التوافق يغيب عن جلسة انتخاب رئيس لبنان ويبقي كرسي بعبدا شاغرا

الخميس 2014/04/24
لبنان على موعد جديد لاختيار رئيسه فهل تتفق القوى في المرة القادمة

بيروت - فشل البرلمان اللبناني، أمس الأربعاء، في انتخاب رئيس جديد للبلاد، وسط انقسام سياسي حاد بين قوى “14 آذار”، المناصرة للثورة السورية، وقوى “8 آذار”، الداعمة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ولم تتوافق هذه القوى على مرشح وسطي، حيث يتخوف الكثير من اللبنانيين، الذين اختبروا لسنين طويلة جولات عنف قبل كل استحقاق مهم، من انعكاس ذلك على الاستقرار في البلاد.

أعلن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري إرجاء عقد جلسة الانتخابات للتصويت على انتخاب الرئيس اللبناني الجديد إلى يوم الاربعاء المقبل، بعد فشل البرلمان في عملية التصويت، الذي كان متوقعا فشله في الجولة الأولى، حسب العديد من المراقبين بسبب عدم توافق القوى اللبنانية على مرشح توافقي، ولم ينل أحد من المرشّحين للرئاسة الأولى الأصوات المطلوبة للفوز للوصول إلى قصر بعبدا.

وكان مجلس النواب اللبناني قد بدأ أمس الأربعاء جلسة مخصصة، هي الأولى، لانتخاب رئيس جديد خلفا للرئيس الحالي ميشال سليمان الذي تنتهي ولايته في 25 مايو المقبل، والتي بدأت بحضور 124 نائبا من أصل 128، بعد اكتمال النصاب المطلوب دستوريا، الذي أعلن عنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، للتصويت على اختيار الرئيس الذي سيخلف الرئيس الحالي ميشال سليمان.

وأظهرت نتائج التصويت في دورة الانتخاب الأولى، حصول زعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، المدعوم من قوى “14 آذار”، على 48 صوتاً، لم تكن كافية لفوزه بالرئاسة الأولى، فيما نال النائب هنري حلو، الذي دعمته كتلة النائب وليد جنبلاط النيابية، 16 صوتا، و صوّتت قوى “8 آذار” وكتلة التيار الوطني الحر النيابية، التي لم تعلن عن مرشّحها للرئاسة بعد، بورقة بيضاء وصل مجموعها إلى 52، وحصل الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، الذي لم يُعلن عن ترشّحه بعد، على صوت واحد.


عملية الاقتراع


يحتاج المرشّح للفوز بمنصب رئاسة الجمهورية إلى ثلثي عدد أعضاء البرلمان (86 عضوا) في دورة الانتخاب الأولى، على أن ينخفض العدد إلى نصف أعضاء البرلمان زائدا واحدا (65 عضوا) في الدورة الثانية.

ميشال عون: "انسحبنا من جلسة التصويت لأنه لم يكن ممكنا تشكل تفاهم حول أحد"

وينتمي رئيس الجمهورية اللبنانية، حسب العرف، إلى الطائفة المارونية المسيحية، وتدوم ولايته ست سنوات، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد انقضاء ست سنوات لانتهاء ولايته، كما لا يشترط الدستور اللبناني إعلان الترشح لرئاسة الجمهورية، حيث يمكن لمجلس النواب اختيار شخصية لم تعلن ترشحها رسميا للرئاسة الأولى في لبنان، وإذا ما تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، تنتقل صلاحيات الرئيس إلى مجلس الوزراء كما جاء في المادة 62 من الدستور اللبناني.

وتتردد في وسائل الإعلام أسماء مرشحين محتملين للوصول إلى القصر الرئاسي في بعبدا، دون أن يعلنوا ترشحهم لمنصب رئيس الجمهورية، أبرزهم الزعيم المسيحي وزعيم “تكتل الإصلاح والتغيير” ميشال عون، الذي أعلن في تصريحاته أنه يفضل أن يكون مرشحا “توافقيا” بين الأطراف السياسية المختلفة، رغم أنه لم يعلن ترشيحه إلى الآن.

وفور قيام النواب بعملية الاقتراع السري، عمد عدد من النواب، وعلى رأسهم الزعيم المسيحي ميشال عون، إلى مغادرة قاعة المجلس النيابي، مما أفقد الجلسة نصاب الثلثين، وبالتالي لم يكن في الإمكان عقد دورة ثانية من الاقتراع على الفور، الأمر الذي توقعه عدد من المراقبين، بأن تلجأ أطراف إلى إفشال جلسة الانتخاب وتعطيلها.

وقال عون للصحفيين بعد خروجه من الجلسة “انسحبنا لأنه لم يكن ممكنا تشكل تفاهم حول أحد، لذلك تركنا القاعة، وفي الجلسة القادمة يمكن أن نشكل نوعا من الاجماع حول مرشح”. وكان عون أعلن قبل الجلسة أنه لم يترشح إلى الانتخابات، لأنه يريد أن يكون مرشحا تتوافق حوله أكثرية، وهو أمر غير متوفر حاليا، ومن بين النواب الذين انسحبوا من الجلسة أعضاء في حزب الله وفي الحزب القومي السوري وفي حزب البعث الاشتراكي.

ولا يخفي الكثير من اللبنانيين تمنياتهم بوصول رئيس إلى سدة الحكم يخدم “مصالح اللبنانيين فقط”، إلا أنهم يدركون واقع بلادهم جيدا وانعكاس المصالح الإقليمية والدولية على هذا الاستحقاق المهم، فقديما كانت سوريا تختار الرئيس في لبنان، وتفرضه على القوى المحلية مثلما فعلت مع إميل لحود، ولكن النظام السوري لم يعد هو الذي يختار الرئيس اللبناني، إنما بإمكانه تعطيل انتخابه عبر حليفه “حزب الله”، مثلما يرى المراقبون.

وغالبا ما خضع اختيار الرئيس في لبنان لإملاءات خارجية، وتمكنت دمشق من فرض رؤساء موالين لها منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990) وحتى تاريخ انسحاب جيشها من لبنان العام 2005.

وفي 2008، وبعد فراغ في سدة الرئاسة استمر أكثر من سبعة أشهر، ومواجهة عسكرية بين أنصار حزب الله وخصومه قتل فيها أكثر من مئة شخص، تم التوصل إلى “توافق” محلي ودولي على انتخاب ميشال سليمان الذي كان في حينه قائدا للجيش.


سباق انتخابي


يعلم المتابعون للمعركة الانتخابية الرئاسية في لبنان أن للتوافق الإقليمي أثره عليها رغم تشديد الزعماء السياسيين في لبنان على وجوب أن تكون الانتخابات الرئاسية “صناعة لبنانية”.

وتبدو الساحة اللبنانية أشبه بسباق انتخابي بين طرفين بارزين في لبنان، بين قوى “14 آذار” المناهضة لدمشق والتي صوتت لأحد أبرز قيادييها وهو سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، الذي يعتبر بشكل عام مرشح تحد للفريق الآخر المتحالف مع دمشق وأبرز مكوناته حزب الله الذي يقاتل إلى جانب قوات نظام الرئيس بشار الأسد داخل سوريا، وبين قوى “8 آذار” (حزب الله وحلفاؤه وأبرزهم الزعيم المسيحي ميشال عون) التي لم تعلن إلى الآن عن مرشحها الرئاسي.

نبيل بومنصف: "قوى 8 آذار "تنصب الأفخاخ" كعدم تبنيها رسميا مرشحا لها"

وينقسم المجلس بشكل شبه متساو بين الفريقين اللذين لا يملك أي منهما الأكثرية المطلقة، بينما توجد مجموعة من النواب الوسطيين أو المستقلين، معظمهم ينتمون إلى كتلة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي يدعم النائب هنري الحلو رئيسا.

وكان فشل الجلسة الأولى متوقعا من قبل الخبراء السياسيين الذين رأوا أن “الدخان الأبيض” لن يتصاعد من مقر مجلس النواب اللبناني في الجلسة العامة التي عقدها البرلمان لانتخاب الرئيس الـ13 للبلاد، قبيل انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال سليمان في 25 مايو المقبل، موضحين أنها لن تتعدى كونها جلسة “بروفة” بين الفريقين السياسيين المتصارعين.

وتوقع الخبراء ألاّ يتفق هذان الفريقان على رئيس جديد للبنان، مرجحين الوصول إلى فراغ رئاسي يستدعي تدخلا خارجيا “لا يحصل عادة إلا عند وقوع الأزمات فعليا”.

واعتبر المحلل الاستراتيجي رياض طبارة أن الجلسة النيابية “ما هي إلا بروفة” وأشار طبارة، وهو مدير مركز الدراسات والمشاريع الانمائية في بيروت إلى أن هذه الجلسة ستكون تمهيدية وتحضيرية للجلسات المقبلة “الجدية”، متوقعا اكتمال نصابها دون حصول أي مرشح على ثلثي أصوات النواب المطلوبة لانتخاب الرئيس اللبناني.

من جانبه، اعتبر نبيل بو منصف، نائب رئيس تحرير جريدة “النهار” المقربة من “14 آذار”، أن قوى “8 آذار” تتعامل مع الاستحقاق الرئاسي على أنه “معركة حربية لا عملية ديمقراطية”. وأضاف بو منصف أن هذه القوى “تنصب الفخاخ”، كعدم تبنيها رسميا مرشحا محددا للرئاسة، إضافة إلى أنها لم تصدر أي بيان واضح” .

أما المحلل السياسي قاسم قصير، وهو صحفي مقرب من “حزب الله”، فرأى أن جلسة الأربعاء “لن تكون واضحة المعالم” في ظل الانقسام الحاد بين الفريقين السياسيين الرئيسيين في لبنان.

وقال قصير إن “احتمال التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى وجود رئيس جديد في 25 مايو في القصر الرئاسي في بعبدا شرق بيروت “ضئيل، مبررا عدم إعلان قوى “8 آذار” ترشيح العماد ميشال عون، رئيس “التيار الوطني الحر” بشكل رسمي بعدم “رغبة عون في أن يكون مرشح هذه القوى، بل يريد أن يكون توافقيا بين كل اللبنانيين”.

وستكون من أولى مهام الرئيس الجديد المساعدة في الحفاظ على الاستقرار في بلد صغير يستضيف أكثر من مليون لاجئ سوري وشهد سلسلة تفجيرات بسيارات مفخخة وهجمات صاروخية وقتالا في الشوارع أدت الى سقوط عشرات الاشخاص، بسبب سياسة حزب الله و تدخله في الشأن السوري ما أقحم لبنان في دوامة عنف كان بمنأى عنها.

كما سيتعين على الرئيس المنتخب تمهيد الطريق لإجراء انتخابات برلمانية في وقت لاحق هذا العام والتي تأخرت بسبب نفس المأزق السياسي الذي يهدد كرسي الرئاسة.

وغالبا ما يشكل اسم الرئيس الجديد نقطة تقاطع بين دول إقليمية وغربية ذات تأثير على لبنان ذي التركيبة الطائفية والسياسية الهشة، وقد تم على هذا الأساس انتخاب الرئيس سليمان قائد الجيش السابق في الخامس والعشرين من أيار عام 2008 في إطار اتفاق في الدوحة بعد معارك وصلت إلى العاصمة بيروت.

ومع الفشل في انتخاب رئيس جديد للبنان بات الباب مفتوحا أمام مرشحين آخرين في مقدمتهم الزعيم المسيحي ميشال عون قائد الجيش السابق والطامح للوصول إلى سدة الرئاسة منذ سنوات وقائد الجيش الحالي جان قهوجي وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة كمرشحي توافق في حالة فشل البرلمان في انتخاب رئيس جديد في الجولة الثانية.

ويبدو أن الغموض سيبقى مسيطرا على اللبنانيين الذين لن يعرفوا إن كان الأمر سيرسو على رئيس جديد أو فراغ يخشوه، وفي المحصلة يرى المراقبون أن وصول أي مرشح للرئاسة لن يكون سهلا، ويبقى خلاص لبنان في هذه المرحلة برئيس قادر على تأمين الحد الأدنى من التوافق المفقود بين اللبنانيين، وهو ما ستحدده الأيام المقبلة في الجلسة المرتبقة يوم الأربعاء القادم.

6