التوحد ينتشر في صمت بين الأطفال

الأحد 2014/06/08
يصاب مرضى التوحد باضطراب في التخاطب والتواصل

القاهرة – هل لاحظت ميل طفلك إلى الانعزال والبقاء وحيداً وعدم الرغبة في مصاحبة أقرانه؟ إذا كانت إجابتك بنعم، فلابد أن تحذر من احتمال إصابة الطفل بالتوحد.

أثبتت إحدى الدراسات العالمية أن انتشار مرض التوحد بين الأطفال بلغ نسبة 3 بالمئة. ويعرف د. عمر شاهين، أستاذ الطب النفسي، التوحد بأنه اضطراب أو إعاقة تؤثر في وظائف المخ وخاصة المخيخ ويصاحبه اضطراب في السلوك الاجتماعي والتواصل واللغة وتطوير مهارات اللعب.

يظهر هذا المرض غالباً قبل أن يصل عمر الطفل إلى 3 سنوات مما يؤدي إلى انغلاقه وعزلته وضعف قدرته على الانتباه والتواصل وإقامة علاقات اجتماعية مع وجود نشاط حركي غير طبيعي وعدم استقرار في مكان واحد وتحركه كثيراً بشكل مزعج.

وأضاف د. شاهين أنه حتى الآن لا يوجد سبب محدد لظهور هذا المرض ولكن تشير بعض البحوث إلى وجود خلل حيوي أو عصبي، كما ترجع بعض البحوث الأخرى السبب إلى عوامل وراثية. وهناك أسباب بيولوجية تؤدي إلى خلل في بعض أجزاء المخ ومنها الأسباب الطبية مثل إصابة الرأس ونزيف المخ، كما أن نقص الأكسجين في الولادة عامل خطر لحدوث التوحد وأيضاً الولادة المبكرة. واستطرد بأن هناك دراسة موثقة تؤكد عدم وجود علاقة بين التطعيم ومرض التوحد.

ويرى د. محسن فتحي، أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة، أنه توجد أعراض واضحة لهذا المرض ومنها الإصرار على البقاء على الأشياء في مكانها ورفض التغيير والصمت التام والصراخ الدائم المستمر دون مسببات والضحك من غير سبب وفي أوقات غير مناسبة، كما أن الطفل لا يلعب مع باقي الأطفال ويعاني عدم الرغبة في احتضان الألعاب أو ضمها مثل باقي الأطفال ولا يستجيب لكلام الآخرين وكأنه أصم. ومن أبرز أعراضه أنه يقوم عادة باستخدام الأشياء بشكل غير طبيعي فمثلاً في حالة لعبه بسيارة يقوم بقلبها على ظهرها وتحريكها ولديه مشكلة في فهم الأشياء المرئية وتأخر الحواس لديه وعدم الإحساس بالحر أو البرد والخوف من بعض الأشياء، كالخوف من صوت الطائرة أو نباح الكلب وعدم الخوف من أشياء أخرى قد تكون خطرة عليه كالجري في الشارع مع مرور السيارات.

وأضاف فتحي أن من أغرب ما وصلت إليه بعض الدراسات أن الطفل المتوحد يصر على ارتداء الملابس القديمة ويكره الملابس الجديدة. وتم إرجاع هذا إلى الحساسية المفرطة في الجلد التي يشعر بها الطفل عند ارتداء الملابس الجديدة. ولذا ينصح بغسل الملابس الجديدة عدة مرات قبل أن يرتديها مع استعمال الملابس القطنية.

كما يتسم هذا الطفل بترديد ما يسمع بشكل مستمر في إطار محاولة المريض فهم معنى الكلمة التي يرددها ولذلك يجب إيضاح معنى الكلمة بأقرب صورة بصرية.

ويوجد اعتقاد سائد أن هؤلاء الأطفال يتحاشون التواصل البصري مع الآخرين ولكن لوحظ أنهم لا يطيلون التركيز على أي شيء وهم في الحقيقة لا يستطيعون فك رمز التعبيرات على الوجه أو الإشارات. هذا بالإضافة إلى أنهم يقاومون تعلم أي نشاط أو مهارة جديدة. كما يظهر الطفل اهتماماً بشيء معين ويلعب به بطريقة معينة وبشكل متكرر وعند تغيير وضعه فإن الطفل الهادئ يتحول إلى شعلة من الغضب والصراخ وينتهي الوضع بإعادة اللعبة إلى وضعها مرة أخرى.

يعتبر العلماء كثرة الحركة ليلا، أثناء النوم، إحدى علامات التوحد التي تظهر مبكرا وينصحون الأولياء بمراقبة أبنائهم باستمرار

ويؤكد على إصابة مرضى التوحد باضطراب التخاطب والتواصل والذي تختلف نسبته حسب درجة ذكائهم ونضجهم الاجتماعي ومشاكل اللغة والكلام كثيرة في أطفال التوحد، فهناك 50 بالمئة من المتوحدين لا يستطيعون التعبير اللغوي المفهوم. وعندما يستطيعون الكلام تكون لديهم بعض المشاكل في التواصل اللغوي وهذه المشاكل هي التي تحدد تطور الطفل التوحدي وتحسنه مثل تأخر النطق وانعدامه.

أما د. يسري عبدالمحسن، أستاذ الطب النفسي، فيؤكد أنه باعتبار أن الطفل التوحدي يختلف عن غيره، لذلك تتوقع حدوث مشاكل منه مثل “الصراخ وعدم النوم".

ويستدعي ذلك مراقبة الكثير من أطفال التوحد، فالحركة ليلاً أثناء النوم أحد علامات التوحد التي تظهر في عمر مبكر. ولذلك يحتاج الطفل بصفة مستمرة إلى عناية الوالدين. كما أنهم يفضلون الظلام ويحتاجون إلى تحريك السرير قبل النوم. وبيّن عبدالمحسن أن الصراخ ونوبات الغضب تعتبر طريقا للتعبير عن الحاجة النفسية وقد تكون دون أسباب أو مقدمات واضحة.

ويحتاج الوالدان لمنع نوبات الصراخ والغضب خاصة أنها قد تحدث في الأماكن العامة ويجب إعطاء الطفل في هذه الحالة اللعبة المفضلة لديه والابتسام له.

يعتبر التخريب وسيلة يعبر بها المتوحدون عن عواطفهم وآخرون قد يكونون هادئين لبعض الوقت وقد يعجب بعضهم بصوت تكسير الزجاج ويجد المتعة في صوت تمزق الأوراق.

ويخاف بعض الأطفال المصابين من صوت الموسيقى أو صوت الجرس أو من الاستحمام، الذي قد يكون مرجعه حصول حادث في السابق. وهناك أسباب عديدة تهيّج الطفل عند الأكل بسبب كرهه لنوع معين من الطعام ومنها زيادة الحساسية للتكوين أو الطعم أو الرائحة، مما يجعل الإحساس بالأكل غير مرغوب فيه مع تلذذ الآخرين به. والمشاكل الحركية قد تجعل المضغ والبلع عملية صعبة ومؤلمة للطفل.

يظهر هذا المرض غالباً قبل أن يصل عمر الطفل إلى 3 سنوات مما يؤدي إلى انغلاقه وعزلته وضعف قدراته على الانتباه

ومن اللحظة الأولى لانتكاسة الطفل تحتاج العائلة إلى الكثير من الجهد للوصول إلى التشخيص، فالتوحد مجال واسع وصور متعددة وقد يكون الوصول إلى الحقيقة صعباً وعند الوصول إليها تكون أكثر إيلاماً وقسوة.

كما أن الوالدين يحتاجان لمساعدة طبية لإصابتهم بحالة انفعالية تحد من تفكيرهم وهنا تكمن أهمية وجود الطاقم الطبي المتمرس لتوفير الراحة النفسية لهما ومساعدتهما على تخطي الأزمة وشرح الأمر لهما بطريقة سهلة وميسّرة والإجابة على جميع تساؤلاتهم.

خلصت أبحاث حديثة أجريت في الولايات المتحدة إلى أن أعراض التوحد تزول بالكامل على مر السنين عند بعض الأولاد الذين يُشخَّص عندهم هذا المرض في سن مبكرة.

وقال الطبيب توماس إنسل، المسؤول عن المعهد الأميركي للصحة العقلية الذي موّل هذه الأبحاث “من المعلوم أن مرض التوحد يدوم مدى الحياة، غير أن هذا الاكتشاف يدفع إلى الظن أن هذا المرض قد يشهد تحولات مختلفة".

وقد أجريت هذه الدراسة تحت إشراف الطبيبة ديبورا فاين من جامعة كونيتيكت (شمال شرق الولايات المتحدة)، وشملت 34 فرداً تراوحت أعمارهم بين 18 و21 عاماً تم تشخيص التوحد عندهم في سن مبكرة، لكنهم عاشوا مع تقدم السنين حياة طبيعية.

ولم يعد هؤلاء الشباب يعانون مشاكل في التعبير والتواصل والتعرف إلى الأوجه والاختلاط بالآخرين، وغيرها من المشاكل الناجمة عن التوحد.

وكان الهدف من هذه الأبحاث التي نشرت في مجلة “تشايلد سايكولودجي أند سايكياتري” معرفة ما إذا كان التشخيص الأولي لمرض التوحد دقيقاً، وإذا قد أصبح هؤلاء الأطفال بالفعل أطفالاً “طبيعيين". وقد أتى الجواب بالإيجاب في الحالتين، على حد قول الطبيب إنسل.

ولجأ الباحثون في إطار هذه الدراسة إلى اختبارات إدراكية وفحوص نمطية واستمارات وزعت على الأهالي، بغية تقييم الحالة الذهنية لهؤلاء الشباب الذين كان استغناؤهم عن المساعدات الخاصة بمرضى التوحد شرطاً أساسياً لشملهم في الأبحاث.

ولم تتوصل هذه الدراسة إلى تحديد نسبة الأطفال الذين شخّص عندهم مرض التوحد والذين سيشفون منه مع التقدم بالعمر.

وختمت الطبيبة فاين قائلة: إن “جميع مرضى التوحد قادرون على التحسن بفضل العلاجات المكثفة، لكن غالبيتهم يعجزون راهناً عن القضاء بالكامل على أعراض المرض”.

19