التوافق حول رؤية موحدة أبرز تحديات ملف الإصلاح الجامعي في تونس

تباينت الآراء واختلفت التصريحات بشأن مرتكزات الرؤية الإصلاحية لمنظومة التعليم العالي في تونس والأسس التي سيبني عليها القائمون على ملف الإصلاح نظرياتهم وبحث السبل الكفيلة لإيجاد أرضية مناسبة للحد من المشكلات التي تعيشها الجامعات التونسية، لكن محللين يشككون في جدوى هذا التمشي لجهة تعدد الصعوبات وتداخلها والتي تصعب معالجتها في آن واحد.
الثلاثاء 2017/11/07
التركيز على مستقبل أجيال قادمة

تونس - أعلنت وزارة التعليم العالي في تونس أنها ستنظم مؤتمرا في بداية ديسمبر المقبل سيخصّص لإصلاح منظومة التعليم العالي. وقال وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم خلبوس إن “الوزارة تطمح إلى تسليط الضوء على المشكلات الحقيقية لقطاع التعليم العالي مع التركيز على بحث الأهداف الاستراتيجية”.

وفيما تتباين الرؤى حول الإصلاحات التي ستركز عليها وزارة التعليم العالي للنهوض بمستوى التعليم الذي تقدمه الجامعات لجهة جدوى الشعب العلمية الجديدة ومراجعة الأهداف المرسومة للأصناف المتخرجة ومدى مواكبتها لسوق الشغل، يرى خبراء ومختصون جامعيون أنه لا بد من وضع استراتيجية تراعي الجانب البيداغوجي وتهتم بالبرامج المنتهجة وضرورة مراجعتها وتنقيتها بما يخدم التوجه العام للدولة.

لكن وزير التعليم العالي يؤكد أن الجامعات التونسية العمومية أو الخاصة بحاجة إلى تركيز كل مجهوداتها على جودة التعليم مهما كانت البيداغوجيا المنتهجة لضمان مواطن شغل للمتخرجين، مشيرا إلى أن الوزارة لم تقم بتغيرات جذرية في ما يتعلق بالجانب البيداغوجي، وأن هذا الموضوع ستتم مناقشته خلال المؤتمر المزمع عقده من قبل الوزارة والذي سيضم 2000 مشارك.

وأوضح سليم خلبوس، وزير التعليم العالي، أن الإصلاح الآن يجب أن يشمل التعليم الخاص والعمومي، خاصة أن أوروبا ستقوم بإدخال منظومة الاعتمادات انطلاقا من سنة 2023، مما يحث تونس على الإسراع في الإصلاح.

وتسعى وزارة التعليم العالي إلى تعميم مراكز المهن في الجامعات التونسية لإكساب الطلاب أكثر مهارات ولتسهيل إدماجهم في سوق الشغل والمزيد من استقطاب الطلبة الأجانب لتوفير اعتمادات جديدة ومحاولة إرساء شركات جديدة مع البلدان الآسيوية في مجال تبادل الخبرات المعرفية إلى جانب تعزيز التعاون في مجال التعليم والبحث العلمي مع الشركاء التقليديين من البلدان العربية والأوروبية.

محمد بن فاطمة: الإصلاح يجب أن يركز على الجانب العلمي ولا يكترث بالتجاذبات السياسية

ويؤكد هذا التمشي تقريب الجامعات التونسية من المحيط الاقتصادي من خلال تحفيز الشركات على إقامة شراكة مع الجامعات في مجال البحث العلمي والتكوين المستمر، بما يساهم في توفير الاعتمادات المالية للجامعات التونسية ويضمن انفتاحها على تجارب البلدان الأخرى في مجال التجديد والبحث العلمي.

ويسلط البحث حول التركيز على رؤية إصلاحية لقطاع التعليم العالي طال انتظارها لغياب الإرادة اللازمة والتوافق حول برنامج إصلاح موحد يخلّص قطاع التعليم العالي من المشكلات الحقيقية التي يعيشها والتي تفاقم منسوبها بعد ثورة 14 يناير وأضحت ظاهرة للعيان.

ويقرّ باحثون بأن إمكانات إصلاح التعليم تبدو محدودة جدا، نظرا لما يتطلبه ذلك من إرادة سياسية وإمكانيات مادية ضخمة، وفي ظل عجز الدولة ماديا عن إصلاح مؤسساتها التربوية وترميمها وصيانتها ناهيك عن تجهيزها بأحدث الوسائل التربوية والبيداغوجية، يصبح الحديث عن إصلاح منظومة التعليم العالي بمثابة ترف فكري شعاراتي أكثر من كونه بحثا معمقا في الاهتمام بمستقبل أجيال قادمة.

ويذهب العديد من الأخصائيين في تونس إلى التأكيد على أنه ما دامت الإرادة الصادقة من جميع الأطراف غير متكرسة حاليا في ظل الانقسام المجتمعي وحالة الاستقطاب السياسي لا يمكن أن نصلح ما يمكن إصلاحه من فساد نخر التعليم في الجامعات لعقود طويلة ونحن لا نمتلك أدوات الإصلاح المجمع حولها ولا الرؤى الإصلاحية المشتركة.

ويرى محمد بن فاطمة، الخبير في تقييم النظم التربوية والرئيس الجديد للائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية، أنه يجب التخلي عن المنهجية الخبرية (التي تستند إلى الخبرة)، لأن من يقومون بالإصلاح لهم تجربة وخبرة لكنهم غير ملمين بعلوم الإصلاح، وفق رأيه. وقال بن فاطمة “يجب التركيز على الجانب العلمي الذي لا يخضع للأيديولوجيات ولا يكترث بالتجاذبات السياسية”.

لكن وزير التعليم العالي وجه دعوة غير مباشرة لأصحاب رؤوس الأموال وللشركات الخاصة للمساهمة في بناء بنية تحتية جديدة للجامعات، مشيرا إلى ما صرح به رئيس الحكومة يوسف الشاهد في حواره حول الشراكة بين القطاع العام والخاص في مجال التعليم.

وأقر خلبوس أنه بتضافر جهود كل المتدخلين في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، فإنه يمكن الخروج من هذه الأزمة التي أثرت على قطاع التعليم العالي. وأفاد بأن فترة ما بعد الثورة شهدت حوارا معمّقا على إصلاح التعليم العالي، لكن تفعيل هذا الإصلاح لم يحدث، وإنما تمّ تشخيص لواقع التعليم العالي.

ما يمكن تأكيده هو أنه بات ضروريا اليوم تفعيل الشراكة المتكافئة على أساس التفاعل البناء والاتصال المستمر والمباشر وفتح الباب أمام كل المهتمين بملف الإصلاح الجامعي وتجنب سياسة الإقصاء ليتم تحديد التوقعات والأهداف والمسؤوليات والمصالح المشتركة بينهم كشركاء متساوين بغية الوقوف على التحديات التي تواجهها المؤسسة الجامعية ككل وتحقيق التعاون لتفعيل العلاقة والشراكة الدائمة بين المجتمع والجامعة.

لكن مهما يكن من حديث عن تجارب إصلاح التعليم العالي في تونس أو في غيرها من البلدان العربية الأخرى، فإن المسألة مرتبطة ببحث معمق يسلط الضوء على كيفية إدارة منظومة التعليم الجامعي من طرف الفاعلين الحقيقيين في هذا القطاع ومحاولة إيجاد مقاربات تطبيقية تكون مبنية على نماذج لتجارب مماثلة ناجحة.

ويظل الهدف المعلن من الإصلاح هو النهوض بمستوى الطالب التونسي باعتباره الحلقة الأهم في المنظومة التعليمية ككل والهدف الذي تنشده كل تجربة إصلاحية هادفة للتركيز على المستقبل.

الدُول تبنى بالتركيز على مستقبل أجيالها وتوفير متطلبات النجاح لهؤلاء كي يعملوا ويواصلوا دراستهم في أحسن الظروف لبلوغ المستقبل المنشود وتحقيق نقلة اقتصادية، وتونس من البلدان التي ركزت على تجارب النهوض بقطاع التعليم دون تطوير هذه التجارب، والآن تمر بمراحل حرجة نتيجة العديد من الظروف والتي بتضافر جهود القائمين على التعليم يمكن الحد منها وتذليلها والعمل على تجاوزها.

مستقبل الأجيال القادمة في تونس يبنى بالتوازي مع ما يخطط له القائمون على صنع القرار في الدولة في قطاع التعليم لأنه يظل المحور الأساسي لكل تجربة تنموية ناجحة عبر البحث والابتكار والتدبر لشؤون الدولة وطموحاتها المستقبلية.

17