التوتر يصيب المخ بالشيخوخة المبكرة

الأحد 2014/06/22
توتر الأم الحامل يؤثر بشكل كبير على نمو مخ الجنين

القاهرة - يفرز الجسم، في حالة التوتر، مادة “الأدرينالين” و”النورادرينالين”، من الغدة الداخلية والأطراف العصبية للجهاز السمبثاوي.

وتسبب مادة “النورادرينالين” انقباضات في الأوعية الدموية للجلد، وتعيد الدم في اتجاه العضلات، أما مادة “الأدرينالين” فهي تجعل القلب ينبض بسرعة وقوة وتجمد السكر المخزون في الكبد. وبسبب تأثير المادتين يحدث تدفق الأوكسجين في الخلايا لتعويض الزيادة في فقد الطاقة، وبالتالي فإن المادتين تسهمان بصورة تكميلية في العملية الهجومية للجسم.

وتتحدد نوعية الهرمون حسب ردة فعل الجسم إزاء الموقف وعلى سبيل المثال، فلاعب كرة السلة يفرز مادة “النورادرينالين”، عندما يحين دوره خلال المرحلة النشطة والحاسمة للعبة، وعلى العكس يفرز “الأدرينالين”، عندما يكون على الهامش وليس هناك أمامه أي احتمال للتدخل في اللعبة.

إن إفراز الغدة السطحية، يفقد الفرد القدرة على التحرك مباشرة ويحل الاستسلام مكان النشاط، كما أن “الكورتيزول” الذي تفرزه الغدة السطحية يساعد على التأقلم على المدى البعيد بإعادة تكوين مخزون السكر في الكبد والحد من مقومات المناعة في الجسم والنتيجة عادة هي المعاناة من قرحة في المعدة. وكل مرة يتعرض فيها الإنسان لموقف جديد، فإن مادة “الكورتيزول” التي تفرز بغزارة تشير إلى حالة التوتر.

أثبت العلماء بأن إمكانية التصرف تمنع حدوث التوتر، بعد إجراء تجربة علمية على فأرين. تم وضع الفأرين فوق شبكة كهربائية، فحدث التوتر عند الاثنين مع ارتفاع نسبة الكورتيزول في الدم، ولكن إذا أعطيت الاثنين فرصة التعارك فيما بينهما، فإن نسبة الكورتيزول تنخفض على الفور.

يرى الباحثون أن القشرة الخارجية للمخ عندما تواجه موقفا هجوميا تقرر على الفور خطة استراتيجية وتقوم بتشغيل محور هرموني ثلاثي الغدد فوق الكليتين، التي بالإضافة للأدرينالين، تفرز أيضاً هرمونات تساعد الكبد على صنع الغلوكوز وتقوّي مناعة الجسم.

يؤدي المرض إلى ارتفاع كبير في نسبة أحد الأحماض الأمينية المتهم الأول في أمراض القلب والشرايين ويصيب الجهاز الهضمي بالقرحة

إنها مادة الكورتيزول التي تؤثر على غدة في أعلى المخ وتفرز بدورها مادة ثؤثر على غدة في أسفل المخ، وهي التي تتحكم في الغدد فوق الكليتين. والكورتيزول يعتبر أهم هرمون تفرزه الغدد فوق الكليتين في حالة التوتر.

يكشف الأخصائيون أن التوتر يضعف المناعة ويتيح الفرصة لتكوين الأورام، وهو بوجه خاص يؤثر على الذاكرة ويؤذي المخ. ويؤكد خبراء الأعصاب أن التوتر يفسد الحياة ويصيب بالأمراض وأحياناً يؤدي إلى الموت، ولكن الأسوأ من هذا كله هو تأثيره على المخ، حيث يسبب له شيخوخة مبكرة، ولذلك لا مجال لإهدار حالات التوتر أو الاستخفاف بها.

أثبت بحث طبي حديث بأن عناية الأم بطفلها ورعايتها له بالحب والحنان منذ شهوره الأولى يقلل كثيراً من احتمال مهاجمة التوتر له فيما بعد.

ويفتح التوتر الباب واسعاً أمام غزو الميكروبات للجسم، لأنه يفتك بالمناعة الطبيعية، حيث توصل الأطباء إلى أن التوتر الاجتماعي ينشط فيروس هيربس في الجسم.

وتفيد دراسات عديدة أن التوتر يجعل الجسم أرضاً خصبة للأورام الخبيثة لأنه يهدم نشاط مجموعة معينة من خلايا جهاز المناعة، وهي الخلايا القادرة على القضاء على الخلايا السرطانية، وقد أجريت تجارب على فئران أشارت إلى تأثير التوتر على حدوث سرطان الرئة عند الفأر.

وأكدت دراسة فنلندية أن التوتر الذهني بالذات يسبب إصابة الأوعية الدموية بالانسداد، وحدوث الجلطات وكأنه نسبة عالية جداً من الكوليسترول، وهذه العلاقة بين التوتر وانسداد الأوعية تظهر بوجه خاص عند الرجل أقل من 55 سنة.

ويشير بحث آخر من ولاية أوهايو إلى أن التوتر يؤثر على عناصر هامة في التكوين الكيميائي للدم، فهو يؤدى إلى ارتفاع كبير في نسبة أحد الأحماض الأمينية المتهم الأول في أمراض القلب والشرايين ويصيب الجهاز الهضمي بالقرحة. وهو كذلك المسؤول عن مشاكل عديدة مرتبطة بحركة الهضم بداية من فم المعدة، حتى التهاب القولون الذي يحدث كثيرا ولم تكتشف بعد كل أبعاده.

يقول الباحثون إن الأمراض المتعلقة بالتوتر ترتبط أيضا بالطبقية، وكلما كان الإنسان في موقع يستطيع من خلاله اتخاذ القرارات بمحض إرادته، كلما قلت إصابته بالمرض.

وهذا يعنى أن الرؤساء أقل عرضة للتوتر من المرؤوسين، والنتيجة كما يقول البروفيسور مايكل مارموت من جامعة لندن: “إن هناك اختلافات طبقية لا ترتبط فقد بالنقد وإنما بالوضع الوظيفي”.

ويؤثر التوتر على الجنين في بطن الأم الحامل، حيث أثبتت أبحاث تمت على عينة من 153 من السيدات الحوامل في الشهر الثالث، تعرضن لعدة أسباب أدّت بهن إلى التوتر، وكانت النتيجة أن توتر الأم الحامل يؤثر بشكل فعال على نمو وعمل مخ الجنين.

وقد لاحظ الأطباء في إحدى مستشفيات لندن أن التوتر يؤثر على حجم الجنين، وفى اعتقادهم أن هذه الظاهرة تنتج عن ضعف الدورة الدموية في الشرايين التي تغذى الجنين.

وأكدت تحليلات لصدر بالموجات فوق الصوتية أن الأطفال صغيري الحجم الذين ولدوا من أمهات مصابات بالتوتر، سيصبحون هم فيما بعد معرضين لأمراض القلب والإصابة بمرض السكر أو الانهيار العصبي.

التوتر يجعل الجسم أرضا خصبة للأورام الخبيثة لأنه يهدم نشاط مجموعة معينة من خلايا جهاز المناعة، وهي التي تحارب الخلايا السرطانية

وبالنسبة إلى حديثي الولادة، يمكن للتوتر أن يؤثر على سلوكياتهم على المدى الطويل، والذين ولدوا قبل الموعد أو ولدوا مرضى، فإنهم سيخافون أكثر من الأطفال العاديين من شك الإبرة أو من أيّ حقن في الوريد، وعلى عكس ما كان متعارفا عليه من قبل، فإن الألم في الطفولة المبكرة لا ينساه الطفل أبدا ويظل مختزنا في ذاكرته.

أجريت دراسة في جامعة هارفارد على عائلات لها ابن مصاب بمرض وراثي يؤثر على البنكرياس والجهاز التنفسي، أو طفل معاق وأظهرت أن أخوة وأخوات المرضى الصغار يتميزون بسلوك عدواني واندفاعي وقلق.وتوصل العلماء إلى تشكيلة من الأدوية الفعالة للتغلب على التوتر بينها عوامل مهدئة لاسترخاء الأعصاب وتخفيف القلق وكل منها يحتاج إلى حذر عند تناولها.

ويعرّف أخصائيون في طب الأعصاب التوتر، بأنه مجموعة من التفاعلات العصبية والهرمونية تحدث لدى الإنسان والحيوان عند مواجهة أي هجوم، من أجل الإبقاء على سلامته العضوية والنفسية، وليضمن الجسم استقرار بيئته الداخلية في مواجهة أي تغييرات فجائية من الخارج.

وتعتبر غدة معينة هي المسؤولة عن هذه التصرفات التي تساعد الجسم على التأقلم، وهي الغدة الموجودة فوق الكليتين، وكل مـنهما عبارة عن غدة مزدوجة، واحدة خارجية والثانية داخلية، وتقوم الاثنتان بما يحتاجه الإنسان لمواجهة العالم.

والحقيقة أن فكرة منع التوتر تماما يمكن أن تصيب الفرد برتابة غير محتملة وتقليل إمكانات المناعة، بل وفقد كامل لمعنى الكفاح من أجل الحياة، ويمكن التدخل على كل مستويات التوتر، سواء باستخدام الأدوية التي تريح الذهن، أو الأدوية التي تقضى على سرعة النبض وتساعد على ارتخاء الجسم.

يذكر أن أعراض التوتر معروفة جيدا، ومنها آلام جسمانية، ضربات سريعة في القلب، وتقلصات في العضلات، مع زيادة في الوزن، وإذا لم يكن من السهل القضاء تماما على أسباب التوتر، فعلى الأقل من الممكن التخفيف منها. والرياضة أيضاً تساعد المخ على صنع مواد لها خواص التهدئة، ومنها مادة “الإندروفين”.

في ولاية كولورادو الأميركية أجريت تجارب أشارت إلى أن الفئران النشطة تكون في حماية من التوتر أكثر من الفئران الساكنة، وأن جهاز المناعة عند الأولى لا يتأثر بمضاد التوتر.

وفي شيكاغو لاحظ الأطباء أن المرضى الذين يخضعون لعلاج يرتكز على كتابة أي شيء عن أكثر الأحداث في حياتهم، التي تصيبهم بالضيق يستفيدون من علاج هذا الأسلوب في العلاج ضد التوتر لأنهم عبروا عن انفعالاتهم. فالاهتمام بالصحة العامة مع غذاء متوازن سيفيد كثيرا في عملية مقاومة التوتر.

19