التوفيق بين العمل والعائلة معادلة تفقد الزوجة راحتها

انعدام مساعدة الزوج في تدبير شؤون الأسرة مصدر توتر يومي للزوجة.
الأربعاء 2020/11/11
العمل ورعاية الأطفال والأعمال المنزلية ثالوث يستنفد طاقة الزوجة

تبذل الزوجات والأمهات العاملات قصارى جهودهن للتوفيق بين عملهن وواجباتهن المنزلية، وعلى الرغم من عدم اعترافهن بالعجز عن تحقيق التوازن في هذه المعادلة الصعبة إلا أن التجارب أثبتت أن محاولة الزوجة التوفيق بين العمل والعائلة معادلة خاسرة تفقدها راحة البال.

 تستنفد الزوجة العاملة طاقاتها للتوفيق بين العمل ومتطلبات الأسرة والأعمال المنزلية والأبناء والزوج، وتتعرض إلى ضغوط نفسية شديدة بسبب محاولاتها اليائسة للتوفيق بين العمل وحياتها الشخصية وعدم قدرتها على تأدية المهام المنزلية.

وأكد علماء الاجتماع أن التوازن بين العمل والأسرة يحتاج إلى توزيع الطاقة بينهما، منبهين إلى أن هذا المصطلح يعتبر استعارة للفكرة القائلة بأن العلاقات بين العمل والأسرة يمكن أن تكون غالبا متنافسة ومتناقضة وصدامية.

وأوضحوا أنه في زمن ما كانت الخطوط الفاصلة بين العمل والمنزل واضحة تماما، إلا أنه في العصر الحديث غزى العمل حياة النساء الشخصية وأصبح الحفاظ على التوازن بين العمل والحياة العائلية ليس بالمهمة السهلة.

وأكدت فتحية السعيدي أن الدراسات الاجتماعية ضبطت ثلاثة أدوار رئيسية للنساء وهي الإنجاب، أي كل ما له علاقة بالتربية ورعاية كبار السن، والإنتاج أي العمل، والمشاركة العامة في الحياة الاجتماعية.

وقالت المختصة في علم الاجتماع في تصريح لـ”العرب”، إنه مع تعدّد الأدوار الموكولة للمرأة مقارنة بالرجل فقد ضعفت مشاركتها في الحياة العامة وتقلص دورها المجتمعي، مشيرة إلى أن التقسيم التقليدي للأدوار حصر المرأة في الفضاء الخاص وترك الفضاء العام ملكا للرجل.

وأضافت السعيدي أنه مع خروج المرأة للعمل أضيف إليها دور آخر صعّب عليها مهمة رعاية أسرتها. وأشارت إلى أن المرأة تكيفت مع كل الأدوار المنوطة بعهدتها وأصبحت تقوم بها جميعا، وهو ما جعل الجمعيات الناشطة في مجال حقوق المرأة تطالب بتعديل تلك الأدوار التقليدية بطريقة يتحمل فيها الرجل قسطا من المسؤولية حتى يتحقق التوازن داخل الأسرة.

فتحية السعيدي: على الزوج أن يتحمل قسطا من المسؤولية لتحقيق التوازن الأسري
فتحية السعيدي: على الزوج أن يتحمل قسطا من المسؤولية لتحقيق التوازن الأسري

وأوضح الخبراء أن التوازن بين العمل والعائلة يعد مسألة معقدة تتضمن القيم المالية وأدوار الجنسين والمسار الوظيفي وإدارة الوقت، منبهين إلى أن مشكلة الموازنة بين العمل والحياة الأسرية ليست جديدة، لكن في السنوات الأخيرة، بدأ علم الاجتماع في إيلائها المزيد من الاهتمام، نظرا إلى تأثيراتها الكبيرة على الزوجة العاملة والقلق المتزايد الذي تسببه لها، ويعتقد الخبراء أن الكفاح المستمر لتحقيق التوازن بين العمل والأسرة سيكون له عواقب وخيمة على صحة الزوجات النفسية والجسدية.

وتزداد خطورة هذه المشكلة بالنسبة لأمهات في المجتمعات العربية، حيث أنه من المتوقع أن تتحمل المرأة مسؤوليات أسرية أكبر، فإلى جانب عملها خارج المنزل يجب عليها الاعتناء بأطفالها والعناية بوالديها، والأفراد المسنين في أسرتها وكذلك إدارة المطبخ والشؤون المنزلية الأخرى واستقبال الضيوف.

ولفتوا إلى أن إهمال الزوجات أي مسؤولية من هذه المسؤوليات لغرض أداء العمل في المكتب أو المؤسسات التي يتم توظيفهن فيها أمر لا يتسامح معه أزواجهن ومجتمعاتهن.

وأفاد المختصون أنه في السنوات الأخيرة كثر الحديث عن تمكين المرأة، إلا أن هناك فشلا كبيرا في فهم القضايا التي تواجهها الزوجة وربة الأسرة العاملة في مجتمعات مرتبطة بالتقاليد التي تجبر المرأة العاملة على الحفاظ على التوازن بين حياتها المهنية وحياتها الأسرية ارتباطا وثيقا، مما يفقدها راحة البال بسبب لهثها المتواصل لتحقيق هذه المعادلة.

وخلصت إحدى الدراسات الحديثة إلى أن عدد الساعات التي تقضيها المرأة العاملة في المتوسط في تأدية الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر تفوق ما يقضيه الرجل بنحو 15 ساعة أسبوعيا.

وكشف استطلاع رأي أجرته جامعة ملبورن في أستراليا أن الآباء والأمهات باتوا يقضون ست ساعات إضافية يوميا في رعاية الأطفال والإشراف عليهم، وتتحمل النساء العبء في أكثر من ثلثي هذا الوقت.

ونبّه الباحثون إلى أن الأنظمة الأسرية الحديثة قد تنتكس وتعود إلى النمط التقليدي في توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة بسبب إغلاق المدارس ودور الحضانة، لافتين إلى أن الكثير من النساء اللاتي يعملن بدوام كامل ويتقاضين أجورا مرتفعة، رغم أنهن حافظن على وظائفهن منذ بداية الجائحة، يشتكين من أن التوفيق بين واجبات العمل والأعباء المنزلية أصبح عسيرا.

وأكد المختصون أن عمل الزوجة يؤدي إلى إضعاف دورها في أسرتها، فالزوجة العاملة تضطر أحيانا كثيرة إلى الغياب عن بيتها لساعاتٍ طويلة، وبالتالي لا تستطيع القيام بكامل مسؤولياتها وأدوارها في الأسرة بسبب قلة الوقت المتاح لديها مقارنة مع الزوجة غير العاملة.

وأشاروا إلى أن عمل الزوجة يؤدي في بعض الأحيان إلى فتور علاقة الأم مع أبنائها، موضحين أن الزوجة العاملة تعود من عملها مرهقة متعبة، تفتقد الطاقة لتربية أبنائها والجلوس معهم والتحدث إليهم، وبالتالي تقلّ أوقات مشاركتها لأبنائها في أنشطتهم الأسرية وهذا يضعف علاقتها معهم ويشعرها بالذنب.

عمل الزوجة يؤدي إلى إضعاف دورها في أسرتها
عمل الزوجة يؤدي إلى إضعاف دورها في أسرتها

وقال الخبراء إن نهاية يوم العمل لا تعني الاسترخاء لمعظم الأمهات العاملات، فهي بداية لعمل من نوع آخر سواء في إعداد الطعام أو متابعة دروس الأبناء أو التسوق، حيث يؤكدون أن أعمال المنزل لا نهاية لها، خاصة مع وجود أطفال، وبالتالي فلا وقت للهوايات أو لقاء الأصدقاء، وينطوي ضياع وقت الفراغ على مخاطر كبيرة لأنه يضعف الطاقة والقوة اللازمة للأيام التالية.

وكشفت دراسة أنجزها موقع “توداي” شملت 7 آلاف أم، صنف فيها معدل مستوى الإجهاد لديهن بنسبة 8.5 من 10، مساهمة الرجال بالنسبة الأكبر في إجهاد الزوجات مقارنة بالأطفال، وأفادت 46 في المئة من الزوجات بأن الأطفال يولّدون ضغوطا وتوترا أقل من أزواجهن.

وأكدت أن عدم وجود مساعدة كافية من الزوج هو مصدر رئيسي للتوتر اليومي، حيث أشارت ثلاثة أرباع السيدات في المسح إلى أنه يقع على عاتقهن العبء اليومي للأمومة والأبوة والأسرة دون أي مشاركة من الزوج، لافتة إلى أن المرأة تتحمل العمل اليومي داخل المنزل من تنظيف وإعداد وجبات الطعام، وتربية الأطفال، ومعظمهن يعملن بدوام كامل خارج المنزل، في حين يكتفي الرجل بالعمل خارج المنزل تاركا النصف الآخر على عاتق المرأة وحدها، ويقضي معظم الوقت في الاسترخاء.

وتتحمل النساء ثلاثة أضعاف عبء عمل أزواجهن، ولفت الباحثون إلى أن هذه النسب تظل كما هي، بغض النظر عما إذا كانت الزوجة لديها وظيفة بدوام كامل، وما إذا كان زوجها يعمل أو لا يعمل. وقالوا إن الرجل يلقي بالأعمال المنزلية على عاتق زوجته ويحصل على لقب زوج جيد إذا ساعدها، مؤكدين أنه إذا لم يتم التعاطي بشكل منصف ومتساو مع الأعمال المنزلية فيمكن أن تؤثر سلبا على الجوانب الأخرى للعلاقة وأن تكون سببا رئيسيا للمشاكل الزوجية.

وقال الخبراء إن المرأة تتحمل أعباء كثيرة ومتواصلة، وتشعر بالذنب عند الإخفاق والعمل الذي لا ينتهي يسبب لها الكثير من الإرهاق، وكشفت دراسة بريطانية أن وقت فراغ الزوجات أقل من الأزواج لأنه على الرغم من أنهن يعملن بدوام جزئي أكثر من الرجال، فإنهن يقضين وقتا أطول في إكمال العمل غير المأجور مثل الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال.

وأوضحوا أن المرأة العاملة قد تقصر تجاه نفسها وراحتها ونادرا ما تقصر تجاه بيتها، ولا ترضى أغلب النساء العاملات على أنفسهن إلا إذا قمن بأعمالهن على أكمل وأتم وجه، ولكن تبقى المرأة العاملة تحس بنوع من تأنيب الضمير لأنه بالإضافة إلى التربية والبيت تقوم بعمل آخر يثقل كاهلها ويعرضها للضغوط النفسية والجسدية، وقد يؤدي العمل إلى تقصير في وظائفها التربوية لأن من يعمل خارج البيت سوف يخوض معارك نفسيه، والمرأة إذا خاضت في هذه المعارك قد تتعب ويؤثر ذلك على نفسيتها وهدوئها وراحة بالها.

21