التوحيد والاختلاف

السبت 2017/01/21

شكل حضورُ مؤلفات علم التوحيد علامة أساسية ضمن الاهتمامات الدينية التي طبعتْ بنيةَ التأليف، داخل دول العالم الإسلامي، خلال مراحل طويلة. ويبدو الأمر بديهيا بحكم طبيعة هذا العلم، باعتباره مجالا للبحث في إثبات العقائد الدينية، سواء المرتبطة منها بالإيمان بالله أو بكُتبه أو بِرسُله أو بالملائكة أو باليوم الآخر.

ولذلك يبدو الأمر طبيعيا أن يتم الحرص على تأطير الاهتمام بهذا المجال، وهو ما كان يتم بشكل خاص من خلال التدريس، حيث نص، على سبيل المثال، في حالة المغرب، منشور محمد بن عبدالله الصادر في نهاية القرن الثامن عشر، بخصوص إصلاح التعليم بجامعة القرويين، على تدريس أدبيات معينة، ومنها بشكل أساس رسالة ابن أبي زيد القيرواني وعقائد السنوسي.

غير أن قدسية المجال الذي يتناوله علم التوحيد لم تكن تمنع مجال النقاش والاجتهاد الفكري، حيث شكلت المناظرات فضاء للتداول في المجال، مع ما كان يرافق ذلك من قيم الاختلاف. ويمكن، في هذا الإطار، استحضار نموذج دال من هذه المناظرات التي اتسمت بتداخل قضايا علمي الكلام والتوحيد. ويتعلق الأمر بالنقاش الذي هَمَّ كلمةَ الإخلاص. وقد ارتبط الخلافُ حولها بما جاء في “رسالة ذي الإفلاس إلى خواص مدينة فاس”، التي ألفها محمد الخروبي الجزائري، في أواسط القرن السادس عشر، بشأن مفهوم النفي في شهادة لا إله إلا الله.

وامتدت آثار هذه المناظرة، التي كان طرفاها الشيخ عبدالله الهبطي من جهة، ومن جهة ثانية، كل من محمد اليسيتني ومحمد بن عيسى التملي وقائد مدينة شفشاون ابن راشد، إلى كتابات عدد من المؤلفين في الموضوع، ومن ذلك تخصيص الحسن بن مسعود اليوسي لمؤلَّفه الشهير “مشرب العام والخاص من كلمة الإخلاص” لما قيل أو كُتب في الموضوع، بالإضافة إلى العديد من الكتابات المتفرقة لمؤلفين آخرين، ومن ذلك “رجز في نظم العقائد المندرجة تحت كلمة الإخلاص” لمحمد بن عبدالقادر الصبيحي الزرهوني.

وقد يبدو مفاجئا أن أغلب ما ألُف في مجال التوحيد، في حالة المغرب على الأقل، كان يهم قضايا خلافية معينة. وتندرج في إطار ذلك، على سبيل المثال، مؤلفات “الحكم بالعدل والإنصاف لما وقع بين فقهاء سجلماسة من الاختلاف فيمن أَقَرَّ بالوحدانية وجهل ما له من الأوصاف” في الألوهية لأبي سالم العياشي، و”السيف المسلول في قطع أوداج الفلوس المخدول” في النبوة لأحمد بن عبدالحي الحلبي، وهو مؤلف في الرد على الفلوس، وهو، كما أشار صاحب “السلوة”، “رجل أنكر عليه نداء النبي باسمه مجردا عن السيادة في قصيدة له”.

لنا أن نتأمل كيف يستطيع فقيه أو عالم، اعتدنا أن نسميه محافظا، أن يملك قدرة التناظر والحوار والاختلاف حتى في القضايا التي كانت محاطة بالقدسية. شجرة المعرفة تبدأ من هناك.

كاتب من المغرب

17