التوغل التركي في سوريا يعزز نفوذ روسيا في الشرق الأوسط

انسحاب الولايات المتحدة والتهاون التركي يفسح المجال أمام مد روسي في المنطقة.
السبت 2019/10/12
عملية تركية بضوابط روسية

تتعدى تداعيات قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب قواته من سوريا، شرق الفرات وشرق المتوسط، إلى الشرق الأوسط والخليج العربي وهذا ما يفسر إلى حد كبير حالة الهدوء والسكينة التي تبدو على روسيا، فموسكو تعرف جيدا أنها ستكون في صدارة قائمة الرابحين من هذا القرار.

 موسكو - يمثل التوغل التركي في سوريا فرصة لروسيا لتعزيز نفوذها في المنطقة حيث تتراجع واشنطن في ما يبدو، لكن المخاطر على الدبلوماسية الروسية ستزداد كلما طالت العملية.

وحسبما ذكرت المصادر، في اتصال هاتفي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل العملية ضد المقاتلين الأكراد المتحالفين مع واشنطن، أوضح الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، وهو حليف للرئيس السوري بشار الأسد، أنه يأمل في أن يكون التوغل محدودا في زمانه ونطاقه.

وقال آندريه كليموف، وهو نائب بارز مؤيد لبوتين في مجلس الاتحاد بالبرلمان الروسي “كلما انتهت حالة الصراع هذه بسرعة كان أفضل للجميع”.

وأضاف كليموف “أتمنى حقا أن يبذل شركاؤنا الأتراك كل ما في وسعهم لتجنب أي صراع ولو بالمصادفة على الأرض مع قوات الحكومة السورية أو مع الجنود الروس”.

وبالنسبة لروسيا، فهذه موازنة دقيقة، فقد تعهدت باستخدام قوتها الجوية لمساعدة الأسد على استعادة كل الأراضي التي فقدها في الحرب المستمرة منذ ما يربو على ثماني سنوات وشددت مرارا على أهمية وحدة أراضي البلاد.

لكنها تعمل أيضا مع تركيا وإيران للضغط من أجل التوصل إلى تسوية سلمية تأمل في أن تفضي إلى إعادة صياغة الدستور السوري في نهاية المطاف وتُظهر أن بوسع موسكو أن تساعد في تحقيق السلام كما تقدم العون في الحرب.

ويقول منتقدون إن جهود موسكو جهود صورية تهدف إلى التوصل لتسوية سياسية وهمية لإعادة إضفاء الشرعية على الأسد وجذب الأموال من الاتحاد الأوروبي والخليج لإعادة بناء سوريا.

يوري أوشاكوف: يجب أن تحسب الخطوات لتجنب الإضرار بالتسوية السياسية
يوري أوشاكوف: يجب أن تحسب الخطوات لتجنب الإضرار بالتسوية السياسية

والنجاح في هذه الجهود سيتوج التدخل الروسي في سوريا منذ عام 2015 والذي منح موسكو نفوذا جديدا في الشرق الأوسط. كما تحرص روسيا على توسيع هذا النفوذ لاسيما في وقت تنأى فيه واشنطن بنفسها عن المنطقة في ما يبدو.

وفي وقت سابق هذا الأسبوع سحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب القوات الأميركية ممهدا الطريق أمام هجوم تركيا، مما أثار انتقادات من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الذين يقدرون دور الأكراد في القتال إلى جانب الأميركيين لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. وتعتبر أنقرة وحدات حماية الشعب الكردية السورية جماعة إرهابية بسبب علاقاتها مع حزب العمال الكردستاني الذين يخوض تمردا داخل تركيا.

ومن شأن استمرار العملية التركية لفترة طويلة أو خروجها عن السيطرة أن يعرقل جهود الكرملين الدبلوماسية.

وقال يوري أوشاكوف المساعد في الكرملين إن بوتين أبلغ أردوغان بأن على قواته أن تتوخى الحذر في كل تحركاتها رغم تفهم موسكو لمخاوف أنقرة الأمنية.

وأضاف أوشاكوف “من المهم بالنسبة لنا أن تتحلى كل الأطراف بضبط النفس وأن يحسبوا بدقة خطواتهم العملية لتجنب الإضرار بالإجراءات التي تم اتخاذها لتحقيق تسوية سياسية”.

وأشار إلى أول اجتماع مقرر عقده للجنة صياغة الدستور السوري بدعم من موسكو في 29 أكتوبر على أنه حدث لا ينبغي تعطيله وقال إن من غير المقبول لموسكو أن يتعرض مدنيون لمعاناة بسبب الهجوم التركي.

وأوضح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن موسكو تتأهب للاضطلاع بدور وسيط في حل أحدث أزمة في الصراع السوري الذي طال أمده.

وقد يشمل ذلك التوسط في إجراء محادثات بين أنقرة ودمشق، التي تريد خروج القوات التركية من أراضيها، وبين دمشق والأكراد، الذين يريدون قدرا من الحكم الذاتي داخل سوريا وهو أمر لم يظهر الأسد أي إشارة بعد على
تقبله.

وقال لافروف للصحافيين إن موسكو ستحاول في الاتجاهين مشيرا إلى الترحيب الواضح بجهود روسيا من الجانبين السوري والكردي. ويرى ماثيو بوليج الباحث في مؤسسة تشاتام هاوس في لندن أن “روسيا على الأرجح هي اللاعب الوحيد في الغرفة بين الراشدين الذي يمكنه أن يتحدث مع الجميع في ذات الوقت، سواء كانت إسرائيل وإيران أو القوات الكردية وتركيا أو الأسد وأي طرف آخر”. وبالنسبة لبوتين سيشكل ذلك نصرا كبيرا على الساحة الجيوسياسية.

وقال آندريه كورتونوف رئيس المجلس الروسي للشؤون الدولية، وهو مركز أبحاث تربطه صلات وثيقة بوزارة الخارجية الروسية، “إذا تمكن من ترتيب ذلك فسيُعتبر الأمر نصرا سياسيا كبيرا”.

وتابع كورتونوف “يمكن لبوتين أن يقول إن الأميركيين أخفقوا في حل ذلك لكننا استطعنا بما يعني ضمنا أن نهجنا حيال الصراع أكثر فاعلية من منافسينا على الساحة الجيوسياسية”.

وقال فلاديمير فرولوف وهو دبلوماسي روسي كبير سابق إنه إذا اقتصرت العملية التركية على منطقة أمنية عمقها 30 كلم داخل سوريا وكانت سريعة فمن المرجح أن تغض موسكو الطرف عنها.

وأشار إلى أن نشر روسيا لأنظمة دفاع جوي متطورة في سوريا ووجود قاعدة جوية لها هناك يمكنها عمليا وقف أي تقدم تركي إذا أرادت.

لكن فرولوف قال “إذا أراد أردوغان التوغل أكثر في سوريا وتقسيمها فستحاول موسكو منع ذلك من خلال نشر مواقع مراقبة روسية في مناطق متقدمة وبغطاء جوي روسي”، مضيفا “روسيا تسيطر على سماوات سوريا وتركيا تحلق بطائراتها الآن برضا موسكو”.

الهجوم التركي على شمال سوريا
الهجوم التركي على شمال سوريا

وبرزت روسيا كقوة مؤثرة في سوريا بعد أن تدخلت عسكريا هناك عام 2015 مما قلب دفة الحرب لصالح الرئيس بشار الأسد.

ومن المنطقي ترجيح صفقة تفاهم بين واشنطن وأنقرة تم الاتفاق عليها، وأن الخاسر الأول سوف تكون القوى الكردية التي تحالفت مع البنتاغون شرق الفرات، وراهنت عن خطأ على أن واشنطن سوف تمنع هذه العملية وتفرض حماية صريحة للمسلحين الأكراد في وجه الجيش التركي.

ومع الانسحاب الأميركي واستمرار تركيا في عمليتها العسكرية ضد قوات وحدات حماية الشعب الكردية، قد ينجح الأكراد في مساعيهم لعقد اتفاق مع دمشق والذي قد يضمن دفاع سوريا عن الأكراد، مما سيؤدي إلى الاصطدام التركي السوري، وهذا سيولد أزمة خطيرة بين روسيا وتركيا، والذي قد يمتد ليفرض توترات جديدة بين روسيا والغرب، لكن موسكو التي تمسك بخيوط اللعبة لن تسمح بذلك.

5