التوترات الاجتماعية تثقل كاهل الحكومة في الجزائر

أزمتا السكن والشغل تشكلان الهاجس الأكبر الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي في الجزائر بسبب اختلال التوازن بين العرض والطلب وتراجع الإمكانيات المالية للحكومة.
الجمعة 2021/03/26
غليان في الشارع الجزائري

الجزائر- تصاعدت وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية في عدد من المدن الجزائرية، بشكل يبرز حجم الأعباء التي تثقل كاهل الحكومة، في ظل تشابك خيوط الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وعجزها عن تلبية الاحتياجات المتنامية للمجتمع، مما يجعل تلك الاحتجاجات بؤرا مغذية للأزمة السياسية التي تتخبط فيها منذ أكثر من عامين.

ونظم متضررون من الزلزال الذي ضرب منذ نحو عام ولاية (محافظة) ميلة في شرق البلاد الأربعاء وقفة احتجاجية أمام مبنى السلطة المحلية (البلدية)، للتنديد بما وصفوه بـ”مماطلة تلك السلطات في التكفل بالأضرار التي خلفها الزلزال على مساكن ومباني هؤلاء”.

في خطوة لامتصاص غضب فئة معطوبي ومشطوبي وذوي حقوق أفراد الجيش قررت السلطات العسكرية مراجعة بعض التدابير المعمول بها سابقا

أزمتا السكن والشغل تشكلان الهاجس الأكبر الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي في الجزائر بسبب اختلال التوازن بين العرض والطلب وتراجع الإمكانيات المالية للحكومة.وتزامن الاحتجاج مع تظاهرات أخرى نظمها مستفيدون من صيغة سكنية تدعمها خزينة الدولة وتعرف اختصارا بـ”عدل”، بسبب نقص الخدمات ونوعية السكن وتأخر الوصاية في التكفل بالملفات المودعة لدى مصالحها في مختلف المدن.

وتشكل أزمتا السكن والشغل، الهاجس الأكبر الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي في البلاد خلال السنوات الأخيرة، بسبب اختلال التوازن بين العرض والطلب، وتراجع الإمكانيات المالية للحكومة التي كانت ترصدها سنويا في إطار ما كان يعرف بشراء السلم الاجتماعي.

وكان عدد من الشبان في ضاحية بني ثور بمدينة ورقلة بأقصى الجنوب الشرقي للبلاد، قد نظموا الاثنين وقفة احتجاجية حولوا فيها أجسادهم إلى وسيلة للفت انتباه السلط المختصة، بعدما أخاطوا أفواههم بآلات حادة وألحقوا بأجسادهم جروحا بالأسلحة البيضاء، احتجاجا على ما وصفوه بـ”إقصائهم من فرص الشغل المفتوحة في المنطقة من طرف الشركات النفطية العاملة هناك”.

السلطة الجزائرية تتخوف من إمكانية تحول بؤر التوتر الاجتماعي إلى غذاء للاحتجاجات السياسية

وتعيش الجزائر في الأسابيع الأخيرة غليانا اجتماعيا غير مسبوق، بسبب تراكم أوجه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، فبعدما كانت الأضواء تسلط على البطالة والسكن، امتدت العدوى إلى الغلاء اللافت في مختلف المواد الاستهلاكية، وتراجع القدرة الشرائية للسكان بسبب الخفض المستمر لقيمة العملة المحلية (الدينار الجزائري)، أمام سلة العملات الصعبة.

ويبدو أن الجزائر تتجه نحو صيف اجتماعي ساخن، قياسا بالعديد من المؤشرات التي تكرس تراجع الخدمات العمومية وندرة بعض السلع الغذائية في الأسواق، وبدأت بوادر ذلك بأزمة السيولة المالية في مراكز البريد والبنوك، وتذبذب التزويد بمياه الشرب، وارتفاع الأسعار، وتراجع أداء الهيئات والسلط الحكومية المحلية في التكفل بالانشغالات اليومية للمواطنين.

وسجلت الجزائر تراجعا في القدرة على الاستمرار في سياسة شراء السلم الاجتماعي، بعد تقلص مواردها بداية من صائفة العام 2014، حيث نزلت المداخيل من أكثر من 60 مليار دولار العام 2013، إلى حوالي 27 مليار دولار العام الماضي، فضلا عن تآكل احتياطي الصرف الأجنبي الذي تقلص من سقف 200 مليار إلى نحو 40 مليار دولار أميركي حاليا، بحسب تصريحات الحكومة.

ورغم انشغال قطاع معتبر من الشارع الجزائري بالاستحقاق الانتخابي المقرر في الـ12 من يونيو المقبل، إلا أن الإكراهات الاجتماعية باتت تفرض نفسها بشكل بارز، وأحبطت معها الأمل في التغيير الذي تروج له السلطة الجديدة، خاصة في ظل تداول صور وتسجيلات لم يعهدها الجزائريون إلا في ثمانينات القرن الماضي، وأدت حينها إلى ما يعرف بانفجار أكتوبر سنة 1988.

وتتخوف السلطة الجزائرية من إمكانية تحول بؤر التوتر الاجتماعي إلى غذاء للاحتجاجات السياسية المستمرة في البلاد منذ الـ16 من فبراير الماضي، على اعتبار أن الخطاب السائد لدى الحراك الشعبي والمعارضة السياسية، يتحدث عن “نظام سياسي فاشل يتوجب رحيله، وليس مجرد أزمات عارضة”.

تشكل أزمتا السكن والشغل، الهاجس الأكبر الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي في البلاد خلال السنوات الأخيرة، بسبب اختلال التوازن بين العرض والطلب

وفي خطوة لامتصاص غضب فئة معطوبي ومشطوبي وذوي حقوق أفراد الجيش، الذين وقع الاستغناء عنهم بعد حقبة العشرية الدموية (1990 - 2000)، بعد تعرضهم لحملة قمع خلال الأسبوع الماضي عقب محاولتهم تنظيم وقفة احتجاجية قرب العاصمة، قررت السلطات العسكرية مراجعة بعض التدابير المعمول بها سابقا، من أجل التكفل بمطالب أكبر عدد من المعنيين، والذي يقدر بأكثر من 200 ألف فرد.

وكان ناشطون في التنسيقية المشرفة على هؤلاء، قد عبروا في أعقاب إجهاض وقفتهم الاحتجاجية من طرف قوات الأمن، عما أسموه بـ"خيبتهم في وعود الرئيس عبدالمجيد تبون، بعدما وعدهم خلال حملته الانتخابية بطي الملف نهائيا"، وتوعدوا بالعودة إلى صفوف الحراك الشعبي وتبني مطالبه السياسية.

4