التوتاليتارية الناعمة

الخميس 2016/08/18

منذ أن تغوّلت الشركات العملاقة الأربع التي يشار إليها بـ”غافا” (الأحرف الأولى لغوغل وآبل وفيسبوك وأمازون) والكتّاب يحذّرون من مخاطر الإنترنت، ومن سعي تلك المؤسسات لإخضاع البشرية لمشيئتها، سواء في شكل دراسات مثل “مشروع كراوس” لجوناثان فرانزن أو في شكل روائي كما في “الحلقة” لديف إيجس.

هذه الرواية تنتمي إلى النوع الاستباقي الديستوبي – أي ذلك الذي ينطلق من واقع معين ويحذر من مخاطر تحتمل الحدوث – وتهتم بتحول المواقع الاجتماعية في العالم إلى موقع وحيد، يمتلك معلومات عن كل مستعمليه، بعد أن توصلت شركة خاصة إلى ابتكار منظومة جديدة تدعى “ترو يو” بمعنى الأنا الحق، ألغت إغفال الهوية، ووحدت كل الخدمات على الشبكة، وجعلت الشفافية والمشاركة والكياسة أركان عصر رقمي جديد.

في هذا العالم الذي تصوره الرواية، يدعى الفرد إلى الامحاء أمام المجموعة، أي الإنسانية قاطبة، وإعلامها فورا بكل ما يصادفه، قولا وصورا وتعاليق، لأن من يحتفظ بمشاعر راودته، أو تجربة عاشها، أو شيء شاهده، معناه أنه سرق من الآخرين فرصة إثراء تجاربهم. كل شيء في هذا العالم الرهيب تحت المراقبة، فالكاميرات شديدة الدقة لا تغطي الكوكب وحده، بل البشر أيضا، لأن كل شيء ينبغي أن يسجَّل لفائدة الذاكرة الجمعية، فلا مجال بعدئذ للكذب وإخفاء الأسرار، ولا حق لأحد في حجب أفعاله عن أنظار المجموعة، ولا في استعمال زر الحذف، لأن هذا الزر حُذف. أي أن كل عمل مشين أو حميم التقطته كاميرا أو عدسة هاتف جوال، وكل تدوينة كتبت على الإنترنت ستكون خالدة أبد الدهر. وبذلك صار كل فرد مطالبا بإبداء تحمسه لكل “زينغ” (تغريدة سوبر) يدونها الآخرون، لأن الشفافية هي الأساس، كل شيء ينبغي أن يُعرف، وكل ما يُعرف ينبغي إشراك الآخرين فيه.

ولئن سارع بعض النقاد إلى تشبيه “الحلقة” برواية أورويل “1984” لا سيما في ما يتعلق بثلاثية الكون المقدسة “الحرب هي السلم؛ الحرية هي العبودية؛ الجهل هو القوة”، التي تقابلها هنا حكم ثلاث “الأسرار كذب؛ الحياة الخاصة سرقة؛ المشاركة عناية”، فإنها في نظرنا أقرب إلى “الرّق الإراديّ” حسب لابويسي، وإن كان الـ”ترو يو” لا يقل تحكما في المصائر من الأخ الأكبر. فكلاهما يجهد في إرساء نظام شموليّ.

بعد توتاليتارية القرن العشرين التعسفية، هي ذي توتاليتارية الألفية الثالثة، توتاليتارية ناعمة في الظاهر، ولكنها في الواقع كابوس مرعب، قد يعيشه مستعملو الشبكة في شتى أنحاء العالم.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15