التوظيف السياسي لرحيل مبارك يحمل مضامين متصادمة في مصر

جنازة مبارك محدودة شعبيا بحكم الترتيبات الصارمة، لكن العزاء الذي حضره سياسيون واقتصاديون وإعلاميون وفنانون ورياضيون بدا كأنه استفتاء على قبول عصر مبارك.
الأحد 2020/03/01
اضمحلال الخلافات

حملت وفاة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك معها الكثير من الرسائل والدلالات؛ حيث أبرزت، من جهة، أن الدولة والشعب المصريين لا يتخليان عن أبنائهما وخادميهما، ومن جهة أخرى منحت عملية تقديم واجب العزاء فرصة لبعض رموز نظام مبارك للعودة إلى الحياة السياسية.

لأن الحكم على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك تشوبه درجة عالية من الاستقطاب الآن، تركت التركيز على مسألة الحديث عن إيجابياته وسلبياته المختلف حولهما كثيرا.

ويحمل مشهدا الوفاة الثلاثاء والعزاء الجمعة العديد من الدلالات والمضامين السياسية، ما يفوق تقييم فترة رئاسته على مدار ثلاثة عقود وما أعقبها من تداعيات مؤثرة. كما أن المشهدين يكشفان طبائع الناس وتغير الحسابات وتبدل المواقف والأحوال حسب الأجواء العامة.

تصرفت الدولة المصرية بمسؤولية عالية حيال وفاة مبارك كرمز لها ومسؤول سابق فيها، ووجدت في انتمائه إلى المؤسسة العسكرية مخرجا مناسبا للقفز على الإشكاليات التي أحاطت بالرجل وتكريمه، متجاوزة بعض المطبات السياسية التي تناثرت عقب خروجه من السلطة بعد احتجاجات شعبية في 25 يناير 2011، اضطرته إلى التنحي عقب 18 يوما من التظاهرات الحاشدة. لذلك ركزت الكلمات التي حواها النعي الرسمي على الجانب العسكري تحديدا الذي خلا من التراشقات بين مؤيديه ومعارضيه.

وحضرت تشييع الجثمان رموز رسمية، تقدمها الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي، وأخرى سابقة لم يكن من بينها المشير حسين طنطاوي وزير دفاع مبارك الذي انحاز إلى الثورة الشعبية وتولى رئاسة المجلس العسكري، وأدار البلاد عقب تنحي مبارك، ولا أحد يعرف سر الغياب، هل لأسباب مرضية أم لدوافع سياسية.

بين الحنين والقلق

 ذاكرة المصريين ضعيفة ولا تتحمل الضغينة لفترة طويلة
 ذاكرة المصريين ضعيفة ولا تتحمل الضغينة لفترة طويلة

جاءت جنازة مبارك محدودة شعبيا بحكم الترتيبات الصارمة التي تصاحب وجود رئيس الجمهورية في المناسبات العامة. لكن حضر العزاء سياسيون واقتصاديون وإعلاميون وفنانون ورياضيون من مختلف الطبقات والمشارب؛ رجالا ونساء، مسؤولين حاليين وسابقين، كبارا وصغارا. وبدا العزاء كأنه استفتاء على قبول عصر مبارك والندم على رحيله.

وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بسيل من الترحم عليه، وتجاوز للأخطاء التي وقع فيها وأدت إلى خلعه من الحكم.

هناك قناعة راسخة بأن ذاكرة المصريين ضعيفة ولا تتحمل الضغينة لفترة طويلة، وتمتنع عن الطرب للمآسي. وهم من الشعوب العاطفية الانفعالية التي تتكاتف وقت الحزن، وتتلاحم عند المحن، وتتجاهل الكلام عن سيئات من رحلوا، وتفضل تذكر المحطات والحكايات الإيجابية وفقا للحديث المتداول “اذكروا محاسن موتاكم”. ربما يكون هذا البعد يفسر جانبا مما أطلق عليه “رد الاعتبار” السياسي لمبارك.

تصدق في هذا الموقف الإشارة إلى صعوبة توقع رد فعل المصريين، كما قال ذات مرة أحد سفراء روسيا في القاهرة. فهم يُقدمون أحيانا على الشيء ونقيضه. رفضوا حكم الجيش ثم استدعوه عندما شاهدوا جلوس شخص ينتمي إلى جماعة الإخوان على أعلى كرسي للسلطة في مصر ويديرها لصالح تنظيمه.

وهتفوا “يسقط يسقط حكم العسكر” في إشارة إلى طلب الحكم المدني، ثم تغنوا بمحاسن المؤسسة العسكرية، والعكس. وهتفوا برحيل مبارك، ثم ترحموا عليه بعد رحيله عن الحكم والحياة.

هناك تفسيرات أخرى، تتفق أو تختلف معها، لكنها حاضرة في العقل والوجدان المصريين؛ من نوعية أن الرجل ظل ثابتا على موقفه ولم يغادر وطنه، ووقف أمام المحكمة سنوات حتى تمت تبرئته قانونيا في غالبية القضايا التي حوكم بموجبها، فضلا عن الأزمات التي واجهها، ولا يزال، مصريون عديدون حاليا، وجعلت أوضاعهم أقل حظا مما كانت عليه خلال حكم مبارك. لذلك فالترحم في هذا الجانب له مكونات سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة.

من يراقب بدقة وفاة مبارك يلاحظ أن كل الأمور عادت إلى سيرتها الأولى تقريبا. من كانوا يخشون الاقتراب من الرجل أو ذكر اسمه ظهروا في المشهد بلا مواربة، ووصل ظهورهم إلى درجة التفاخر والتباهي أمام الكاميرات وتلقي العزاء كأنهم من أفراد أسرته الصغيرة، ومنهم من كالوا للرئيس الأسبق كل الاتهامات الممكنة وغير الممكنة، وقدموا أدلة تفيد بأنهم غير منتمين إليه أو متشدقين به أو لم يستفيدوا ويربحوا منه، ثم رجعوا يتغنون بفترة حكمه.

لم تكن كل هذه الإشارات كافية لإنصاف مبارك سياسيا، لأن خبايا معظمها تدور بعيدا عنه، وكان المقصود منها تخفيف الأعباء عن كاهل النظام الحالي، والنيل من خصومه في الداخل والخارج، والاستفادة من الميراث السخي الذي تركه في مجالات ناعمة ومختلفة، في وقت لم تتمكن الطبقة الحاكمة من صناعة نخبتها الخاصة، ووجدت في نخبة مبارك خميرة جاهزة ومستعدة للتعاون والتضحية، حبا وخوفا وطمعا وولاء ورغبة في العودة إلى ساحة واسعة تعد بمثابة رد اعتبار لأشخاص حلموا بلحظة تاريخية تنجيهم من المطبات السياسية.

من رأى الصفوف الطويلة للذين ذهبوا إلى العزاء وشاهد شخصيات تظهر لأول مرة برداء مدني، وليس رداء السجن، مثل وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف، وكذلك أحمد شفيق، ومدير مكتب رئيس الجمهورية الأسبق زكريا عزمي، والقائمة طويلة وتحوي الكثير من الأسماء التي لمعت. فكل رجال مبارك ذهبوا إلى مسجد المشير طنطاوي لصلاة الجنازة، أو أداء واجب العزاء.

في كل الحالات كانت للمكان رمزية أخرى، مفادها أن أسرة مبارك ليست على عداء مع طنطاوي الذي يعتبره البعض “باع مبارك للثوار”، أو تحمل عداء للنظام الحالي. ولو اختير المكان لدواعٍ أمنية في صلاة الجنازة، فلن يخلو من الرسائل السياسية في العزاء، ويؤكد فحوى الموقفين أن الوفاة تكفلت بمحو الكثير من الآثار السلبية لحكم مبارك.

ثلاثة استحقاقات انتخابية

مشاهد الوفاة والعزاء توحي بفصل سياسي لم تكتمل ملامحه النهائية
مشاهد الوفاة والعزاء توحي بفصل سياسي لم تكتمل ملامحه النهائية

رحل الرئيس الأسبق ولن ينتهي الجدل حول مصير رجاله القريبين وولديه جمال وعلاء، فقد حصلوا على جرعة معنوية كبيرة مع الوفاة وما تلاها، ربما تدفعهم إلى المزيد من الاندماج في الحياة السياسية لاحقا. وهنا مكمن القلق أو الخطر، لأن مصر مقبلة على ثلاثة استحقاقات انتخابية قبل نهاية العام الجاري، هي: انتخابات مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، والمحليات.

حرص النظام الحالي على أن يكون المتحكم في عملية الاستعانة بنفر من رجال مبارك، وانتقى أشخاصا ممن لديهم كفاءات في تخصصات معينة، ولم تفارق أعين أجهزة الدولة ألاعيب البعض، وراقبوا وحصروا تحركاتهم بعيدا عن السياسة. كانت الذريعة أن الناس لن تتقبل وجودهم. وبعد الاستفتاء عليهم في مشاهد الوفاة لن يكون من المستبعد أن يطمح البعض من رجال مبارك إلى العودة بقوة للسياسة من بوابة الانتخابات المقبلة.

أجاد رجال مبارك لعبة الانتخابات ولديهم خبرات متراكمة فيها، وتحكموا في الكثير من مفاتيحها، وأداروها بطريقة بها قدر من التوازنات التي منحتهم السيطرة، وتركت هامشا للأحزاب والقوى السياسية لتتحرك كنوع من التنفيس وتفريغ الكبت كي لا ينفجر الإناء بما فيه ومن فيه. وهي لعبة حصلت على موافقة ضمنية من جميع المشاركين فيها، وحازت على إعجاب المراقبين لها في الخارج، غير أنها لم تفلح في منع الانفجار.

جزء من الترحم على أيام مبارك لدى الأحزاب، أنها تأقلمت مع قواعد انطوت على ممارسة سياسية. وربما يجد أنصار مبارك تشجيعا شعبيا مواربا لدخول المعترك العام من باب الانتخابات، الأمر الذي لن يكون مقبولا من الحكومة الحالية، ففي ذلك خلط للأوراق وتغيير للقواعد المعمول بها في الوقت الراهن.

هل تعود كل الأمور إلى سيرتها الأولى
هل تعود كل الأمور إلى سيرتها الأولى

 

4