التوتر السياسي والثقافي في المسألة الأمازيغية

الثلاثاء 2017/04/04
المعركة بدأت لغوية

نشأت الحركة الأمازيغية بالمغرب العربي في إطار جدلية ثقافية ترتكز على ثنائية العروبة والتمزيغ، أو الإسلام والثقافة الأمازيغية.

وقد نهضت هذه النزعة، التي انطلقت ثقافية قبل أن تنعطف ناحية الطرح السياسي، على أكتاف الأدبيات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية التي خلفتها المرحلة الاستعمارية في المنطقة؛ وهي الأدبيات التي سعت إلى إعادة إحياء التراث الأمازيغي التاريخي القديم ما قبل التعريب والأسلمة، وحاولت أن تعطي الانطباع بأن الأصول الثقافية والحضارية الأولى للمنطقة هي أصول أمازيغية، بل قدمت محاولات لإحياء اللهجة الأمازيغية القديمة، التي هي في واقع الأمر لهجات، على أساس أن لها بنية لسانية مستقلة قادرة على التجدد والاستمرار.

وليس من شك في أن "الظهير البربري" الشهير في المغرب، الذي وضعته الإدارة الاستعمارية في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، كان يرمي إلى التنفيذ العملي لتلك الأطروحة عبر فصل المغرب إلى “شعبين” متخاصمين، الأمازيغي والعربي.

المحاولات المبكرة التي قامت بها فرنسا، التي بنت سياستها الاستعمارية على تضخيم الأبعاد الثقافية وخلق"جغرافيات ثقافية" في البلدان المستعمرة، سرعان ما ستتخذ بعدا آخر بعد استقلال بلدان المغرب العربي. أدركت الدوائر الاستعمارية بأن مخطط التقسيم سيواجه مقاومة عنيدة، ولذلك تحولت إلى تشجيع اللهجات المحلية أو البنيات اللسانية الصغرى، بقصد خلق نوع من التوازي بين اللهجات الأمازيغية واللهجات المحلية الأخرى ذات الجذور العربية، فظهرت اتجاهات تغذي الدعوة إلى استبدال الفصحى بالعامية، وتروج بأن العامية لديها بناء معجمي مستقل يمكن استثماره لإحلال العامية محل الفصحى، ولن يحتاج المرء إلى ذكاء ليدرك بأن تلك الدعوى قريبة من الدعوى القائلة بالبنية اللسانية المستقلة للهجة الأمازيغية.

نزعة انطلقت ثقافية قبل أن تنعطف ناحية الطرح السياسي، نهضت على أكتاف الأدبيات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية التي خلفتها المرحلة الاستعمارية

عملت الحركة الوطنية في المغرب على صهر مختلف المكونات في البلاد، ونجحت في تجاوز مخلفات الحقبة الاستعمارية عبر ما سمي “المدرسة الوطنية” التي صارت عنوانا على الاندماج في الثقافة الواحدة المشتركة، وهو ما عبر عنه في نهاية الخمسينات المهدي بن بركة بقوله “إن البربري هو بكل بساطة الشخص الذي لم يذهب إلى المدرسة".

تجاوب المغرب مع العديد من المطالب التي رفعتها الحركة الأمازيغية منذ مؤتمر أكادير عام 1981، واتخذ إجراءات كان من بينها إنشاء المعهد الملكي للأمازيغية، وإدراج تعليم الأمازيغية في المقررات الدراسية، وتقديم نشرات إخبارية في التلفزيون العمومي باللهجات الأمازيغية، الريفية والشلحة والأمازيغية، التي بدأ العمل بها عقب أحداث “الربيع الأمازيغي” عام 1980 في الجزائر. مكنت هذه الخطوات من الالتفاف على النهج الذي أراد بعض الأمازيغ المغاربة المتطرفين السير فيه، وهو النظر إلى المسألة الأمازيغية كقضية واحدة في المنطقة المغاربية دون أخذ الخصوصيات الوطنية بالاعتبار وبالتالي ربط مصير الأمازيغ المغاربة بالأمازيغ الجزائريين.

غير أن تجاوب الدولة مع مختلف مطالب الحركة الثقافية الأمازيغية لم يكن كافيا، بحيث ظهرت مؤشرات على الرغبة في تسييس القضية الأمازيغية والمطالبة بإنشاء حزب سياسي انفصالي. وقد تزامنت تلك الرغبة مع ظهور نزعات انفصالية محلية في بعض مناطق المغرب ذات الغالبية الأمازيغية تدعو إلى الانفصال والحكم الذاتي، خصوصا في منطقة الريف. وفي عام 2008 رفضت إحدى المحاكم في الرباط ملفا تقدم به بعض الأمازيغ لإنشاء حزب تحت اسم الحزب الديمقراطي الأمازيغي، انطلاقا من معارضته للدستور الذي يرفض إنشاء أحزاب على أساس عرقي أو ديني أو طائفي، لكن ذلك لم يثن هؤلاء عن محاولة تجديد دعوتهم، إذ ظهرت مجددا عقب أحداث الربيع العربي.

كان الربيع العربي في المغرب مناسبة لظهور التيارات الداعية إلى الانفصال، الأمر الذي برز مع التظاهرات التي كانت تنظمها حركة 20 فبراير في عدد من مناطق المغرب، حيث لوحظ رفع الشعارات الانفصالية والتلويح بأعلام الجمهورية الريفية، تلك التي يقال إن حركة محمد بن عبدالكريم الخطابي كانت قد تبنتها إبان حربها ضد الفرنسيين والإسبان في المنطقة أثناء الاحتلال. وعلى الرغم من أن المغرب أقر في الدستور الذي تم وضعه عام 2011 بالبعد الأمازيغي للهوية المغربية، إلى جانب المكونات الأندلسية والحسانية والعبرية والأفريقية، متجاوبا بذلك مع دعوات أمازيغية سابقة إلى دسترة الأمازيغية، إلا أن الطرح السياسي الانفصالي لا يزال يتردد بين الحين والآخر، ليعكس التوتر القائم بين البعد السياسي والبعد الثقافي في المسألة الأمازيغية.

12