التوظيف السياسي للفن

الاثنين 2013/12/02

بعيدا عن الأهداف السياسيّة لزيارة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني إلى ديار بكر/ آمَدْ 16 نوفمبر- تشرين الثاني2013، ورمزيّة اللقاء وأهمّيته في "آمَدْ: عاصمة كردستان الكبرى المحلوم بها في الخطاب الكرديّ والأدبيّات الكرديّة" خطابه كرئيس دولة إلى الشعب الكرديّ والتركيّ، ووعوده بالسلام المأمول بين الشعبين، وحرص رئيس الوزراء التركيّ على تكرار كلمة كردستان التي ظلّت ممنوعة في الإعلام التركيّ إلى عهد قريب جدّا، وما تزال، فإنّه تمكن قراءة الصورة المعروضة بأكثر من اتّجاه وتأويل.

بالابتعاد عن الغايات السياسيّة التي تكمن وراء كلّ تحرّك سياسيّ، من أيّة زاوية تُقرأ صورة بارزاني في ديار بكر وهو يتوسّط أردوغان والفنّانين الكرديين التركيين شفان برور وإبراهيم تاتليسيس؟

هل يمكن القول بأن هناك توظيفا سياسيا للفن والثقافة لتمرير أجندات سياسية ودغدغة مشاعر الجماهير المتعلقة بالفنانين؟ وهل في التوظيف السياسيّ، إن وجد، ما يضع الفن في درجة تبعيّة للسياسة؟

بالنسبة إلى الفنانين شفان برور وتاتليسيس، فإن لهما حضورا لافتا في الساحتين الكردية والتركية، فشفان الذي غادر تركيا منذ أكثر من ثلاثة عقود، وعانى الاضطهاد والقمع والمنع في تركيا، يعود إليها كرمز ثقافيّ سياسيّ مُحتفىً به على أعلى مستوى، كما أن له مكانة في الوجدان الكرديّ في مختلف أماكن التواجد الكرديّ، ويحظى بشعبيّة كبيرة، وتربطه صلات وثيقة بقيادة كردستان العراق، كما أن أعمالا ومشاريع تجارية فيها، بحسب ما يُشاع.

والأمر بالنسبة إلى تاتليسيس مختلف من حيث القمع والاضطهاد، فالفنان الذي تعرّض لعملية اغتيال قبل ما يزيد عن السنة، شلّ طرفه الأيسر جرّاءها، وحرم من الغناء الذي اشتهر به، وظلّ محتفظا بمكانته الاعتباريّة في وجدان الناس كفنان رائد متميّز، لم يتعرّض لأيّ منع في تركيا، باعتبار أنه مسموح للجميع أن يكونوا أتراكا، لكن لم يكن يُسمَح للكرديّ أن يكون كرديا، وتاتليسيس غنّى بالتركية وواظب عليها، وانتقل إلى غناء بعض الأغاني المنتقاة بالكردية في السنوات الأخيرة، ولم يغامر بجماهيريته الواسعة في تركيا من أجل الجانب الكرديّ لديه، ومع الانفتاح الذي شهدته تركيا في العقد الأخير أو أكثر قليلا، بدا تاتيليسيس متماشيا مع السياسة الرسمية، والتفت إلى الغناء بالكردية، ولا يخفى أن له بدوره مشاريع اقتصادية هامّة في تركيا وكردستان العراق أيضا.

إلى أيّ حدّ يمكن للزعيمين؛ الكرديّ والتركيّ، الإفادة من جماهيرية الفنانين الشهيرين، والتعويل على دور الفن والغناء في تجسير الهوّة التي تلتئم بشكل بطيء، مدعومة بتسهيلات اقتصادية من قبل الإقليم للأتراك؟ ثمّ ألا يمكن القول بأن الفنانين استغلّا جماهيرية الزعيمين ليكرّسا فنهما أكثر بطريقة جديدة ويضفيان عليه أبعادا وأدوارا مختلفة تتوافق مع التغيّرات الحاصلة؟

ومن زاوية أخرى، ألا يكون في احتفاء الزعيمين بالفنانين تقديرا للفن ودوره في الحياة العامّة وتأثيره الإيجابيّ على الناس، بحيث أن سلاح الفن الكلمة واللحن والغناء، أي أنه السلاح الباني وليس المدمّر، ولا سيّما أن المرحلة تشهد مفاوضات سلام بين تركيا وأكرادها، وهناك تطوّرات حاسمة تحدث في المنطقة، والكرد كمكوّن رئيسيّ متناثر بين بضع دول يحلمون بتحقيق بعض الأحلام التاريخيّة والمستقبلية.

قد يكون في القول بالتجيير السياسيّ للدور الفنيّ جانبا من المبالغة وتحميلا للأمر تأويلات مختلفة قد تبتعد عن جوهر الحدث، لكن لا يمكن للمراقب والمشاهد التغاضي عن الصورة الرباعية اللافتة، والمزاوجة بين عالمَي السياسة والفن، وبينهما الجماهير تصفق وتهلل منتشية، وتحيط بالمجتمعين الواقفين على المنصّة جمهرة من الساسة من كرد تركيا والعراق ومن القيادات التركية، وذلك دون أن تغيب قضيّة الكرد السوريين عن المشهد، حتى وإن غاب الحضور الكرديّ السوريّ في الصورة سياسيا وفنيا!

14