا بتحصيله لـ 16 مقعدا، تليه الجبهة الشعبية المحسوبة على اليسار والقوى الاجتماعية بـ15 مقعدا، ثم حزب آفاق تونس اليبرالي بـ 8 مقاعد يليه التيار الديمقراطي بـ 5 مقاعد ثم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والمبادرة 4 مقاعد، وتوزعت باقي المقاعد الـ 24 على باقي الأحزاب والقائمات المستقلة.

هذه النتائج، حسب مراقبين، تميط اللثام منذ الوهلة على مشهد برلماني مقبل يتّسم بالتعدّد، ربّما ستكون فيه الغلبة لأصحاب المنوال الاقتصادي الليبرالي، لكنهم سيُجابهون حتما بأصوات معارضة قوية لطالما عرف بها ممثلو القوى الاجتماعية في الساحات النقابية زمن الدكتاتورية السابقة ممّا ينبئ بمرحلة سياسية قادمة ساخنة خاصة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وفق رأيهم.


لما قوبل الارتياح الدولي بتخوف داخلي؟


قوبلت النتائج الأولية للانتخابات برضا سياسي عام وارتياح دولي واسع، حيث تلقّت تونس تهنئة على هذا التتويج الذي حظي به مسارها الانتقالي من بلدان عدّة شأن الولايات المتحدة الأميركية والمغرب وتركيا وفرنسا (التي اعتبرت تونس منطقة آمنة وسحبتها من لائحة الدول المهددة ودعت مواطنيها للسياحة والاستثمار فيها)، كما عبرت كلّ من بعثة المراقبين الدوليين والأمم المتحدة عن اطمئنانهما على المسار الديمقراطي في تونس.

غير أنّ هذه الإشادة الدولية والسياسية بالانتخابات، لم تمنع الشارع التونسي وبعض الأحزاب من الإعراب عن قلقها من إمكانية عودة “رموز الحزب القديم”، خاصة مع صعود نداء تونس المتهم برسكلة وجوه تنتمي لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، الذي ثار ضده الشعب التونسي في 2011، وفرضية إعادة التأسيس لدولة الاستبداد والتغوّل وعودة حكم الحزب الواحد.

كما أوضح مراقبون أنّ عديد الأطراف سجّلت قلقها من الخروقات التي شابت العملية الانتخابية والاشتباه في عمليات تزوير وشراء للأصوات والتأثير على الناخبين، خاصّة من طرف الحزب الوطني الحر الذي يتزعمه رجل الأعمال سليم الرياحي ورئيس جمعية رياضية تتمتّع بشعبية كبيرة (النادي الإفريقي)، كذلك لم يسلم حزبا نداء تونس وحركة النهضة من هذه الاتهامات التي ستبتّ هيئة الانتخابات في شأن الطعون التي قدّمت على أساسها في قادم الأيّام.


كيف تنظر الأحزاب إلى المستقبل؟


تعدّدت الرؤى والتصورات واختلفت المواقف والاحتمالات التي أعلنت عنها الأحزاب في ما يتعلق بإدارة المرحلة المقبلة، وفيما يلي مواقف أهم الكتل التي ستحدد قواعد اللعبة السياسية وطبيعة التحالفات في قادم الأيام.


◄ النهضة تبحث عن التدارك


يرى عدد من قادة حركة النهضة أن نجاح فترة الحكم القادمة في تونس رهين بنمط الحكم الذي يجب أن يكون ائتلافيا موسعا، يضم أكبر قاعدة ممكنة من التوجهات السياسية، حسب رأيهم.

هذا الخيار الذي لم تسر وفقه حركة النهضة الإسلامية خلال فترة حكمها السابقة وخيرت بدل ذلك التعويل على ائتلاف حاكم ضيق يضم حزبا المؤتمر والتكتّل فحسب، رغم عديد الدعوات التي وجّهت إليها حينها لتشريك أكبر عدد ممكن من الأحزاب حتى لا تزيد من تعميق الأزمات السياسية والاقتصادية التي كانت متربصة بالبلاد، يبدو أنه لقي استحسان الحركة هذه المرة بعد أن تراجع وزنها الانتخابي.

فقد عبّرت الحركة خلال ندوة صحفية عقدتها يوم 30 أكتوبر 2014، عن رغبتها في تحكم الفترة المقبلة وفق مبدأي التوافق والتشارك بين الجميع.

وهو ما ينزّله محللون في إطار بحث الحركة، التي تراجعت شعبيتها لدى قطاع واسع من التونسيين لفشلها في إدارة المرحلة السابقة، عن طرق وأساليب جديدة للتدارك والعودة إلى الحكم.

المنجي الرحوي: الجبهة لن تتحالف نهائيا مع حزب حركة النهضة في الحكومة القادمة

◄ الجبهة ترفض التحالف مع النهضة


الموقف الذي عبرت عنه حركة النهضة بالمقابل لم يجد صداه لدى قياديي الجبهة الشعبية، حيث سارع القيادي بالجبهة الشعبية وعضو البرلمان الجديد عن ولاية جندوبة، منجي الرحوي، بالتأكيد في تصريح صحفي لـ”أفريكان مانجر” على “أنّ الجبهة لن تتحالف نهائيا مع حزب حركة النهضة في الحكومة القادمة. لكنها غير رافضة للتحالف مع أحزاب أخرى، لها نفس البرامج الاجتماعية والاقتصادية التي تراعي قدرات المواطن وحاجياته”. وأفاد الرحوي في ذات التصريح بـ”أنّ حزب الجبهة الشعبية لن ترفض أن تزكي أو تعطي الثقة للحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية، في صورة اجتماعه على برنامج الجبهة الضامن لتحقيق أهداف الثورة”، مضيفا بالقول: “إلّا أنه في حال تحالف هذا النداء مع النهضة، فإنّ الجبهة ستنسحب فورا من هذا التحالف”.


◄ النداء ينتظر نتائج الرئاسية


حزب نداء تونس من جانبه لم يدلي بأيّ موقف رسمي في هذا الصدد، عدا بعض التصريحات من قيادييه التي لمحوا من خلالها إلى إمكانية إنشاء تحالف يضمن لتونس نمطها المجتمعي الحداثي وسلامة مسارها الديمقراطي. كما أصدر الحزب بلاغا، دعا من خلاله جميع الأطراف السياسية إلى الحدّ من التجاذبات التي لا تخدم المرحلة وذلك بالمزيد من التعقل وضبط النفس.

كما شدّد البلاغ على “أنّ النداء أنه متمسك بنهج الحوار والتوافق كآلية ضرورية لإنجاح استحقاقات المرحلة والانتقال من المؤقت إلى الشرعية والاستقرار”، مؤكدا في ذات الإطار أنه من مصلحة جميع التونسيين الذين برهنوا عن أداء متميز في الحملة الانتخابية وأثناء عملية الاقتراع، أن يحولوا ذلك الأداء إلى تقليد ديمقراطي لإنجاح الانتخابات الرئاسية، التي تشهد مشاركة رئيسه الباجي قايد السبسي فيها.

هذا وتبقى ملامح المشهد السياسي المقبل وكذلك آليات إدارة الحكم في تونس رهينة للمفاوضات وقدرة الأطراف السياسية على إدارة الخلاف، كما أنها في نظر النداء مرهونة بما ستسفر عنه نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة.


إقرأ أيضا:

6